Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سقوط الكرمك... أي دور إثيوبي في حرب السودان؟

يرى مراقبون أن المنطقة ظلت محور اهتمام عسكري كبير لأكثر من 3 عقود وشهدت معارك ضارية خلال التسعينيات

منطقة الكرمك تمتد على مناطق توفر مسارات آمنة للدعم اللوجيستي (رويترز)

ملخص

نشر نشطاء إثيوبيون على شبكة الإنترنت مقاطع فيديو توثق تحركات لمركبات كبيرة تحمل أسلحة ثقيلة وعربات عسكرية ومدرعات قالوا إنها متجهة إلى "الدعم السريع"، عبر الطريق الرابط بين كرمك الإثيوبية والسودانية.

أثار إعلان قوات "الدعم السريع" السودانية والحركة الشعبية شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو، السيطرة على مدينة الكرمك السودانية الاستراتيجية الواقعة على مسافة 136 كيلومتراً من مدينة الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق قرب الحدود مع إثيوبيا، موجة من الغضب لدى قيادة الجيش السوداني، لارتباطه المباشر، بحسب رأيهم، بدور أديس أبابا في الحرب.

وبحسب بيان للجيش السوداني فإن الهجمات على الكرمك انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية، عبر تحرك سيارات قتالية من أصوصا الإثيوبية إلى خور الذهب في الكرمك الإثيوبية، بهدف الهجوم على الكرمك السودانية.

ويرى مراقبون أن منطقة الكرمك ظلت محور اهتمام عسكري كبير، لأكثر من ثلاثة عقود، إذ شهدت معارك ضارية خلال الحرب بين الجيش السوداني والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل جون قرنق، في تسعينيات القرن الماضي، نظراً إلى أهميتها الاستراتيجية التي تكمن في كونها "حزام أمان مباشر للمراكز الحيوية"، وعلى رأسها  "خزان الروصيرص"، بما له من أهمية كبيرة في منظومتي الكهرباء والمياه، فضلاً عن الأبعاد العسكرية المهمة، كون المنطقة تعد حلقة ربط بين السودان ودولتي إثيوبيا وجنوب السودان.

يأتي ذلك بعد أسابيع من نشر نشطاء إثيوبيين على شبكة الإنترنت مقاطع فيديو توثق تحركات لمركبات كبيرة تحمل أسلحة ثقيلة وعربات عسكرية ومدرعات قالوا إنها متجهة إلى "الدعم السريع" عبر الطريق الرابط بين كرمك الإثيوبية والسودانية، كما هذا التطور بعد نحو أسابيع من كشف وكالة "رويترز" عن استضافة إثيوبيا معسكراً سرياً لتدريب آلاف المقاتلين من "الدعم السريع" في إقليم بني شنقول المحاذي للحدود السودانية.

تغير قواعد اللعبة

من جهته رأى المحلل السياسي المختص في شؤون القرن الأفريقي خالد محمد طه أن التطورات الأخيرة المرتبطة بسيطرة قوات "الدعم السريع" وحلفائها من الحركة الشعبية على منطقة كرمك لا ينبغي أن تقرأ في إطار تحقيق نصر ميداني محدود على الجبهة، بل يستوجب ضرورة قراءة المؤشرات المصاحبة له، والمتعلقة أساساً بالدعم اللوجستي المقدم من دولة مجاورة، بحسب المعلومات المتداولة، في هذا الشأن .

واعتبر طه أن استصحاب خلفية هذه التطورات تشي بوقوع تغير في قواعد اللعبة بصورة واضحة، إذ إن الاشتباك  في طريقه للتحول من حرب داخلية إلى دائرة أوسع في حال التحقق من الدعم اللوجيستي الإثيوبي.

 

وأكد الحرب السودانية التي ظلت، على رغم تعقيداتها، محكومة بإطار داخلي، بدأت تتخذ ملامح تدويل غير معلن، في ظل تداخل مصالح إقليمية، وتحول الحدود إلى خطوط إمداد عسكري واسع، موضحاً أن هذا النمط ليس جديداً على الكرمك، بل يعيد إنتاج دورها التاريخي كـ"رئة خلفية" لحروب دول المنطقة تاريخياً.

وتابع "نبرز أهمية الممرات البرية والبحرية بوصفها أحد أخطر أبعاد التحول الجاري، فالسودان لا يقع فقط على حدود رخوة، بل يمتلك منفذاً استراتيجياً على البحر الأحمر، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، ويمثل حلقة وصل بين العمق الأفريقي وممرات الملاحة الدولية المرتبطة بمضيق باب المندب".

ومع انتقال الصراع إلى مناطق مثل الكرمك، فإن الخطر لا يقتصر على الداخل، بل يمتد عبر الممرات البرية التي تربط شرق السودان بإثيوبيا وجنوب السودان، لتتحول إلى خطوط إمداد عسكري وتدفقات غير مضبوطة للسلاح والمقاتلين.

تنافس إقليمي ودولي

ويربط المحلل السياسي المختص في شؤون القرن الأفريقي خالد محمد طه بين التنافس الدولي المحتدم على الموانئ والنفوذ في البحر الأحمر، وبين التطورات الأخيرة في منطقة كرمك، محذراً من أن انزلاق الأوضاع في شرق السودان قد يعيد رسم خريطة السيطرة على هذه الممرات، ويحول البلاد من ساحة حرب داخلية إلى عقدة صراع لوجستي إقليمي ودولي، إذ تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع ديناميات النزاع المحلي، مما يضاعف خطورة المشهد ويعقد مسارات احتوائه لاحقاً.

وينوه إلى أن انتقال الحرب إلى إقليم النيل الأزرق ينبغي قراءته ضمن شبكة أوسع من العلاقات لفهم المسار المحتمل، وأهمها الحدود المفتوحة، لا سيما وأن السودان يجاور سبع دول، بحدود طويلة ومتشابكة اجتماعياً وقبلياً، مما يجعل أي صراع داخلي قابلاً للتمدد، أو للاختراق الخارجي، علاوة عن التشابكات الإثنية بين المجتمعات على جانبي الحدود، مما يرجح قابلية تحول الأزمة الداخلية السودانية إلى صراع عابر للحدود.

ويوضح أن منطقة الكرمك تمتد على مناطق توفر مسارات آمنة للدعم اللوجيستي، فضلاً عن أسواق لتهريب السلاح ومناجم لتعدين الذهب، ومن ثم فإنها جزءاً من اقتصاد إقليمي للصراع.

دلائل الدور الإثيوبي

بدوره يرى المختص في الشأن السوداني ضياء ميرغني أن "الحكومة السودانية بقيادة عبدالفتاح البرهان ظلت تتجنب توجيه اتهامات مباشرة لإثيوبيا بالضلوع في دعم ميليشيات الدعم السريع لأكثر من ثلاثة أعوام، ذلك على رغم عدم توفر الأدلة، أملاً في استمالة النظام الإثيوبي وعدم دفعه لمعاداة السودان بصورة كلية".

وأشار إلى أن "التقارير الدولية التي وثقت وجود معسكرات تدريب في الأراضي الإثيوبية لصالح قوات الدعم السريع، مدعومة بصور للأقمار الاصطناعية، تمثل أدلة كافية لدور أديس أبابا في الحرب السودانية"، مؤكداً أن تقريراً نشرته صحيفة "لوموند أفريك" الفرنسية، كشف عن استمرار تدفق الإمدادات العسكرية إلى "الدعم السريع" في السودان عبر الأراضي الإثيوبية، إذ وثق التقرير الذي نشر في الـ18 من مارس (آذار) الجاري أن طائرات الشحن واصلت عملها في نقل المعدات العسكرية، في مشهد يعكس فصلاً واضحاً بين المسارات المدنية واللوجستية ذات الطابع العسكري.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف ضياء أن التقرير تضمن توثيقاً واسعاً لنقل الذخائر والأسلحة والمركبات والطائرات المسيرة، يجري نقلها ضمن منظومة لوجستية جوية معقدة تربط أبوظبي بمطار أصوصا الإثيوبي في إقليم بني شنقول الإثيوبي، إلى جانب عناصر قتالية جرى نقلها من تشاد إلى الإقليم الإثيوبي، مما يشير بوضوح إلى دور الطرف الإثيوبي في التطورات الأخيرة التي شهدتها منطقة كرمك السودانية.

وذكر ميرغني أن التعاطي السوداني مع إثيوبيا ينبغي أن يتخذ مساراً مختلفاً، لا سيما بعد توافر الأدلة كافة عن الدور المباشر لأديس أبابا في المعارك الأخيرة في الكرمك التي تمثل حلقة مهمة من الصراع، خصوصاً على  مستوى الممرات الاستراتيجية واللوجيستية للحرب الدائرة منذ ثلاثة أعوام.

رصيد إثيوبيا الثقيل

بدوره أكد المحلل السياسي الإثيوبي بيهون غيدوان ضرورة تحلي النظام السوداني بالقدر الكافي من المسؤولية السياسية والأخلاقية، قبل توجيه الاتهامات ضد إثيوبيا، بالتورط في الحرب الداخلية السودانية، مشيراً إلى أن إنهاء الأزمة السودانية يمثل مصلحة استراتيجية لأديس أبابا، في حين أن استمرارها ينبئ بأخطار محدقة على إثيوبيا التي ترتبط بحدود مشتركة مع أكثر من إقليم سوداني.

وأوضح غيداون أن لبلاده مصلحة حقيقية في استقرار السودان، مدللاً على ذلك بالدور التاريخي الذي لعبته في التوصل إلى اتفاق سلام بين الفرقاء السودانيين خلال عام 2019، وتابع أن لإثيوبيا رصيداً ثقيلاً من المبادرات في حلحلة الأزمات السودانية، منذ اتفاق أديس أبابا عام 1972، إذ نجحت في عقد اتفاق سلام بين حكومة جمهورية السودان وحركة تحرير السودان لإنهاء الحرب الأهلية الأولى التي أدرجت نصوصها في دستور البلاد.

وقدر غيداون أن التاريخ المشترك بين إثيوبيا والسودان يدلل على أن استقرار السودان يسهم بصورة إيجابية في استقرار إثيوبيا، وأكد أن الجيش السوداني الذي مني بهزائم ميدانية في منطقة الكرمك ينبغي أن يعيد تقدير حساباته من جديد، بدلاً من توجيه الاتهامات لدول خارجية، مضيفاً أن الحل الأوحد للصراع السوداني - السوداني يتمثل في عودة الأطراف للاتفاق السياسي الموقع خلال أغسطس (آب) عام 2019 بوساطة إثيوبية.

ونفى المحلل الإثيوبي أن تكون بلاده متورطة في تسليح وتدريب عناصر "الدعم السريع"، مؤكداً أن تلك الاتهامات تمثل جزءاً من بروباغندا الحرب التي تتبعها الحكومة السودانية كلما تعرضت لخسائر، مضيفاً أن التقارير الصحافية التي تمعن في ترديد سرديات تورط إثيوبيا، لا تتحلى بقدر كاف من الصدقية، بخاصة وأن غالب تلك الوسائل لا تمتلك مراسلين معتمدين في أديس أبابا، كما الحال بالنسبة إلى وكالة "رويترز".

وختم المحلل الاثيوبي حديثه بقوله إن "التنصل على الاتفاق السياسي الموقع خلال عام 2019 والانقلاب على حكومة عبدالله حمدوك هو الذي قاد السودان إلى هذه الحرب"، مؤكداً أن القيادة العسكرية التي تنفرد بالسلطة في بورتسودان تعد المسؤول الأول عن مخرجات الحرب الدائرة منذ أبريل (نيسان) عام 2023، وأنها تتحمل مسؤولية إنهاءها بصورة سياسية، بدلاً من اتهام دول الجوار بالضلوع في دعم طرف أو آخر.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير