ملخص
أحاديث عن الحرب بعشاء عند أصدقاء بأبو ظبي، وأحاديث أعمق وأوفر بوفرة مياه مدينة العين داخل العمق الإماراتي. نقاشات مع الناس بالسعودية والبحرين والإمارات وجدت بها ترقباً لا قلقاً لتطورات الحرب، ثقة تشع من العيون، وأمل يرنو على نبرات الأصوات حين الحديث عن العدوان الإيراني على بلدان الخليج العربية، وإيمان لا يتزعزع بأن العدوان سيرتدع وبأن الغدر مآله للاندحار.
شعرت بحاجة لرحلة على الطريق، دفعني حبي للجزيرة العربية ودول الخليج أن أقنع بعض الأهل برحلة قصيرة نزور بها أكبر عدد يمكننا زيارته بعطلة عيد الفطر بداية هذا الأسبوع على السيارة أو "العربية" – كما تسمى بمصر. حاجة في نفسي فرضت علي المرور على المناطق الشرقية من الجزيرة العربية وهي تتعرض لعدوان إيراني سافر غير مسبوق ولم يستثن أياً من الدول الخليجية الواقعة على الساحل الغربي للخليج العربي.
من النويصيب دخلنا المملكة العربية السعودية، وعلى خط الدمام جنوباً، اللافتة تقول تناجيب، همهمت لنفسي:
اللاّبة اللي قبلةٍ من تناجيب***نوّخ ركابك عندهم كل حزّه
مثل الذيابه لا عوا الذيب للذيب***تلقى الشجاعة والكرم والمعزّه
لو خرجت غرباً من خط الدمام للطريق الذي يشق وادي العجمان لانتهت الرحلة والإجازة فيه بين غداء عند هذا وعشاء عند ذاك، وحلف يمين من هذا وقسم عظيم من ذاك، فكيف لك أن تتخلص من الأصدقاء والمعارف والعجمان بالوادي لو قابلوك؟
وصلنا الدمام، اتصلت على صديق قديم، جلسنا نشرب القهوة عنده ونرتاح قليلاً، وافق بصعوبة شديدة بعد قسم وحلف وعذر ومبرر على أن نستكمل الرحلة من دون أن نبقى للعشاء.
تشعر وأنت تعبر جسر الملك فهد باتجاه البحرين أنك تدخل قارة أخرى بمساحة جزيرة صغيرة، فليس كمثل البحرين بلد، بها سحر يميزها عن بقية ديار الأرض، وبها شعور بالطمأنينة على رغم أن الصواريخ الإيرانية والمسيرات كانت تعبر فوق رؤوسنا، تصدت المضادات البحرينية - كما بدول الخليج الأخرى - بشجاعة منقطعة النظير لصواريخ العدوان والغدر. بالليل، وقبل العشاء ببيت صديق بحريني، شاهدنا فوز مانشستر سيتي على الآرسنال بكأس الرابطة الإنجليزية، كانت مباراة مثيرة وممتعة وفوزاً مستحقاً للسيتي.
في صباح اليوم التالي، تحركنا صوب دولة الإمارات العربية المتحدة، المسافة طويلة، لكن الجو ربيعي جميل وغائم والقيادة ممتعة. مررنا بجانب منفذ سلوى البري بقطر التي كنا ننوي التوقف عندها بطريق العودة. وصلنا أبو ظبي ليلاً، وجدنا مدينة جميلة تغتسل وتتطهر من دنس أبخرة الصواريخ وأزيز المسيرات الإيرانية، أمطار ورعود وبروق، يتباشر الناس بالمطر ويستبشرون به خيراً.
أحاديث عن الحرب بعشاء عند أصدقاء بأبو ظبي، وأحاديث أعمق وأوفر بوفرة مياه مدينة العين داخل العمق الإماراتي. نقاشات مع الناس بالسعودية والبحرين والإمارات وجدت بها ترقباً لا قلقاً لتطورات الحرب، ثقة تشع من العيون، وأمل يرنو على نبرات الأصوات حين الحديث عن العدوان الإيراني على بلدان الخليج العربية، وإيمان لا يتزعزع بأن العدوان سيرتدع وبأن الغدر مآله للاندحار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شعور بالمرارة لدى أهلنا بالخليج من مواقف بعض العرب، قد يكون الكويتيون أقلهم مرارة فقد جربوا الخذلان عام 1990 حين غزا العراق الكويت، فَقَلبَ لهم من كانوا يظنونهم إخوة لهم بالسراء والضراء ظهور المِجَن، فصار لدى الكويتيين نوع من المناعة من الخذلان وعداوة الحمقى.
لمست لدى أهلنا بالخليج دعة غير طبيعية، وثقة عميقة بأن ما يجري موقت وزائل، كلهم يقولون نفس الكلام تقريباً: "شدة وتزول، وستعود الأمور أفضل مما كانت، ولكن" وهنا يتمحور الحديث حول المستقبل بعد العدوان الإيراني الغادر، هل ستبقى الأمور الخليجية على ما هي عليه بعد زوال الغمة؟ هل تعلمنا دروساً ممن غدر بنا واعتدى علينا؟ هل سنراجع حساباتنا الداخلية والإقليمية تجاه من نصرنا وضد من خذلنا؟ هل سنعيد النظر بتحالفاتنا الدولية؟ هل ستقربنا هذه المحنة لبعضنا، أم أننا سرعان ما ننسى مثلما نسينا دروس محنة احتلال الكويت وغزوها؟
لم تسعفنا الإجازة على التوقف بقطر العزيزة، ولا الوصول لعمان الغالية، لكن عينة الانطباع واحدة، وصبغة المواقف الشعبية والمشاعر الخليجية موحدة، أينما ذهبت بالخليج، ستجد التفاؤل والأمل، وستقابل بالإيمان بالنصر وردع العدوان ودحره.