ملخص
مشكلة بعض ساسة العراق اليوم أنهم يظنون واهمين أن الكويت هي "الطوفة الهبيطة" بين كل جيرانها، وهذا خطأ لم يتجاوزوه على رغم قساوة الدروس ودموية تجارب الماضي، فالمحيط الخليجي والعربي انتفض ضد الحركة العراقية المفاجئة التي تعكس نيات انتهاك للسيادة الكويتية، ظن كُثر أنها ولت إلى الأبد، فأصدرت دول مجلس التعاون الخمس ومصر والأردن خلال ساعات بيانات تدين الحركة العراقية المفاجئة، وتقف مع الكويت وسيادتها وحقها في مياهها الإقليمية.
إسرائيل هي الدولة العضو الوحيد في الأمم المتحدة التي ليست لها حدود سياسية معلنة ومحددة ومودعة في الأمم المتحدة، ولكن تخيّل لو أن إسرائيل أودعت خريطة تحدد فيها حدودها السياسية من النيل إلى الفرات والتي سمّاها السفير الأميركي مايكل هاكابي "إسرائيل الكبرى"؟ ولذلك يمكن للأمم المتحدة أن تتسلم الخريطة وتضعها في أرشيفها وسجلاتها من دون أن يعني ذلك الإقرار بها أو الاعتراف بها أو إلزام أي طرف بها.
قبل أيام وفي وقت تحتشد الجيوش الأميركية العسكرية والأساطيل الحربية الهائلة في المنطقة، وتتوالى التهديدات الأميركية بضرب إيران ما لم تستسلم للمطالب الأميركية - الإسرائيلية، وقبل أيام قليلة فقط من احتفال الكويت بالذكرى الـ 35 لتحريرها من الاحتلال العراقي، قام العراق بحركة مفاجئة للكويت والدول الخليجية والعربية المحيطة، فأودع خريطة لحدوده البحرية متجاوزة مناطق كويتية غير متنازع عليها، ولم تكن يوماً محل نقاش أو نزاع، وقد هندس الخريطة العراقية وتبجح برسمها لواء بعثي سابق تحول إلى ولائي إيراني حالي وهو اللواء جمال الحلبوسي، باحثاً عن دور في المشهد السياسي العراقي.
يُذكر أن العراق يعيش فراغاً سياسياً منذ أشهر بعد إجراء آخر انتخابات، فلم يتوافق الكرد على رئيس بروتوكولي للجمهورية، واحتج الرئيس الأميركي دونالد ترمب على عودة نوري المالكي رئيسا للوزراء بعدما رشحه "الإطار التنسيقي"، وهو الاسم السياسي لميليشيات الحشد الشعبي المسلحة الموالية لإيران، وبالتالي فالحكومة العراقية اليوم هي حكومة انتقالية موقتة لتصريف الأعمال.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تحيط بالعراق ست دول تشترك معه في حدود برية وبحرية، وهي تركيا بـ 400 كيلومتر، وسوريا بـ 600 كيلومتر، والأردن بـ 200 كيلومتر، والسعودية بـ 800 كيلومتر، والكويت بـ 255 كيلومتراً، وإيران بـ 1600 كيلومتر، أي أن مجموع حدود العراق في حدود 3800 كيلومتر، وإذا استثنيت الحدود مع الكويت فإن مجموع طول الحدود العراقية مع جيرانه الآخرين هي 3600 كيلومتر تقريباً، وعلى رغم أن الحدود العراقية - السورية ملتهبة منذ عقود وأصبحت مرتعاً للتهريب والهجرات والنزوح ومرور الإرهابيين في اتجاهات مختلفة، وميليشيات و"دواعش" ومخدرات وأسلحة واستخبارات، لكن العراق لا يثير مشكلات حدودية مع أحد سوى الكويت، على رغم أنها الدولة الوحيدة من جيرانه التي جرى ترسيم حدوده معها بموجب قرار أممي ملزم أصدره مجلس الأمن تحت البند السابع (833/ 1993)، ووافقت عليه حكومات العراق جميعاً منذ صدام حسين.
وعلى رغم وجود احتلال عسكري تركي لشمال العراق، وعلى رغم أن العراق خاض حرباً استمرت ثمانية أعوام مع إيران راح ضحيتها الملايين، وخسر الجانبان فيها مئات المليارات، وكانت بحجة إلغاء "معاهدة الجزائر" الحدودية التي وقّعها صدام حسين مع شاه إيران عام 1975، وعلى رغم أن إيران اليوم تخترق الحدود العراقية الشرقية طولاً في عرض، وتستغل حقول "مجنون" النفطية وغيرها، وتتحكم في القرار السياسي العراقي، لكن عراق اليوم لا مشكلة حدودية له لا مع تركيا ولا إيران ولا مع أي من جيرانه الآخرين.
مشكلة عراق اليوم الوحيدة هي مع إخوته في الكويت التي قدمت ولا تزال تقدم له كل ما قد يعاونه على تجاوز كوارث الحروب التي شنها صدام حسين، واستمرت بأشكال مختلفة بعد سقوطه، حتى إن الكويت سمحت للسفن العراقية التجارية بالمرور عبر مياهها الإقليمية في خور عبدالله من دون رسوم ومن دون تفتيش ومن دون حاجة إلى إنزال العلم العراقي من سواري السفن.
مشكلة بعض ساسة العراق اليوم أنهم يظنون واهمين أن الكويت هي "الطوفة الهبيطة" بين كل جيرانها، وهذا خطأ لم يتجاوزوه على رغم قساوة الدروس ودموية تجارب الماضي، فالمحيط الخليجي والعربي انتفض ضد الحركة العراقية المفاجئة التي تعكس نيات انتهاك للسيادة الكويتية، ظن كُثر أنها ولت إلى الأبد، فأصدرت دول مجلس التعاون الخمس ومصر والأردن خلال ساعات بيانات تدين الحركة العراقية المفاجئة، وتقف مع الكويت وسيادتها وحقها في مياهها الإقليمية.
بعد سقوط صدام حسين عام 2003 شكّلت الكويت والعراق لجنة مشتركة لحل المشكلات العالقة بين البلدين الجارين الشقيقين كافة، وقد حلحلت اللجنة كثيراً من المشكلات وأغلقت ملفات عدة، ولا تزال اللجنة قائمة، والسبيل الوحيد إلى حلحلة أية أزمة بين البلدين يجري من خلال الحوار والتفاهم الشفاف المتواصل عبر اللجنة المشتركة وليس من خلال حركات "عبطية" لا فائدة منها للبلدين، تزيد من عزلة العراق وارتمائه في أحضان إيران بعيداً من إخوته ومحيطه العربي، فالحصافة السياسية والمنطق البراغماتي يتطلبان من العراق سحب خريطة الحلبوسي من أجل تعاون أفضل مع جيرانه، وكي لا يزداد عزلة فوق عزلته.