ملخص
هكذا تمت صناعة جيلين جزائريين أو أكثر بعقول وأحاسيس وأحلام تدور حول خطاب "مريّف" وحياة في المدينة أو ما يفترض أنها مدينة، فعلى مدى نصف قرن أو يزيد جرت إعادة تدوير و"رسكلة" ثقافة واحدة تلك التي ظلت ولا تزال مرجعية خيالها وحلمها ريفية بالأساس.
من أين جاء هذا الأسمنت المسلح الذي زحف على الأراضي الخصبة التي كانت بالأمس خضراء، عبارة عن حقول قمح أو شعير أو بساتين دالية أو تفاح أو حتى ورود كثيراً ما صُدرت إلى أوروبا؟
إن طريق الأسمنت المسلح الزاحف على الأرض الخضراء يبدأ خطوته الأولى في عقول النخب غير المسلحة بالحس الحضاري والمديني.
فهناك عقل بمصفوفة من الأفكار الخطرة التي خططت لهذا الزحف المدمر، وهناك نخب تولت جبهة الدفاع عن هذا القبح، نخب تحتل مواقع متعددة في الفلسفة والأدب والسياسة والاقتصاد والدرس التاريخي.
بكثير من القبح تنبت غابة من عمارات بشعة في مكان غابة من الأشجار الخضراء المعمرة، فتفسد ذوق الجيل الجديد بطريقة لا واعية، وتصيب المواطن بمرض الكآبة الصامتة.
ولا شيء يحدث في التاريخ من دون عقل مدبر، ولا خراب يقع في المدينة من دون يد فاعلة، بحيرة نتأمل أحياء جديدة بعمارات تشبه الأشباح المخيفة، أحياء تتكون من آلاف الشقق التي تشبه علب السردين، فتتساءل هل لدينا مدينة حقاً؟ وتتساءل أيضاً من قتل جمال عمران الحاضرة التقليدية في تاريخنا المعاصر؟
إن المدينة ليست حالة تفضيل على القرية أو الريف، إنها فضاء عمراني بشري ومادي مختلف، له تقاليده الخاصة في العيش وفي الخيال وفي فلسفة التشارك في الفضاء العمومي.
ويختلف الخيال المديني عن الخيال الريفي.
وحين نقرأ بهدوء وتأمل الآليات التي تحكم مجتمعنا المادي والسلوكي والثقافي والروحي الذي نسميه "مدينياً"، أي ذلك الذي ينتمي إلى ما نطلق عليه اسم "المدينة المعاصرة"، فإننا وبكل يسر ووضوح نكتشف أن هذا المجتمع لم يتمكن حتى الآن من التحرر من ثقل العقل الريفي الذي له مواصفاته الخاصة به في الثقافة والعمران والخيال والحلم.
وفي الوقت نفسه، حين نتأمل أيضاً المجتمع الريفي المعاصر، ذلك الذي نسميه "ريفياً" نجده مخترقاً ومهجّناً، وبسرعة نكتشف أنه ضيّع كثيراً من خصوصياته العمرانية والثقافية والأخلاقية والجمالية واللغوية، فلا المدينة مدينة ولا الريف ريف، لا هما بحمامة ولا هما بغراب.
وأول دليل على أن ما نسميه "فضاء مدينياً" هو ليس كذلك، هو طريقة تصرف، إذ فيه يتصرف المواطن حيال الفضاء العمومي، فهو لا يتحلى بثقافة احترام هذا الفضاء العمومي، فالمواطن الجزائري، مهما كان مستواه الاجتماعي، يعيش في بيته الخاص في نظافة داخلية بادية وصارمة ودائمة، وهذا شيء جميل وإيجابي، لكن بمجرد أن يتخطى عتبة بيته تراه لا يعير أي اهتمام بالفضاء العمومي الذي هو مشترك بينه والآخرين من المواطنين، فيظهر هذا التسيب والإهمال ابتداء من سلّم العمارة إلى الحديقة العمومية إلى الرصيف إلى الطريق العمومي.
وتقوم المدينة في أصلها على فلسفة الشراكة في الفضاء العمومي بحسن إدارته لأنه هو من يحدد هوية المديني من غيره.
إن الذي كرّس هذه الأخلاق والسلوكيات الريفية في المدينة، وظل حارساً لها وحريصاً عليها وعلى ديمومتها، تلك النخب الجزائرية التي تشكلت بعد الاستقلال والتي لا تزال حاضرة حتى اليوم إن بصورة مباشرة أو رمزية عن طريق سلسلة من الأفكار والرؤى التي غرستها في الفرد والجماعة من خلال المؤسسات التربوية والسياسية والإعلامية والثقافية التي أسست للدولة الوطنية.
وإن غالبية النخب السياسية والثقافية والأكاديمية والإعلامية الفاعلة، إن لم أقل جميعها، تلك التي قادت عملية تأسيس الدولة الوطنية هي نخب ذات أصول ريفية، وهذا ليس عيباً ولكن العيب والخلل أنها لم تتمكن من تجاوز سلطة العقل الريفي والأدهى أنها في كثير من المرات تتفاخر به.
فمنذ اللحظة الأولى للاستقلال، كان حلم نخب الاستقلال ذات الأصول الريفية، النزوح إلى المدينة والاستقرار فيها، بحثاً عن شهوة السلطة، فالمدينة في العقل الريفي هي رديف السلطة في المقام الأول والثروة ثانية، وهي، أي هذه النخب، في سلوكها هذا تريد أن تتبوّأ مقعد الأوروبي المستعمر الذي كان يجلس عليه البارحة وتم طرده والتخلص من جبروته وتجريده من مكاسبه غير الشرعية التي راكمها خلال فترة الاستعمار.
وهذه النخب الريفية التي استقرت وتولت مهمة إدارة المؤسسات الاقتصادية والصحية والاجتماعية والتربوية والثقافية، مثلت بوعي أو من دون وعي منها، حارسة العقل الريفي والقيم الريفية، هذه القيم التي تظل إيجابية في فضائها وفي مناخها وتصبح عبئاً على فضاء غير فضائها.
منذ بداية تأسيس الدولة الوطنية المعاصرة، كانت الطبقة السياسية فلاحية ريفية في تصورها لإدارة شأن المدينة والبلد بصورة عامة، ونظراً إلى ما عاناه الريف الجزائري من قهر وقمع وتفقير ومصادرة خلال الفترة الاستعمارية، فقد ظهر ومنذ الأعوام الأولى للاستقلال نوع من حسّ "الانتقام" من "المدينة" بوصفها رمزاً للفضاء الكولونيالي، مدينة كولونيالية، فكان على نخب الريف اختراقها وتطويعها وتهجينها وتفكيكها لمصلحة ثقافته وأحلامه.
وبمثل هذا الحس الانتقامي اللاواعي، لم تدمر الثقافة الريفية المدينة الكولونيالية فقط، بل أيضاً قضت على شخصية الأحياء الشعبية التي كانت أيام الاستعمار تمثل المدينة الجزائرية المقاومة بامتياز والتي كان يعيش فيها الأهالي في انسجام مع هويتهم وثقافتهم الموسيقية واللغوية والروحية، فكانت لدينا أحياء عريقة (القصبات والأحياء العتيقة) تملك تقاليد حضرية وحضارية بخصوصيات محلية تتجلى في طقوس الحفل وفي اللغة وفي الأخلاق، وحين طردنا الاستعمار وانتفت المدينة الكولونيالية جرى تهجين هذه الأحياء من خلال الزحف الريفي الذي استولى على المدينة الأوروبية.
لقد وجد المديني الأهلي الذي كان يعيش زمن الاستعمار في مقاومة متواصلة ومتنوعة في مواجهة المدينة الأوروبية من أجل الحفاظ على الخصوصية، فجأة نفسه بعد الاستقلال يعيش إلى جانب تشكيلة بشرية ريفية آتية من الداخل ومن الأطراف والتي استولت على مساكن الأوروبيين، فلا هي تشبهه في السلوك ولا هي عدوته، وأصبحت الأحياء الشعبية الأهلية التي كانت منسجمة حين كانت في مواجهة الآخر المستعمر، تعيش شبه محاصرة بثقافة محلية جزائرية، لكنها غير منسجمة في تصرفاتها مع العمران لا الأوروبي ولا عمران أحياء القصبات الأهلية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لقد أنتج حس "الانتقام" الريفي من المدينة الكولونيالية عقلية جزائرية غريبة:
-عقلية "أنا حرّ" والحرية هنا تعني الفوضى وضرب قوانين المواطنة بعرض الحائط لأن احترام المواطنة المدينية يعيده لزمن قهر المستعمر.
-عقلية "مانيش (لست) تحت الاستعمار" وكأن ثقافة الانضباط معادلة للخنوع لأوامر استعمار البارحة.
-عقلية "ماشي ملك (حسناً)" وكأن الفضاء العمومي مباح التصرف فيه كما يحلو للمزاج الخاص.
-عقلية "ما شي شغلك (ليس من شأنك)" وكأن المدينة غابة تعيش من دون سلطة ولا نظام وأن لا أحد باستطاعته أن يصحح تصرفاً ما، فالتصحيح أو الردع من قبل الإدارة الوطنية يحيل مباشرة إلى القمع الاستعماري.
وحين جاءت أطروحة الثورة الزراعية، بما فيها مرحلة التسيير الذاتي التي سبقتها والتي شغلت النخب السياسية والفكرية والثقافية والإبداعية، حيث لا حديث إلا عن "الفلاحين"، فهم رسل الحضارة وهم أنبياء الخلاص، ظهر هذا الخطاب جلياً ومعمماً ليس فقط في السياسة، بل في السينما والأدب والغناء والفن التشكيلي وتعمم في الإعلام السمعي والبصري والمكتوب، فكثرٌ من الجزائريين يذكرون قصيدة شهيرة للشاعر الكبير جان سيناك "أنتِ جميلة كلجنة تسيير ذاتي/ كتعاونية زراعية/ كمنجم وطني مؤمم"، وهذا الخطاب الضاغط الدوغمائي هو الذي جعل الإعلامي الهاشمي سوامي أحد مقدمي نشرة أخبار الثامنة يقول مستنكراً وبكل عفوية وبجرأة عبارته الشهيرة بعدما انتهى من الحديث عن الثورة الزراعية "لنمرّ إلى الشيء المهم" وعوقب عليها لاحقاً، وقد جرى "ترييف" الخطاب في المدرسة أيضاً حيث نصوص البرامج المدرسية، وجرى "ترييف" الحركة الطلابية داخل الجامعة أيضاً، ومن هنا أصبحت المدينة تفكر من خلال الريف.
هكذا تمت صناعة جيلين جزائريين أو أكثر بعقول وأحاسيس وأحلام تدور حول خطاب "مريّف" وحياة في المدينة أو ما يفترض أنها مدينة، فعلى مدى نصف قرن أو يزيد جرت إعادة تدوير و"رسكلة" ثقافة واحدة، تلك التي ظلت ولا تزال مرجعية خيالها وحلمها ريفية بالأساس.