ملخص
يقدم مسرح الطليعة في القاهرة، العرض المسرحي "متولي وشفيقة"، تأليف محمد علي إبراهيم، إخراج أمير اليماني، في صيغة جديدة تعيد تفكيك الحكاية الشعبية الواقعية، وتنظر إليها من زاوية مختلفة، تنتصر فيها لشفيقة، التي ظلمها المجتمع الذكوري، ونصب من شقيقها متولي بطلاً لقيامه بقتلها، بعد أن هربت من بيت الأسرة وعملت في بيت للدعارة.
لا تقتصر جرأة العرض المسرحي "متولي وشفيقة" على تبرئة شفيقة، تلك الفتاة التي هربت من بيت أسرتها وعملت في بيت للدعارة، مما أدى إلى قيام شقيقها متولي بقتلها، فحسب، بل إن جرأة العرض تمثلت أيضاً في تلك الخلطة التي مزجت التعبيري بالواقعي برهافة شديدة، وبميزان حساس ودقيق، لتنتج في النهاية، مما يمكن اعتباره قصيداً شعرياً، تتبدى مسرحته في تلك التكوينات، المتتابعة والمتداخلة، المراوحة بين الآني والمستدعى، منتصرة للصورة، عماد المسرح، التي كانت أكثر إنباء من الكلمة.
العرض يقدمه مسرح الطليعة برئاسة المخرج سامح بسيوني (البيت الفني للمسرح - وزارة الثقافة) تأليف محمد علي إبراهيم، وإخراج أمير اليماني.
حكاية شفيقة ومتولي، واحدة من الحكايات الواقعية المعروفة، جرت في صعيد مصر، عام 1860 تقريباً، في إحدى قرى مدينة جرجا بمحافظة سوهاج (500 كيلومتر جنوب القاهرة)، حيث العادات والتقاليد الصارمة، والسلطة الذكورية الغاشمة. تقع شفيقة في حب شاب من عائلة ثرية، يغرر بها ويدفعها للهرب معه بعيداً من قريتها، بحجة أن أسرته غير موافقة على زواجه من ابنة عامل أجير لديها، وهناك يجبرها على العمل بالدعارة بعد أن رفض الزواج بها، ترضخ إلى طلبه مضطرة، لأن عودتها للقرية تعني قتلها، يتوصل شقيقها متولي إلى مكانها، ويقوم بذبحها، وتحتفي به السلطة الذكورية متمثلة في قوات الشرطة التي استجابت لطلبه بإحضار فرقة موسيقية للاحتفال ببطولته وهو يحمل جثتها الذبيحة، وكذلك في القاضي الذي حكم عليه بالسجن ستة أشهر فقط، متعاطفاً مع موقفه، أو بالأحرى مشجعاً له، محتفياً بذكوريته.
أفلام ومسرحيات
هذه الحكاية ذاع صيتها أكثر عندما تناولها، بتصرف، في أواخر خمسينيات القرن الماضي، واحد من أشهر المطربين الشعبيين (حفني أحمد حسن) الذي صاغها في موال بديع شعرياً، ومنضبط درامياً، بغض النظر عن انحيازه المطلق للقاتل، لقي هذا الموال رواجاً ما زال مستمراً حتى الآن، وإن كان الرجل نفسه، بعد أن ترك الصعيد وأقام في الإسكندرية، قد أعاد النظر في رؤيته وقدم موالاً، في وقت لاحق، يؤكد فيه الظلم الذي تعرضت له شفيقة، لكن الموال لم يلق استجابة تذكر، بل يكاد يكون غير معروف سوى لباحثي التراث الشعبي.
أيضاً تحولت الحكاية إلى مسلسل إذاعي أوائل سبعينيات القرن الـ20، أعقبه في أواخرها فيلم سينمائي، قامت ببطولته سعاد حسني وأحمد ذكي، وكذلك فيلم تسجيلي، فضلاً عن ست مسرحيات تناولت الحكاية نفسها، من وجهات نظر مختلفة، انحاز بعضها لمتولي، وبعضها الآخر انحاز لشفيقة.
اللافت، منذ البداية، عنوان العرض "متولي وشفيقة" لا "شفيقة ومتولي" وهو ما يشي بأن الحكاية عن متولي لا عن شفيقة، نعم شفيقة حاضرة في كل تفصيلة، لكن الحضور الظاهري لمتولي هو المسيطر، أو بمعنى أدق عقل متولي الذي يستعيد ما حدث، طارحاً أسئلته، رافضاً مغادرة بيته حيث ينتظره أهل القرية للاحتفاء ببطولته بعد خروجه من السجن، وكأنه اختار سجناً جديداً، بإرادته، يكفر فيه عن فعلته.
هو هنا متولي بعد أن تسرب إلى وعيه حجم الجرم الذي ارتكبه في حق أخته، يستعيد صورتها في طفولتها وصباها، يستعيدها في براءتها الأولى، وحبها له وتعلقها به، قبل أن يظلمها الفقر والمجتمع والحبيب، ويدفعها إلى ارتكاب الإثم، وبدلاً من أن يداوي جرحها قام بذبحها.
وحده في البيت محاطاً بالأشباح التي مثلت الجوقة، كما في الدراما الأغريقية، التي نجح المخرج في توظيفها، صوتياً وحركياً، لتلعب دوراً مهماً في بناء الحدث وتفسير مغزاه، وكذلك في توجيه متولي ومشاركته في الحوار والتفاعل معه، فضلاً عن قيامها بالربط بين المشاهد من خلال الدراما الاستعراضية (تصميم أحمد مانو).
ولأنها رحلة في عقل وروح متولي، يستدعي خلالها ما جرى، فقد كثرت مشاهد الفلاش باك ممتزجة بالمشاهد الآنية من دون فجوات تربك المشاهد، أو تحدث لبساً لديه، وكأننا أمام شريط سينمائي تم إعداده بعناية، ننتقل فيه من مشهد إلى آخر بنعومة وسلاسة، بخاصة أن الديكور عبارة عن منظر واحد ثابت، على رغم أننا بصدد أماكن متعددة، وهو ما يحسب لمصمم الديكور (محمد سعد) الذي مزج بين التعبيري والواقعي، في منظر واحد ثابت يمثل بهواً لبيت ريفي فقير، في اليمين باب للدخول والخروج، وفي اليسار باب يفضي إلى داخل البيت، أما العمق فهناك فجوة بها أرجوحة صنعها متولي لشفيقة، وفي يمين العمق مجموعة فجوات تمثل أماكن لتخزين الغذاء، يسمونها في بعض البلدان (الحاصل)، فضلاً عن سرير ومقعد شعبي (دكة) يجري استخدامهما في أغراض عدة.
لون واحد
ولأن جوقة الأشباح حاضرة بصورة دائمة وملتصقة بجدران البيت، فقد حرصت مصممة الأزياء غادة شلبي، على أن تكون ملابس الجوقة من نفس لون جدران البيت، فبدت الجوقة في لحظات سكونها بمثابة قطع ديكور إضافية تسهم في شحن الدلالة، وتكمل الصورة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وإذا كان الديكور والملابس قد شكلا عنصرين فاعلين، سواء وظيفياً أم جمالياً، فقد لعبت الإضاءة هي الأخرى (تصميم إبراهيم الفرن) دورها الدرامي والجمالي، وأسهمت بألوانها ومصادر إسقاطها، سواء الثابتة أم المحمولة، في التعبير، ببلاغة، عن اللحظات الدرامية الحدية، لتضيف إليها مزيداً من العمق، وتكون شريكاً فاعلاً في بناء دراما العرض.
تطلب أداء شخصية متولي (لعبها محمد فريد فؤاد) قدراً من الوعي بأبعاد تلك الشخصية، التي بدت في حالة ذهول وندم ورفض لما حدث، والدخول فيما يشبه العقاب الذاتي، هو هنا الصوت المنفرد الذي يغرد وحده بعيداً من السلطة الذكورية البغيضة، التي استجاب لندائها في لحظة ضعف، يدرك أن العار لم يكن في فعلة شفيقة بقدر ما كان في فعلته هو، بخاصة أنها ذهبت إلى عارها مدفوعة بعوامل خارجة عن إرادتها، عوامل صنعها ذلك المجتمع الذي ينتظره بالخارج ليحتفي ببطولته. أدرك الممثل ذلك وقرأ تركيبة الشخصية جيداً، واستطاع التعبير، صوتياً وجسدياً، عن أدق مكنوناتها، فكان بحق جديراً بأدائها، وهو اختيار موفق من المخرج.
شفيقة بدت في ثلاث مراحل، الطفلة (دالا حربي) والصبية (منة اليماني)، أما المرحلة الأخيرة فكانت (يسرا المنسي)، والثلاث لعبن أدوارهن، على رغم اختلاف مساحات كل منهن، بصورة تشير إلى نجاح المخرج في تسكين الأدوار، خصوصاً يسرا المنسي التي وقع عليها العبء الأكبر في تجسيد شخصية شفيقة بكل معاناتها وآلامها.
هناك كذلك دياب حبيب شفيقة (أحمد عودة) وابن العم (إسلام مصطفى) والأب (صلاح السيسي) وابنة العم (تقى طارق)، وكلهم ممثلون موهوبون ومختارون لأدوارهم بعناية.
مثلت حكاية شفيقة ومتولي، ذلك الموروث البغيض الذي ينفي المرأة تماماً، يقمعها ويخرس صوتها، فجاء العرض ليعيد مساءلة هذا الموروث، ويكون صوتاً عالياً، من دون صخب، لشفيقة وكل شفيقة.