ملخص
اختيار ذو القدر الجنرال بشخصيته الحاسمة والغامضة، لم يأت من باب الضرورة، بل بناء على تقديرات دقيقة في ظل عملية البحث عن شخصية قادرة على ملء الفراغ الذي أحدثه تغييب لاريجاني، تكون قادرة على الحفاظ على المستوى نفسه في إدارة الملف السياسي، وتوجيه وترجمة التوجهات العقائدية والأيديولوجية والقرارات الاستراتيجية والمصالح القومية العليا للنظام وإيران.
قد لا يكون مفاجئاً قرار اختيار الجنرال محمد باقر ذو القدر ابن مؤسسة حرس الثورة الإسلامية لتولي منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، خلفاً لعلي لاريجاني الذي اغتالته غارة اسرائيلية على طهران الأسبوع الماضي.
لكنه قرار يحمل كثيراً من الرسائل لما ستكون عليه سياسات النظام في المرحلة المقبلة، بخاصة بعد أن حسم الجدل حول هذا الموقع، ووضع نهاية لكل الترشيحات والتكهنات للشخصية التي ستخلف لاريجاني في قيادة قنوات التواصل والتنسيق بين المستويين السياسي والعسكري الأمني، في ظل الحرب القائمة مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، ووضع سياسات الخروج من الأزمة القائمة والتقليل من حجم الخسائر التي ستترتب عليها.
اختيار ذو القدر الجنرال بشخصيته الحاسمة والغامضة، لم يأت من باب الضرورة، بل بناء على تقديرات دقيقة في ظل عملية البحث عن شخصية قادرة على ملء الفراغ الذي أحدثه تغييب لاريجاني، تكون قادرة على الحفاظ على المستوى نفسه في إدارة الملف السياسي، وتوجيه وترجمة التوجهات العقائدية والأيديولوجية والقرارات الاستراتيجية والمصالح القومية العليا للنظام وإيران.
ذو القدر حاول في المرحلة السابقة، وتحديداً في العقدين الماضيين، النأي بنفسه عن صراعات ونزاعات مراكز القوى داخل منظومة السلطة في السنوات الأخيرة، بعد أن كان أحد أقطابها ومن المؤثرين في المشهد السياسي والأمني والعسكري. وقد يكون قد دفع ثمن قربه من القيادة العليا، مما شكل مصدر قلق لدى القيادات العسكرية على مصادر قدرتها وسلطتها، فعملت على محاصرته ودفعه إلى الظل بعيداً من المشهد اليومي، بخاصة أن ذو القدر لعب دوراً فاعلاً ومحورياً في تثبيت سلطة المرشد وولي الفقيه في مواجهة الخطاب الإصلاحي، والحد من الخطر الذي شكله الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني بعد ظهور الخلاف والتباين بينه والمرشد إلى العلن.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكنه على رغم هذا الابتعاد أو الإبعاد الذي جاء نتيجة إدارة المرشد لصراعات الأجنحة داخل حرس الثورة، لم يخسر قدرته على التأثير والمشاركة في صنع القرارات المصيرية والاستراتيجية للنظام، ولم يفقد أيضاً ثقة ورعاية المرشد الأعلى السابق، ولم تتأثر علاقته مع المرشد الجديد بعد تعيينه في أمانة مجمع تشخيص مصلحة النظام خلفاً لقائده السابق في حرس الثورة الجنرال محسن رضائي.
خيار منظومة الحكم، أي المرشد وحرس الثورة تحديداً، بتعيين ذو القدر في المجلس الأعلى للأمن القومي، كان بمثابة توجيه رسالة واضحة وشفافة لكل الأطراف المعنية والمنتظرة لطبيعية الشخصية التي ستتولى هذا الموقع، بأن طهران في الوقت الذي تعلن تمسكها بالخيار العسكري والتصعيدي في المواجهة والحرب القائمة مع واشنطن وتل أبيب، فإنها على استعداد للذهاب إلى مسار تفاوضي لا يختلف بجوهره عن المسار الذي كان من الممكن أن يقوده لاريجاني وسعى إلى إطلاقه قبل اغتياله. بالتالي فإن ذو القدر يمثل بوضوح المعادل الموضوعي لخيار الرئيس الأميركي في استراتيجية فرض السلام بالقوة. بمعنى أن النظام من خلال ذو القدر لا يفكر في تقديم أي تنازلات قد تمس جوهره أو تجعله يبدو بصورة الخاسر أو المهزوم، وفي الوقت نفسه لن يتوانى عن بذل الجهود من أجل التوصل إلى تسوية أو اتفاق يحفظ المصالح الإيرانية.
واختيار ذو القدر يندرج في سياق تأكيد أن سياسات المرشد الجديد ليست سوى استمرار وتبعية لسياسات المرشد السابق، ونتيجة للعلاقة العميقة التي تربطه بالمرشد الجديد، التي خضعت لمسار طويل من التعاون والتنسيق في عديد من المحطات الرئيسة والمفصلية في حياة النظام السياسية. لم تبرز فقط في انتخابات الرئاسية عام 2005 التي أوصلت محمود أحمدي نجاد إلى قيادة السلطة التنفيذية، بل أيضاً تمظهرت في مسار تكريس الفكر المهدوي أو آخر الزمان وانتظار المهدي المنتظر المخلص الذي يعتبر ذو القدر أحد المنتمين له والعاملين من أجل حصوله.
ولعل المسألة المهدوية تشكل البعد الأخطر في شخصية ذو القدر، وقد تطغى على قدراته الإدارية والسياسية التي تدرج فيها وظهرت بوضوح في طبيعة المواقع التي شغلها، سواء في حرس الثورة أم في مؤسسات الدولة والنظام. فهذا البعد يعني أنه في الوقت الذي قد يقود عملية سياسية تفاوضية مع الإدارة الأميركية، فإنه لن يتمتع بأية ليونة في التعامل مع الموضوع الإسرائيلي، انطلاقاً من كونه يعتقد أن ظهور المهدي يقوم ويستدعي استمرار العمل من أجل القضاء على هذا الكيان كمدخل لتحقيق الوعد الإلهي بالظهور.
وإعلان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي يعتبر دستورياً رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي، قرار تعيين ذو القدر خلفاً للاريجاني جاء بناء على رأي وتوجيه المرشد الأعلى مجتبى خامنئي. هو إعلان جاء بعد تصريحات الرئيس الأميركي بوجود مفاوضات غير مباشرة مع إيران وعبر أصدقاء، بالتالي فإن المرشد أراد من خلال حسم التردد والجدل حول شخصية أمين المجلس الجديد أن يبعث للطرف الأميركي رسالة تشدد وتمسك بالسقف الذي رسمه النظام والمرشد لأية مفاوضات محتملة، وأن أية محادثات مع واشنطن لن تشمل أي تعديل أو تغيير في موقف النظام من إسرائيل واستمرار المواجهة المفتوحة معها.
ولعل المؤشر الأبرز على المسار التصعيدي الذي قد يذهب إليه النظام بعد تعيين ذو القدر، ظهر في الكلام الذي نقل عن قائد الجيش الإيراني اللواء أمير حاتمي، الذي تحدث عن ردع النووي، وأن إيران ستنتقل إلى البعد العسكري في أنشطتها النووية من أجل تحقيق التوازن مع إسرائيل، وأن تخلي إيران عن السلاح النووي يجب أن يترافق مع نزع وتفكيك القدرات النووية الإسرائيلية. مما يعني أن المرشد الجديد قد يذهب إلى اجتهاد فقهي من موقعه كولي للفقيه يختلف مع الاجتهاد والفتوى التي أصدرها المرشد السابق بحرمة امتلاك هذا النوع من السلاح، بالتالي إحداث تغيير جوهري في العقيدة النووية للنظام الإيراني.
أما المؤشر الثاني على تمسك إيران بخيار المواجهة المفتوحة مع إسرائيل، ونسبياً مع الولايات المتحدة، مما صدر عن مقر خاتم الأنبياء لحرس الثورة، الذي يقود العمليات الحربية في الحرب القائمة مع واشنطن وتل أبيب، والدعوة التي أطلقها إلى بناء منظومة أمنية تقود مصالح المنطقة لا دور ولا موقع فيها لأميركا، وتهدف إلى قطع أي تدخل لها ولإسرائيل في شؤون الإقليم. وما يعنيه ذلك من أن النظام ما زال متمسكاً بأحد أهم شروطه في تفكيك القواعد الأميركية العسكرية في الشرق الأوسط، ومحاصرة أي دور توسعي لتل أبيب.