Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مدينة الصواريخ في يزد: هكذا أصبح متنزها ترفيهيا ترسانة بالستية

التوسع العسكري في الجبال الغرانيتية جاء في سياق اعتبارات أمنية وسياسية لكنه حمل في المقابل كلفة بيئية وإنسانية واجتماعية باهظة

صورة عبر الأقمار الاصطناعية لاستهداف قاعدة تابعة للحرس الثوري في مدينة يزد (بلانيت لابس)

ملخص

تعد المشاريع العسكرية التابعة للحرس الثوري، بما في ذلك مدن الصواريخ المنتشرة في أنحاء مختلفة من إيران، مشاريع محاطة بسرية عالية، ولا تتوفر بشأن مراحل بدء تنفيذها أو آليات تشغيلها أو استكمالها بيانات موثوقة. ومع ذلك، يمكن من خلال تتبع التقارير والأخبار ذات الصلة الوصول إلى معطيات قابلة للاعتماد حول هذه المواقع.

كشفت العمليات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد مواقع تابعة للنظام الإيراني عن أبعاد جديدة من البنية التحتية العسكرية الخفية في إيران، بدءاً من عشرات المواقع الصاروخية ومستودعات الأسلحة، وصولاً إلى شبكة من الأنفاق وما يعرف بـ"مدن الصواريخ". وتشير المعطيات إلى أن موارد كان يمكن تخصيصها لتحديث البنى التحتية والتعليم والصحة، جرى توجيهها على مدى ما يقارب خمسة عقود إلى مشاريع عسكرية سرية، بعيداً من أنظار الرأي العام.

وتتشابه المواقع الصاروخية المنتشرة حول طهران وخرم ‌آباد وكرمانشاه وجنوب إيران، إضافة إلى مدينة الصواريخ في يزد الواقعة بمحاذاة "منتزه كوهستان"، التي تتعرض حالياً لهجمات متكررة من الولايات المتحدة وإسرائيل، في جملة من السمات الأساسية، من بينها تداعياتها البيئية الكارثية، واتخاذها دروعاً بشرية نتيجة قربها من مراكز حضرية، فضلاً عن الكلفة المالية الباهظة، واحتوائها على شبكات أنفاق تحت الأرض. ويبرز مثال مدينة الصواريخ في يزد، القريبة من منطقة ترفيهية وسياحية، بوصفه نموذجاً دالاً على ذلك.

وأفادت مصادر محلية، الإثنين 13 مارس (آذار) الجاري، بوقوع انفجارات عنيفة في هذه المنطقة، بعد أن كانت قد وردت في الأيام السابقة تقارير عن استهدافها. وتقع هذه المدينة الصاروخية على عمق 500 متر تحت سطح الأرض، داخل جبل من الغرانيت، وتضم بنية معقدة تشمل أنفاقاً عميقة، ومسارات سكك حديدية داخلية لنقل المعدات، إلى جانب مخارج متعددة مخصصة لعمليات الإطلاق.

 

مشروع مدينة الصواريخ تحت غطاء "منتزه كوهستان"

تعد المشاريع العسكرية التابعة للحرس الثوري، بما في ذلك مدن الصواريخ المنتشرة في أنحاء مختلفة من إيران، مشاريع محاطة بسرية عالية، ولا تتوفر بشأن مراحل بدء تنفيذها أو آليات تشغيلها أو استكمالها بيانات موثوقة. ومع ذلك، يمكن من خلال تتبع التقارير والأخبار ذات الصلة الوصول إلى معطيات قابلة للاعتماد حول هذه المواقع.

وفي ما يتعلق بمدينة الصواريخ في يزد، تعود جذور المشروع إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين أفادت تقارير بإنشاء منطقة ترفيهية وسياحية تحت اسم "منتزه كوهستان" في مدينة يزد، إلى جانب إقامة حزام أخضر على أطراف المدينة.

أنشئ هذا المتنزه، الذي يضم مرافق جذابة مثل بحيرة اصطناعية ومدينة ألعاب وأكواخاً، على وجه التحديد في السفوح الجبلية لمدينة يزد، أي في الموقع ذاته الذي يتمركز فيه "فيلق الغدير" التابع للحرس الثوري في يزد. ومن اللافت أن هذا الفيلق، المسؤول عن القيادة والسيطرة على جميع وحدات الباسيج والحرس في محافظة يزد، تأسس عام 2008، أي بعد نحو ثلاثة أعوام من الافتتاح الرسمي لمتنزه "كوهستان" عام 2005، الذي يمتد على مساحة تقارب 50 هكتاراً.

وقد يطرح تساؤل حول العلاقة بين إنشاء مدينة صاروخية وإقامة منطقة ترفيهية وسياحية، والإجابة تكمن في تجارب سابقة ونمط متكرر يعتمده الحرس الثوري في مثل هذه المشاريع، يتمثل في استخدام مشاريع ذات طابع ثقافي أو رياضي أو عمراني كغطاء لمشاريع عسكرية. وبهذه الطريقة، لا تثير أعمال إنشاء طرق الوصول، أو نشر الآليات الثقيلة، أو وجود عشرات العمال والمهندسين في الموقع أي شكوك تذكر. ويظهر نمط آخر أيضاً يتمثل في استخدام الدروع البشرية لحماية هذه المواقع، كما في حالات الحرب الراهنة.

وبناء على ذلك، ورغم عدم الجزم بشكل قاطع، يمكن على الأقل طرح احتمال أن إنشاء متنزه "كوهستان" في يزد شكل غطاء لإقامة واحدة من أكبر وأكثر مدن الصواريخ تعقيداً التابعة للحرس الثوري.

الخصائص الفنية والجغرافية لمدينة الصواريخ في يزد

يقع الموقع الصاروخي في يزد، الذي تعرض خلال الأشهر الأخيرة لعدة هجمات، جنوب المدينة، بمحاذاة طريق "تفت"، ضمن المرتفعات المطلة على متنزه "كوهستان". وقد أنشئ على عمق نصف كيلومتر داخل صخور غرانيتية، ويتكون من شبكة متعددة الطبقات من الأنفاق والمساحات التشغيلية.

ويعتمد تصميم هذه الشبكة على نظام متكامل يربط بين مراحل التجميع والتخزين والإعداد والإطلاق ضمن بنية تشبه مترو الأنفاق، حيث ترتبط الأجزاء المختلفة عبر مسارات سكك حديدية داخلية. وتتم عملية إطلاق الصواريخ عبر تحريك منصات الإطلاق على هذه السكك نحو منافذ مخصصة موزعة في أنحاء جسم الجبل، مما يتيح تنفيذ عمليات إطلاق سريعة مع إمكانية العودة الفورية إلى العمق.

وتضم هذه المنظومة قاعات للتجميع النهائي للصواريخ، وأخرى للتزود بالوقود، إلى جانب مخازن عميقة مخصصة لحفظ المعدات والرؤوس الحربية.

وقد اختار الحرس الثوري إنشاء هذه المدينة الصاروخية في بيئة غرانيتية نظراً لما تتمتع به هذه الصخور من كثافة وصلابة عاليتين، مما يمنحها قدرة كبيرة على تقليل تأثير القنابل الخارقة للتحصينات. ونتيجة لذلك، تتمتع الأجزاء الحيوية من المنشأة بمستوى عالٍ من الحماية ضد الضربات المباشرة، مع إمكانية إعادة تأهيلها واستمرار العمل حتى في حال تضرر بعض المداخل. كما أن تعدد مخارج الإطلاق يعزز من قدرة الموقع على الصمود العملياتي في مواجهة الهجمات الجوية.

 

تكاليف الإنشاء المرتفعة

لا تتوفر معلومات دقيقة بشأن حجم الميزانية التي خصصت لبناء الموقع الصاروخي في يزد، بسبب غياب الشفافية والطابع السري لهذه المشاريع. إلا أن التقديرات الفنية والمقارنات مع مشاريع مشابهة تشير إلى أن إنشاء مثل هذه المنشآت، خصوصاً في بيئة تحت أرضية صخرية، يتطلب موارد مالية ضخمة.

ويعد الغرانيت من أكثر الصخور صلابة في القشرة الأرضية، مما يجعل عمليات الحفر فيه معقدة ومكلفة وتستغرق وقتاً طويلاً. وتنفذ أعمال الحفر باستخدام تقنيات متقدمة مثل آلات حفر الأنفاق (TBM) أو أساليب التفجير المنضبط، وهي معدات تتطلب تكاليف عالية للشراء والتشغيل والصيانة، فضلاً عن الحاجة إلى كوادر متخصصة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا تقتصر التكاليف على الحفر، بل تشمل أيضاً تدعيم الجدران، وأعمال الخرسانة متعددة الطبقات، وإنشاء هياكل مقاومة للضغط والانفجارات، إضافة إلى تجهيز البنية التحتية الداخلية مثل أنظمة التهوية والكهرباء والتحكم في درجات الحرارة والرطوبة. وأن إنشاء طرق الوصول الجبلية ونقل المعدات الثقيلة إلى الموقع يمثل أيضاً جزءاً مهماً من الكلفة الإجمالية، ويرجح أن بعض هذه الأعمال تم تحت غطاء إنشاء المتنزه.

وفي ظل غياب البيانات الرسمية، تستخدم المقارنات مع مشاريع حفر الأنفاق كأداة تقديرية، إذ تشير البيانات العالمية إلى أن تكلفة حفر كيلومتر واحد في الصخور الصلبة قد تتراوح بين 100 و300 مليون دولار، في حين تكون كلفة المشاريع العسكرية تحت الأرض أعلى بكثير بطبيعتها. وبالنظر إلى حجم وتعقيد شبكة الموقع الصاروخي في يزد، يرجح أن تكلفته الإجمالية تبلغ مئات الملايين من الدولارات، إن لم تتجاوز ذلك.

وكان أمير علي حاجي زاده، القائد السابق لقوات منظمة الجو-فضاء في الحرس الثوري، الذي قتل خلال حرب استمرت 12 يوماً، قد أقر في مقابلة بأن الحرس يعمل على مدار الساعة لبناء مدن صاروخية، مدعياً أن هذه المنشآت غير قابلة للرصد من قبل العدو.

وبغض النظر عن دقة هذه التصريحات، فإن استهداف هذه المواقع من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل يشير إلى أنها كانت معروفة إلى حد كبير، وتكشف تصريحات المسؤول ذاته عن حجم الإنفاق الكبير الذي خصص لهذه المشاريع.

التداعيات الإنسانية والاجتماعية والبيئية

يثار جدل حول مدى مشروعية إنشاء مثل هذه المنشآت في إطار الدفاع الوطني، في حين يرى مراقبون دوليون أن برامج الحرس الثوري الصاروخية والنووية تتجاوز هذا الإطار، وتسعى إلى أهداف أوسع. ومن منظور شريحة من الإيرانيين، فإن الموارد التي كان ينبغي توجيهها إلى تطوير البنى التحتية والتعليم والصحة، أنفقت على مدى أعوام في مشاريع لم تفضِ، بحسب رأيهم، إلا إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والعزلة الدولية وتصاعد التوترات. كما أن قرب هذه المنشآت من المناطق الحضرية يعرض السكان المدنيين لأخطار مباشرة في حال استهدافها.

وفي الآونة الأخيرة، ومع تصاعد الاهتمام بملف مدن الصواريخ، بما فيها موقع يزد، حذر ناشطون بيئيون من التداعيات المحتملة لمثل هذه المشاريع، مشيرين إلى أن حفر الأنفاق العميقة في التكوينات الصخرية قد يؤثر في توازن المياه الجوفية ويؤدي إلى نضوبها، فضلاً عن أخطار الهبوط الأرضي الناتج عن استنزاف الموارد المائية.

وتثار مخاوف من احتمال تلوث التربة ومصادر المياه في حال استخدام أو تخزين مواد كيماوية مرتبطة بالأنشطة الصاروخية.

وخلاصة القول، إن التوسع العسكري في جبال يزد الغرانيتية جاء في سياق اعتبارات أمنية وسياسية، لكنه حمل في المقابل كلفة بيئية وإنسانية واجتماعية باهظة، انعكست على الطبيعة وسلامة السكان في تلك المناطق.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير