ملخص
يستخدم سكان غزة الحجارة لبناء مساكن موقتة، يرصون الحجارة المنظفة فوق بعضها ويستخدمون الطين المخلوط بالقش كمادة لاصقة بديلة للأسمنت، لبناء جدران تحمي من البرد والرياح في مخيمات النزوح، وأيضاً لرصف الطرق والممرات ولبناء الدعامات لحماية الخيم من الرياح العاتية، أو لبناء أفران من طين.
الحجر في غزة ليس مجرد أسمنت، بل ذكريات وقصص، من فوق الأنقاض يقرر شباب القطاع تنظيف حجارة بيوتهم المدمرة لإعادة بنائها بإزميل وصبر وعناد.
بين جبال من الركام، يجلس العم سمير يفكر في طريقة للتخلص من العيش في الخيمة، وهو ينظر بحسرة إلى بيته الذي دمره الجيش الإسرائيلي أثناء حربه على قطاع غزة. وبينما تجول في باله خواطر كثيرة، لمعت في عقله فكرة استصلاح حجارة من أنقاض منزله واستخدامها في إعادة إحياء ذكرياته.
بيديه المتشققتين يمسك العم سمير ركام منزله، بسرعة يعود به الزمن إلى اليوم الذي كانت فيه هذه الأنقاض منزلاً حياً نابضاً بالحب، ومن تعلقه بمنزله الذي شيده بعدما اشتعل رأسه شيباً رفض أن يذهب إلى مراكز الإيواء ليبحث عن خيمة، وعاد إلى ركام بيته في حي الزيتون، وجلس فوق ما تبقى من الصالون.
يقول "هذه الصالة شهدت زواج أبنائي وضحكات أحفادي وفناجين القهوة التي كنت أشربها مع جيراني"، يصمت ويمسك إزميلاً صغيراً بيده اليمنى، وفي اليسرى ينقب عن حجارة سليمة لم تصبها أي تشققات أو كسور، يفعل ذلك وذكرياته تحوم حول رأسه والدمعة تتحير في عينه.
أدوات بسيطة
ترتعش يد العم سمير من التعب إذ بدأ يلملم الحجارة في زاوية من بيته استعداداً لتنظيفها، يضيف "هذا الحجر ليس مجرد أسمنت، بل هو ممزوج بعرق جبيني وصدى صوت زوجتي وهي تنادينا للعشاء، كلما نظفت حجراً من بقايا الرماد أشعر أنني أزيل الغبار عن قلبي".
بواسطة مطرقة ومقص حديد يدوي ينظف العم سمير حجارة منزله، يعمل باجتهاد وكأنه محترف يركز أكثر لضمان خروج الحجر صالحاً للبناء مرة أخرى، يقول أثناء الطرق برفق على حجر مكسور "أنا لا أبحث عن مادة بناء أبيعها وأقبض ثمنها، بل أفتش عن أجزاء من روحي لأشيد منها غرفة صمود صغيرة فوق الأنقاض، لأثبت للعالم أن البيت ليس جدراناً تدخلها الشاحنات عبر المعابر، بل هو قرار بالبقاء، صحيح منعوا عنا الأسمنت، لكن لا بأس سنبني جدارنا، سأرص هذه الحجارة فوق بعضها وبدلاً من الأسمنت سأضع صبري وعنادي".
في ظروف ما بعد الحرب على غزة، برزت مبادرات شبابية تعمل على تحويل أنقاض الركام الذي يعد أبشع رمز للدمار إلى لبنات لبناء الأمل مجدداً، ويعملون على إعادة تدوير حجارة المباني المهدمة وتنظيفها من بقايا الأسمنت والحديد يدوياً، تمهيداً لإعادة استخدامها في عمليات ترميم بسيطة أو رصف الطرق الوعرة.
مبادرات متعبة
مضطرون شباب غزة إلى هذا العمل الشاق، فالقيود الإسرائيلية المفروضة على مواد البناء تجعل من الحجارة المستصلحة البديل الوحيد المتاح لأنشطة البناء والإعمار الشعبي. وفي هذه الحرفة، وجد العاطلون عن العمل فرصة متعبة تساعدهم على تأمين قوت يومهم في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، أيضاً إنها رسالة صمود تثبت أن تنظيف كل حجر هو خطوة نحو إزالة آثار الدمار وإثبات أن الغزي يبني من الموت حياة.
يمسح يحيى العرق المختلط بغبار الأسمنت عن جبينه، يقف فوق قطعة من الحجارة الأسمنتية تسمى محلياً "البلوك"، وبواسطة مطرقة يد وإزميل معدني صغير، يبدأ في تنظيف الحجارة المستخرجة من تحت الركام لإعادة استخدامها.
يقول "تبدأ رحلة هذه الحجارة من بين أنقاض المباني المقصوفة، حيث يجمعها الشبان من الركام، بعد فصلها عن الحديد المحترق والغبار المتراكم، تكون قطع البلوك غالباً مفتتة، ملتصقة ببقايا أسمنت قديم، أو محاطة بحواف مكسورة، مما يجعل إعادة استخدامها مستحيلة من دون تدخل يدوي دقيق".
يثبت يحيى قطعة البلوك أمامه، ثم يضع الإزميل على الحواف المتصلبة، ويوجه ضربات محسوبة بالمطرقة لتقشير الطبقات الزائدة، يضيف "نحن لا ننظف حجارة وحسب، نحن نحاول أن نوفر لنا ولغيرنا فرصة لبناء غرفة أو جدار يحمي عائلة من البرد والخوف".
يلجأ شباب غزة إلى هذه الحجارة والركام كمسار إجباري تمليه الظروف الاستثنائية، فهذا العمل ليس مجرد نشاط شاق، بل هو رمز لإرادة البقاء والأمل.
يشرح العامل يحيى "أصبحت هذه الأنقاض هي المادة الخام الوحيدة المتاحة، في ظل انعدام البدائل إذ تمنع إسرائيل إدخال مواد البناء الأساسية من أسمنت وحصى وحديد، مما يجعل الركام هو المادة الخام الوحيدة المتاحة للبناء".
تعد كلفة الحجارة المعاد تدويرها أرخص، فهي تباع بنصف ثمن المواد المستوردة مما يسهل على المواطنين ترميم بيوتهم المتضررة بموازنات محدودة، كذلك تحولت الأنقاض إلى اقتصاد ضرورة يوفر آلاف فرص العمل للشباب الذين فقدوا وظائفهم بسبب الحرب.
يعتقد يحيى أنه عندما ينظف الحجارة فإنه يسهم في إزالة جزء من كميات الركام الهائلة التي تقدر بأكثر من 55 مليون طن، بما يساعد في تمهيد الطرق الوعرة وتسوية الأرض لمخيمات الإيواء الموقتة، وفي الوقت ذاته يعتبر عمله رسالة تحد تعكس قدرته على البناء من جديد من دون انتظار المساعدات الخارجية المتأخرة.
حرفة الأزمة
في الواقع، تحول هذا العمل إلى حرفة اضطرارية أو مهنة أزمة في غزة، تحتاج إلى خبرة يدوية دقيقة وأدوات متخصصة وسلسلة إنتاج وابتكار. يشرح يحيى "تنظيف الحجر من الأسمنت القديم من دون كسره، وفرز الحجارة حسب الحجم والجودة، واستخراج قضبان الحديد الملتوية وإعادة استقامتها، كلها عمليات تتطلب خبرة وأدوات بسيطة كالشاكوش والإزميل والمقصات اليدوية، وهي ليست عمليات جمع عشوائية بل دورة اقتصادية تبدأ في جمع ثم تنظيف ففرز وأخيراً بيع".
في الحقيقة، هذا النشاط ليس وليد الحرب الحالية، بل هو مهنة قديمة في غزة تعود جذورها إلى ما يقارب 16 عاماً، بدأت بصورة فعلية ومنظمة عقب حرب 2008 حين واجه سكان القطاع أول دمار هائل للمباني بالتزامن مع تشديد الحصار ومنع دخول مواد البناء، وتوسع النشاط في عام 2014، أما عام 2019 فكانت هناك أكثر من 100 كسارة تعمل في غزة، توظف مئات العمال وتنتج مواد بناء بجودة تقارب الجودة المستوردة، مما ساعد في تشغيل آلاف العاطلين عن العمل.
تعد عملية تنظيف الحجر مهنة ضرورية في غزة لا سيما بوجود 60 مليون طن من الركام حول القطاع، ما حول المكان إلى ورشة عمل مفتوحة يشارك فيها جزء كبير من القوة العاملة الشابة، وبخاصة مع تجاوز معدلات البطالة حاجز الـ80 في المئة وارتفاع نسبة الفقر إلى أكثر من 90 في المئة.
هرع كثير من الغزيين لتنظيف الحجارة، لكن من غير الواضح عدد العاملين في هذا النشاط لأنه غير منظم، وإنما يمارسه آلاف الشباب والعائلات بصورة فردية كاقتصاد ضرورة للبقاء، لكن قبل الحرب كان قطاع البناء يشغل قرابة 40 ألف عامل.
بحسب يحيى وفريق عمله في تنظيف الحجارة، فإنه يتقاضى 13 دولاراً في اليوم ويعتبر أن ذلك مبلغ زهيد مقارنة بالمجهود البدني الشاق والأخطار الصحية، ولكن بهذه الطريقة البدائية لن تتم إزالة الركام بسهولة، إذ تقدر الأمم المتحدة أن عملية إزالة الأنقاض قد تستغرق سبعة أعوام إذا توفرت المعدات والوقود، بكلفة تبلغ نحو 1.2 مليار دولار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
100 حجر في اليوم
توقف فرج عن دراسته بسبب الحرب، وحينها وجد نفسه مضطراً إلى إعالة عائلته فانضم إلى مجموعة شبابية تعمل في استخراج الحجر، يقول "في كل مرة أطرق فيها على الحجر أتخيل أنني أحطم يأسي، العمل شاق ومتعب ويستغرق وقتاً طويلاً جداً".
تعتمد الإنتاجية بصورة كاملة على القدرة البدنية للعامل وكمية الركام نفسها، يؤكد فرج أن تنظيف 100 حجر يستغرق مع العامل الماهر يوماً كاملاً أو ثماني ساعات ما بين مراحل الجمع والتنظيف والفرز، موضحاً أن ما كان يُنجز في دقائق بواسطة الكسارات الآلية قبل الحرب بات يستغرق الآن أياماً من العمل اليدوي الشاق.
يستخدم فرج وسكان غزة الحجارة لبناء مساكن موقتة إذ يتم رص الحجارة المنظفة فوق بعضها واستخدام الطين المخلوط بالقش كمادة لاصقة بديلة للأسمنت، لبناء جدران تحمي من البرد والرياح في مخيمات النزوح، وأيضاً لرصف الطرق والممرات ولبناء الدعامات لحماية الخيم من الرياح العاتية، أو لبناء أفران من طين.
يعتقد فرج أن عمله نموذج عالمي في هندسة البقاء وتحدي المستحيل، على رغم جميع الأخطار التي تهدد حياته. يشرح "نواجه الذخائر غير المنفجرة، ونستنشق غبار الركام الملوث بالأسبستوس والبارود والمعادن الثقيلة، ونصاب بجروح قطعية من أسياخ الحديد الصدئة، تنقصنا معدات الوقاية الشخصية والمعدات الآلية وحتى الرعاية الطبية".
اقتصاد وجع
من الجانب الرسمي، يقول مدير عام خدمات التشغيل في وزارة العمل محمد طبيل "قطاع تدوير الركام أصبح المشغل الأكبر حالياً في ظل توقف المصانع والورش، إن الحرفيين في هذا المجال تغيب عنهم معدات السلامة المهنية ويتقاضون أجوراً زهيدة. ما يفعله الشباب هو إعجاز حقيقي، فهم يديرون أكبر كارثة نفايات صلبة في التاريخ الحديث بأدوات بدائية، ويحولون الركام من عائق أمام الإغاثة إلى مادة للبناء والصمود".
ويضيف طبيل "لقد فقدت غزة أكثر من 90 في المئة من قدرتها الإنتاجية، وما نراه اليوم من عمل في الحجارة هو اقتصاد وجع لضمان لقمة العيش، وليس ترفاً مهنياً، وبخاصة أن إسرائيل تمارس سياسة الخنق الاقتصادي، ومنع دخول مواد البناء هو دفع ممنهج لعمالنا نحو المهن الخطرة بدائياً لاستصلاح الركام في ظروف تفتقر لأدنى معايير الإنسانية".