ملخص
تريد باكستان من الإدارة الأفغانية نزع سلاح "طالبان -الباكستانية" وطردها، بينما تحث أفغانستان باكستان على الاعتراف بحركة "طالبان- الباكستانية" كحزب شرعي وإجراء محادثات معها على غرار نموذج المحادثات الأميركية-الطالبانية في الدوحة.
دخلت الحرب الباكستانية - الأفغانية مرحلة خطرة بسبب تزايد سقوط المدنيين في الغارات الجوية الباكستانية، قبل إعلان وقف إطلاق النار الموقت في أيام العيد. لكن من المؤكد أن التوتر المتزايد بين باكستان وأفغانستان سيعزز معنويات الشبكات الإرهابية العابرة للحدود التي تسعى باكستان إلى تقويضها.
ويعود التوتر بين الجانبين إلى خلاف جذري حول التعامل مع الحركات الإرهابية الباكستانية القريبة من حكومة كابول، إذ تتوقع إسلام آباد من حكومة "طالبان" طرد ونزع سلاح والقضاء على حركة "طالبان- باكستان" من ملاذاتها الآمنة في أفغانستان من جهة، بينما يريد الجانب الأفغاني أن تعقد باكستان محادثات مع "طالبان" الباكستانية.
ويخشى أن تمسّك الجانبين الشديد بموقفهما في مثل هذه النقطة الجوهرية، سيؤدي إلى خلق حالة توتر دائمة حتى عند وقف إطلاق النار.
كيف بدأت الحرب الحالية؟
وصلت العلاقات بين أفغانستان وباكستان إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق في الـ27 من فبراير (شباط) عندما قررت إسلام آباد توسيع نطاق غاراتها الجوية على كابول بسبب تصاعد الإرهاب عبر الحدود، إذ استهدفت الأولى ملاذات حركة "طالبان- باكستان" إضافة إلى ضرب المواقع الحدودية والمنشآت العسكرية الأفغانية، لتشن "طالبان" رداً على ذلك هجوماً برياً واسع النطاق على طول الحدود الباكستانية - الأفغانية.
وبتبادل النار في ذلك اليوم بدأت حرب محدودة بين الجانبين، واستمرت الاشتباكات المتقطعة إذ تمسك كلا الجانبين بمواقفيهما مع استئناف الضربات الجوية والرد عليها من الجانب الأفغاني، ما زاد من حالة عدم اليقين وعزز من هشاشة الوضع بين الجانبين.
ومع اشتعال الوضع على الحدود وإطلاق النار من القاذفات، استعرت الحرب الإعلامية وأطلقت تصريحات نارية، إذ أعلنت باكستان "حرباً مفتوحة" ضد حكومة "طالبان"، بينما تعهدت كابول بمحاربة إسلام آباد حتى لو استمر الصراع لعقد من الزمان.
وعلى رغم تفاقم الأحداث، فإن باكستان وأفغانستان وصلتا إلى حافة الانهيار في حرب شاملة نهاية العام الماضي أيضاً، وقتها تم التوصل إلى وقف إطلاق النار بوساطة قطر وتركيا، ودخلت السعودية على خط التوسط لاحقاً عندما تصاعد التوترات بين الجانبين مرة أخرى. لكن على رغم التوقيع على وقف إطلاق النار، لم يجر التوصل إلى اتفاق نهائي يشمل مرحلة ما بعد التوتر العسكري.
ونظراً للتصعيد الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط عقب الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، لم تبد دول الخليج اهتماماً كبيراً لإنهاء التوتر الحالي بين باكستان وأفغانستان، إلا أن المشكلة التي تواجه إسلام آباد هي أن نفوذ الشبكات الإرهابية ستتسع رقعتها في المنطقة كلما طال أمد هذه الحرب.
خلفية الصراع بين حلفاء الماضي
عندما عادت حركة "طالبان" إلى السلطة في أغسطس (آب) 2021، كانت باكستان تأمل في الحصول على تعاونها في إنهاء التمرد المناهض لباكستان مقابل المساعدة في استعادة نظامهم الديني المتشدد.
استند تفاؤل باكستان بشأن حركة "طالبان" إلى الاعتقاد بأن "طالبان" بمجرد وصولها إلى السلطة ستتصرف كدولة تبحث عن مصالحها بدلاً من كونها حركة تمرد عاطفية. وتجاهلت هذه النظرة من إسلام آباد الروابط الأيديولوجية العميقة والميدانية والعرقية والجغرافية بين "طالبان" الأفغانية وحركة "طالبان-باكستان". إذ إن الأخيرة تتعهد بالولاء للزعيم الأعلى لحركة "طالبان" الأفغانية، وتهدف إلى فرض الشريعة الإسلامية على غرارها في باكستان من خلال التمرد المسلح.
وخلافاً لتوقعات باكستان، فإن انتصار "طالبان" المزعوم على قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، أعاد الحياة إلى الجماعات المتطرفة الباكستانية. فقد عززت رعاية "طالبان" ودعمها اللوجستي وتوجيهاتها الاستراتيجية القدرات العملياتية للشبكات الإرهابية المعادية لباكستان، مما أدى إلى موجة إرهابية حادة في باكستان.
اعتقدت باكستان خطأ أن نفوذها السياسي والاقتصادي والجغرافي على أفغانستان الحبيسة، كان كافياً لإجبار حكومة "طالبان" على قبول شروطها وتقديم التعاون المطلوب ضد حركة "طالبان- باكستان". لكنها فوجئت بالحقيقة المرة بأن حكومة "طالبان" تعتبر الهجمات الإرهابية داخل باكستان من قبل حركة "طالبان- الباكستانية" قضية داخلية لباكستان على رغم أن إسلام آباد تعتقد أن الأولى وكيلة لحكومة "طالبان".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتؤكد باكستان أن حركة "طالبان- باكستان" تعمل تحت رعاية حركة "طالبان" الأفغانية، بينما تقول "طالبان" إن باكستان تلقي باللوم على الآخرين في تحدياتها الأمنية للتغطية على إخفاقاتها، وتقول إن بإمكانهم مساعدة باكستان في حل مشكلة الإرهاب إلا أنهم لا يستطيعون إصلاح الفشل الأمني لباكستان.
وتريد باكستان من الإدارة الأفغانية نزع سلاح "طالبان-الباكستانية" وطردها، بينما تحث أفغانستان باكستان على الاعتراف بحركة "طالبان- الباكستانية" كحزب شرعي وإجراء محادثات معها على غرار نموذج المحادثات الأميركية-الطالبانية في الدوحة.
من جهة أخرى، تطالب باكستان حركة "طالبان" بالوفاء بالتزاماتها في مكافحة الإرهاب بموجب اتفاقية الدوحة لعام 2020، التي تنص على عدم السماح لاستخدام الأراضي الأفغانية ضد أي دولة أخرى. إلا أن "طالبان" تؤكد أن اتفاقية الدوحة من الناحية القانونية كانت بين أفغانستان والولايات المتحدة، وأن باكستان ليست طرفاً فيها.
أما لو تحدثنا عن النتائج الميدانية للحرب الحالية، فعلى رغم أن حركة "طالبان" لا تستطيع مجاراة التفوق العسكري التقليدي لباكستان، إلا أن خبرتها التي تمتد لعقدين من الزمن في حرب العصابات تمنحها القدرة على الصمود أمام الغارات الجوية الباكستانية والرد من خلال الهجمات الانتحارية وضربات الطائرات من دون طيار.
لكن ماذا عن نتائج الحرب على الجماعات الإرهابية التي كانت السبب الرئيس وراء استهداف باكستان مواقع أفغانية؟
التوتر يعزز الإرهاب
هناك عوامل عدة تشير إلى أن الغارات الباكستانية لن تفشل في تحقيق أهدافها - تقويض الشبكات الإرهابية - بل إنها ستأتي بنتائج عكسية. أولاً، رفض حكومة أفغانستان الضغوط الباكستانية بشأن نزع سلاح وطرد "طالبان- الباكستانية" يعزز المصداقية السياسية لحركة "طالبان"، لأنها لا تريد أن تبدو ضعيفة في مواجهة العمل العسكري الباكستاني لأسباب داخلية وأيديولوجية.
وتدرك حكومة "طالبان" أنها إذا تخلت عن حركة "طالبان-الباكستانية" بسبب الضغوط الخارجية، فلن يؤثر ذلك في سمعتها الأيديولوجية في الأوساط العسكرية فحسب، بل سيظهر ضعفها في نظر الشعب الأفغاني.
لذا، يمكننا أن نقول إن الغارات الجوية الباكستانية ستغير حسابات "طالبان" الأيديولوجية لكن بصورة سلبية لباكستان، فالهجوم الباكستاني سيؤدي إلى تعزيز العلاقة بين جناحي "طالبان" بدلاً من إضعاف هذا التحالف.
ثانياً، التوتر بين الطرفين سيزيد من أنشطة الجماعات الإرهابية التي ستتخذ من التوتر ذريعة لتوسيع هجماتها. وقد أعلنت حركة "طالبان- الباكستانية" بالفعل عن عملياتها الربيعية السنوية لتكثيف هجماتها داخل باكستان.
وفي نهاية المطاف، ستشجع الفوضى الإقليمية الناجمة عن التوترات بين أفغانستان وباكستان الشبكات الإرهابية التي تسعى باكستان إلى تفكيكها. ونظراً للموقف المتشدد الذي اتخذته الدولتان في أعقاب التوترات الأخيرة، فإن فرص إحلال السلام ضئيلة.
تؤكد إسلام آباد أن الغارات الجوية ستستمر حتى تنأى حكومة "طالبان" بنفسها عن "طالبان- الباكستانية"، وهو مطلب تصفه حكومة "طالبان" بأنه "ضرب من الخيال". لذا يتوقع استمرار وتصاعد العنف بين الجانبين من دون أن يتحول إلى حرب شاملة، كذلك فإن وقف إطلاق النار في حال التوصل إليه سيكون موقتاً ولن يدوم طويلاً.
نقلاً عن "اندبندنت أوردو"