ملخص
الحرب الباكستانية الأفغانية الحالية ليس لها أهداف عملية واضحة، فإسلام آباد تحاول ضرب المواقع الإرهابية المحتملة داخل الأراضي الأفغانية حتى تظهر لكوادرها العسكرية أنها تقوم بالواجب لحمايتهم وأنها تنتقم للقتلى العسكريين في الهجمات الإرهابية. لكن هذه الضربات أثبتت أنها عديمة الجدوى ولم تتمكن من استهداف قادة "طالبان"، بل أدت إلى مقتل المدنيين في أغلب الأحوال. لذا الضربات الباكستانية لن تحقق ما تريده إسلام آباد وهو القضاء على الإرهاب.
استهل المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد تغريدته التي أعلن فيها بدء عملية عسكرية ضد المواقع الباكستانية بالآية الكريمة "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"، ليرد عليه بعد قليل وزير الإعلام الباكستاني معلناً بدء عملية غضب للحق ومستشهداً بآية أخرى "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف"، المفارقة أن الدولتين المسلمتين الجارتين استدلتا بالقرآن الكريم لتبررا سفك الدماء وتدمير المواقع واستهداف المنشآت في شهر رمضان الفضيل.
مضت أكثر من 24 ساعة على بدء الاشتباكات بين إسلام آباد وكابول أثناء كتابة هذه السطور وأعلن كل جانب إلحاق أضرار كبيرة بالجانب الآخر من إسقاط عشرات القتلى وتدمير عدد من المواقع والمدرعات، لكن الأسئلة المهمة لم يتم الجواب عليها إلى الآن، ما الذي أوصل هاتين الدولتين إلى هذه الحال، وما هي أهداف هذه الحرب؟
لماذا دعمت باكستان "طالبان" في السابق؟
دعونا نبسط الأمور ونفهم الصورة بشكل واضح. الخلاف الحالي بين باكستان وأفغانستان يكمن في معضلة واحدة هو الفرق الكبير بين سلوك "طالبان" كحركة معارضة مسلحة مع إسلام آباد وسلوك "طالبان" معها كحكومة رسمية وممثل لدولة أفغانستان، هنا يختفي سر التحول من الحلفاء إلى الخصوم، وهنا يوجد مفتاح الخلاف الحالي.
الخلاف الباكستاني الأفغاني ليس جديداً، فالدولتان لديهما خلافات جوهرية، وكانت أفغانستان الدولة الوحيدة التي عارضت الاعتراف بباكستان في الأمم المتحدة عند استقلال الأخيرة، والسبب في ذلك هو عدم اعتراف أفغانستان بخط ديوراند الحدودي بين الدولتين وادعائها على مناطق شاسعة من الأراضي الباكستانية تشمل إقليم خيبر بختونخوا بأكمله تقريباً وتمتد إلى حدود بنجاب. هذا الادعاء غير العملي والمخالف لتطلعات سكان إقليم خيبر بختونخوا أشعل فتيل الخلاف بين الجانبين، ودفع أفغانستان في السنوات الأخرى إلى إيواء المنشقين والانفصاليين الباكستانيين وتوفير ملاذات آمنة ومركزاً لإطلاق حركاتهم المعارضة.
الحكومات القومية اليسارية التي توالت على أفغانستان لم تتماشَ مع الجانب الباكستاني، وبقيت الأجواء متوترة مع وجود فترات سلام وصداقة بين البلدين، لكن باكستان أدركت -أو ظنت خطأ- أن الخلاف الأيديولوجي مع القادة القوميين الأفغان يشكل عقبة في مسار التعايش السلمي.
وسنح الجهاد الأفغاني فرصة مواتية لإسلام آباد للتدخل في الشؤون الأفغانية وتنصيب حكومة موالية فوضعت باكستان كل بيضها في سلة المجاهدين ووفرت لهم كل ما يحتاجون إليه وضحت بالمخاطرة بأمنها القومي لإيوائهم منتظرة الوقت الذي يصلون فيه إلى السلطة ويبدأ أخيراً شهر العسل بين الجارتين.
الدعم الباكستاني للمجموعات الإسلامية المسلحة- المدعومة آنذاك من الولايات المتحدة أيضاً- لم يكن مقتصراً على تأييد سياسي بل شمل التدريبات العسكرية واستضافة القادة وإنشاء مراكز استقبال للمقاتلين المؤيدين لهذه الجماعات من جميع أنحاء العالم لمحاربة السوفيات، ووصل دعم وتدخل الاستخبارات الباكستانية إلى أنها أدارت عملية تغيير النظام عن طريق مساندة المجاهدين في الاستيلاء على مدينة جلال آباد الاستراتيجية.
فشلت عملية جلال آباد، لكن المجموعات المتحالفة مع باكستان وصلت إلى السلطة في كابول بعد حوالى ستة أعوام، وتحديداً عام 1996، حيث بدأ عهد "طالبان" الأول وكانت باكستان أول دولة تعترف بحكومة "طالبان".
وعلى رغم من وقوف إسلام آباد إلى جانب واشنطن في هجومها على كابول عقب أحداث 11 سبتمبر (أيلول) واعتقالها بعض قادة "طالبان" وتسليمهم إلى الولايات المتحدة، فإن الجهاز الاستخباراتي الباكستاني وأنظمة الدولة العميقة كانت على تواصل دائم مع كوادر "طالبان" وكانت توفر لها الدعم المطلوب للصمود أمام الهجوم الأميركي.
واستمر هذا الدعم الخفي إلى أن وقعت "طالبان" معاهدة الدوحة، وعادت إلى الحكم في أغسطس (آب) عام 2021 بعد رحيل القوات الأميركية. استبشرت باكستان بعودة حلفائها للسلطة وسارع رئيس الاستخبارات الباكستاني بزيارة كابول واحتساء القهوة هناك وكأنه يعلن انتصار باكستان. لكن ومع زوال نشوة الانتصار كان الطرفان أمام سؤال معقد، ماذا عن العناصر والفصائل التي تحارب باكستان اليوم، لكنها وقفت جنباً إلى جنب في صفوف القتال مع "طالبان" لسنين طويلة؟
"طالبان" تركب قاربين في آن
حركة "طالبان" الباكستانية تقاتل الجيش الباكستاني منذ عقدين وتدعو إلى تطبيق الشريعة في باكستان، وهي الجهة المسؤولة عن أغلب الانفجارات الدموية وقتل آلاف المواطنين والعسكريين الباكستانيين، وهي ذاتها تربطها علاقة وثيقة بـ"طالبان" الأفغانية إذ قاتل عناصر الفصيلين جنباً إلى جنب منذ عشرات السنين وتربطهم صلات دموية وأخوية واستراتيجية.
حاولت "طالبان" الأفغانية أن توفق بين الجانبين ودفعهما إلى طاولة الحوار، وتم وقف إطلاق النار فعلاً في 2021 و2022، لكن هذه الفترة استغلتها حركة "طالبان" الباكستانية في تحشيد قواتها بشكل أكبر لتقوم بهجوم أكبر وشرس على المنشآت العسكرية الباكستانية.
الأعوام الثلاثة الأخيرة منذ تولي "طالبان" حكم أفغانستان الأكثر دموية منذ عقد في باكستان إذ شهدت انفجارات واسعة النطاق لا سيما في إقليم خيبر بختونخوا المحاذي للحدود الأفغانية. بدأت باكستان بالضغط على الحكومة الأفغانية لاحتواء "طالبان" الباكستانية، لكن من دون جدوى، فهجمات الإرهابيين لم تتوقف من جهة ولم تتوعد الإدارة الأفغانية باتخاذ إجراءات ضد العناصر الإرهابية من جهة أخرى.
ما الذي يمنع أفغانستان من احتواء "طالبان"؟
بعيداً من الخطاب العاطفي والأسباب الحميمية التي تتحدث عن العلاقة الأخوية بين "طالبان" الأفغانية و"طالبان" الباكستانية، فهناك سبب واقعي وعملي يمنع الإدارة الأفغانية من اتخاذ إجراءات فعالة ضد "طالبان" الباكستانية وهو أنها تخشى أن أي عملية عدائية ضد الحركة التي لديها آلاف المقاتلين المدربين والمدججين بالأسلحة الفتاكة قد تدفعها إلى التحالف مع تنظيم "داعش" الذي يشكل الخطر الأكبر على الأمن الأفغاني.
ونجحت الإدارة الأفغانية في السنوات الأخير من عزل تنظيم "داعش" وتوجيه ضربات قاضية على هيكلة التنظيم مما أضعف قدراته بشكل كبير، فيما رد التنظيم باغتيال عدد من كبار قادة "طالبان"، لذا ليس من مصلحة أفغانستان أن تدفع فصيلاً قوياً مثل "طالبان" الباكستانية بعيداً منها في هذه الأجواء المشحونة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذه هي المعضلة في العلاقات الباكستانية - الأفغانية، وحقيقة الأمر أن أفغانستان ليست المسؤولة الوحيدة للحالة الأمنية المتردية في باكستان، فهناك فشل استخباراتي وسياسي وعسكري كبير من الجانب الباكستاني في القضاء على التهديد الإرهابي وضبط أمورها الداخلية. لكن إسلام آباد ترى أن أفغانستان هي من توفر الملاذ لـ"طالبان" الباكستانية ولا يمكن القضاء على التهديد في حال استمرار الإدارة الأفغانية بدعم العناصر الإرهابية. وتأتي الهجمات الباكستانية العابرة للحدود في هذا السياق إذ تقول باكستان، إنها ستتولى مسؤولية القضاء على مراكز الإرهاب داخل الأراضي الأفغانية إذا لم تقم الحكومة الأفغانية بذلك.
إلى أين ستؤول الحرب الحالية؟
الحرب الباكستانية الأفغانية الحالية ليس لها أهداف عملية واضحة، فإسلام آباد تحاول ضرب المواقع الإرهابية المحتملة داخل الأراضي الأفغانية حتى تظهر لكوادرها العسكرية أنها تقوم بالواجب لحمايتهم وأنها تنتقم للقتلى العسكريين في الهجمات الإرهابية. لكن هذه الضربات أثبتت أنها عديمة الجدوى ولم تتكمن من استهداف قادة طالبان، بل أدت إلى مقتل المدنيين في أغلب الأحوال. لذا الضربات الباكستانية لن تحقق ما تريده إسلام آباد وهو القضاء على الإرهاب.
وبخلاف التصريحات شديدة اللهجة الأخيرة من المتحدث العسكري، فإنه لا يمكن عملياً إضعاف الفصائل المسلحة عن طريق هذه الحملات، وهو ما فشلت فيه الولايات المتحدة أثناء وجودها في أفغانستان.
من جانب آخر، تستغل "طالبان" التي لا تحظى بتمثيل شعبي حقيقي وتتهم دائماً بعمالة الجهات الخارجية هذه الفرصة لإظهار نفسها أنها حامية المصالح القومية الأفغانية وأنها تقف في وجه العدوان الخارجي.
فالحملة العسكرية الحالية استعراض للقوة وتطمين للشارع أكثر من كونها حملة مخططة بأهداف محددة، وسيرغب الطرفان قريباً بإنهاء العدوان ووقف إطلاق النار، والمتضرر الوحيد هو المواطن التعيس الذي دفعته الأقدار إلى أن يكون من سكان المناطق الحدودية بين باكستان وأفغانستان.