Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما جنته "الدعم السريع" من تحالفها مع "الحركة الشعبية"

وفرت مناطق الحركة قواعد انطلاق لتوغل مليشيات "الدعم" في النيل الأزرق ومحللون: لا إضافة ميدانية حقيقية في مسارح العمليات

قبل فراره من الفاشر، في مأوى موقت في بلدة الطويلة بمنطقة دارفور التي مزقتها الحرب، 2 مارس 2026 (أ ف ب)

ملخص

يرى باحثون أن الأخطر هو تحول المشهد من حرب بين طرفين إلى حرب متعددة الأطراف، مما يعطي نموذجاً قد يفتح الباب أمام حركات أخرى مسلحة للتفكير في فك الارتباط مع الدولة، وهو ما من شأنه أن يضيف تعقيداً سياسياً وعسكرياً، ويؤثر في ميزان الردع بالمناطق الطرفية مثل جنوب كردفان والنيل الأزرق.

بعد مرور زهاء العام على تحالف "الحركة الشعبية/ شمال" بقيادة عبدالعزيز الحلو، مع قوات "الدعم السريع" تحت مظلة ما عرف بـ"قوات تأسيس"، عقب توقيع ميثاق تحالف السودان التأسيسي بنيروبي مطلع العام الماضي، اتفق الطرفان على تكوين جيش جديد في مناطق سيطرتهما، وتطوير تحالفهما إلى اتفاق أمني وعسكري للعمل الميداني المشترك.

 منذ ذلك الحين، انخرطت "الحركة الشعبية" بكل ثقلها في الحرب إلى جانب قوات "الدعم السريع" في حربها ضد الجيش وخاضت معارك وهجمات منسقة معها، بخاصة في مناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق. فما الذي يضيفه دخولها على المعارك الجارية، وهل يغير في ميزان القوة العسكرية على الأرض، أو يشكل عامل ترجيح وحسم مستقبلاً؟

التحول الأبرز

يرى الباحث في الشؤون العسكرية عامر عز الدين أن التحول الأبرز هو تحول المشهد من حرب بين طرفين إلى حرب متعددة الأطراف، مما يعطي نموذجاً قد يفتح الباب أمام حركات أخرى مسلحة للتفكير في فك الارتباط مع الدولة، وهو ما من شأنه أن يضيف تعقيداً سياسياً وعسكرياً، ويؤثر على ميزان الردع بالمناطق الطرفية مثل جنوب كردفان والنيل الأزرق، بخاصة أن الحركة وجيشها المعروف بـ"الجيش الشعبي لتحرير السودان" يمتلك خبرة قتالية طويلة في حرب العصابات وسط تضاريس صعبة في الجبال والغابات، ولديه القدرة على تعطيل خطوط إمداد أو التقدم البري، وهو تفوق تكتيكي محلي للحركة في مناطقها، لكنه محدود خارجها.

يشير عز الدين إلى أن توسع رقعة القتال خارج محور دارفور وشمال كردفان شكل استنزافاً إضافياً للجيش سيضطره إلى إعادة نشر وتوزيع قواته لتشمل جبهات إضافية، مما يخلق ضغطاً حيوياً جديداً على جبهات القتال في جنوب كردفان والنيل الأزرق بجنوب شرقي البلاد، وهي جبهات كانت أقل سخونة من قبل.

يتابع "على رغم التحول النوعي الذي أحدثه تحالف الحركة و(الدعم السريع) في موازين القوة، فإن تأثيره  ظل محدوداً على الأرض، غير أن المؤكد حتى الآن هو إسهام ذلك التحالف في توسيع جغرافيا المعارك، سواء في أجزاء من جنوب كردفان (جبال النوبة) التي تسيطر عليها الحركة تقليدياً، أو فتح جبهة جديدة بالنيل الأزرق جنوب شرقي البلاد".

يرى الباحث أن التنسيق بين "الدعم السريع" والحركة الشعبية أثمر في الفترة الأخيرة عن سيطرتهما على مدينة الكرمك الحدودية الاستراتيجية بالنيل الأزرق ومناطق أخرى في الكيلي وديم منصور، بعدما وفرت مناطق سيطرة القائد جوزيف توكا الملاذ الآمن والقاعدة الخلفية لتحركات قوات "الدعم السريع" داخل الإقليم، بعيداً من مراكز ثقل الجيش في الشمال والوسط، فضلاً عن الإضافة العددية من قوات الحركة الشعبية ذات الخبرة القتالية الطويلة في حرب العصابات والتضاريس الوعرة والغابات، مما وفر بدوره لقوات "الدعم السريع" فرقاً من مشاة الجبال الذين كانت تفتقر إليهم، إذ إن معظم خبرة مقاتليها بنيت على القتال الصحراوي والمناطق المفتوحة.

توازن القوى

من الجانب الآخر يؤكد المتحدث الرسمي باسم "القوى المدنية المتحدة" (قمم)، أحد مكونات تحالف "تأسيس"، عثمان عبدالرحمن سليمان أن انخراط "الحركة الشعبية/ شمال" في القتال إلى جانب قوات "الدعم السريع" أحدث تحولاً ملحوظاً في خريطة الصراع على المستويين العسكري والسياسي.

وفق سليمان، أضافت مشاركة "الحركة الشعبية" بما تمتلكه من خبرة قتالية طويلة في مناطق جبال النوبة والنيل الأزرق، بعداً استراتيجياً جديداً للمعارك مع تعدد الجبهات في تضاريس معقدة، مما أسهم في إرباك حسابات الجيش، ولم يعد الصراع محصوراً في جبهات القتال التقليدية، وإنما تمدد إلى مناطق ظلت لسنوات تحت نفوذ الحركة، مما أدى إلى إعادة توزيع القوات وإضعاف تركيزها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويردف "أحدث انضمام (الحركة الشعبية) للمعارك إلى جانب (الدعم السريع)، بمساندة فصائل مسلحة أخرى، نوعاً من التوازن في القوة على الأرض، بعدما كان الجيش يتمتع بتفوق نسبي في العتاد والتنظيم، وفتح جبهات نشطة في جبال النوبة والنيل الأزرق، ووضع الجيش أمام تحديات مركبة، بإجباره على القتال في بيئات جغرافية صعبة ومتباعدة، ما حدّ من قدرته على الحسم السريع أو السيطرة الكاملة على الحدود والمناطق الحيوية".

يشير سليمان إلى أن التمدد الذي حدث في رقعة العمليات خلق حالاً من الاستنزاف المستمر، وأدخل الجيش في مفترق طرق استراتيجي بين الدفاع عن مراكزه الحيوية أو محاولة استعادة زمام المبادرة في جبهات متعددة، مما انعكس بوضوح على ميزان القوة، الذي بات يميل نحو حال من التعادل النسبي المعقد بدلاً من الحسم لصالح طرف واحد.

على الصعيد السياسي يرى المتحدث باسم "قمم" أن التحالف بين "الدعم السريع" والحركة الشعبية منح زخماً سياسياً لقوى مناهضة للجيش، وخلق واقعاً جديداً أعاد طرح قضايا الهامش والسلطة المركزية إلى قلب المشهد السياسي، مما جعل الحركة لاعباً محورياً لا يمكن تجاوزه في أية ترتيبات مستقبلية.

غير مؤثرة

من جهة أخرى يرى المستشار بالأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية اللواء معتصم عبدالقادر أن "الحركة الشعبية" لم تقدم خلال المعارك التي شاركت فيها مع ميليشيات "الدعم السريع" أية إضافة ميدانية حقيقية في مسارح العمليات المختلفة.

ويستدل على ضعف تأثير دخول الحركة بالتقدم المستمر من جانب الجيش وتمكنه من فك حصار كادوقلي عاصمة جنوب كردفان، وتحرير مدينة الدلنج بالولاية ذاتها التي تمثل معقل "الحركة الشعبية" ومركز ثقلها العسكري، كما انتزع الجيش قبل أيام منطقة التكمة من يد تحالف الفريقين المسلحين، ويحرز تقدماً في الطينة الحدودية مع تشاد بمحور دارفور.

ويلفت المستشار بأكاديمية الدراسات الاستراتيجية إلى أن الخسائر الفادحة التي ظلت تتكبدها القوات المشتركة بين "الدعم السريع" و"الحركة الشعبية" وتراجعها المتواصل أمام ضغط الجيش العسكري في المعارك المستمرة بجنوب كردفان، هي السبب وراء فتح الجبهة الجديدة في إقليم النيل الأزرق بتدخل إثيوبي ودعم إماراتي صريح، لتخفيف الضغط المكثف عليها في محوري كردفان ودارفور.

ويضيف "هناك محاولات محمومة حالياً لغزو البلاد عبر بوابة إثيوبيا، مستغلة انشغال المجتمع الدولي بالحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران وتقلص اهتمامه ومتابعته للوضع في السودان، إذ تجري عمليات تصعيد ومساع حثيثة لنقل العمليات إلى مناطق أخرى في النيل الأزرق، لكن لا يتوقع لها أن يحقق أي تقدم آخر على هذه الجبهة، بخلاف وصولها إلى مدينة الكرمك على الحدود السودانية - الإثيوبية".

يلاحظ عبدالقادر أن العمليات العسكرية المشتركة بين الحركة الشعبية وميليشيات "الدعم السريع"، غالباً ما تنشط بالتزامن مع تدفق الدعم والأموال من دولة الإمارات وتخبو مع ضعفه، ويربط بين تحريك العمليات العسكرية هذه الأيام ومؤتمر برلين المزمع عقده في الـ15 من أبريل (نيسان) الجاري، برعاية المجموعة الخماسية التي تضم الأمم المتحدة، والاتحادين الأفريقي والأوربي، والجامعة العربية، ومنظمة "إيغاد"، برعاية أميركية، بهدف الضغط على الحكومة للقبول بأية تسوية خارجية مفروضة.

ضغط وتشتيت

على نحو متصل يرى المحلل السياسي موسى علي محمود أن دخول "الحركة الشعبية" المعارك يرفع من مستوى الضغط العسكري على الجيش ويشتّت موارده على المدى القصير، ولكن لن يكون له تأثير قوي في ميزان القوة على المدى البعيد، بخاصة مع فشل تحالفها مع "الدعم السريع" حتى الآن في تحقيق نصر حاسم أو تأثير جدي ملموس، سواء في مناطقها ومعقل وجودها بجنوب كردفان، أو حتى في خارطة السيطرة العامة بالمراكز الكبرى الأخرى.

لكن محمود لم يستبعد أن يواجه التحالف بين "الحركة الشعبية" و"الدعم السريع" في المستقبل القريب تقاطعات جوهرها التضارب في المصالح بين الطرفين، فالحركة تسعى جاهدة للمحافظة على استقلاليتها السياسية وتتخوف من خسارة سندها الشعبي بتفادي الذوبان الكلي داخل الحليف الجديد، الذي يملك الكتلة البشرية الأكبر والعتاد الأوفر والأحدث، بينما تعتبر "الحركة الشعبية" نفسها الأكثر عراقة وخبرة ونضجاً في طرحها السياسي، وتفخر بأنها نجحت في فرض أجندتها السياسية بتضمين مطالبها التاريخية في علمانية الدولة وحق تقرير المصير وتطبيق النظام الفيدرالي ضمن الميثاق التأسيسي للتحالف.

يعتقد المحلل السياسي أن المكاسب السياسية التي حققتها "الحركة الشعبية" لنفسها عقب دخولها تحت مظلة تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) في فبراير (شباط) 2025، بحصول رئيسها عبدالعزيز الحلو على منصب نائب رئيس التحالف، بجانب حصة كبيرة من الحقائب الوزارية في ما سمي بالحكومة الموازية، لا تعدو كونها مجرد مكاسب افتراضية، إذ إن التحالف وسلطته الموازية لا يجدان شرعية تذكر حتى الآن ويواجهان صعوبات سياسية وتنفيذية كبيرة في إدارة إقليم دارفور من عاصمتهم نيالا، فكيف يمكنهم الحديث عن حكم كل السودان؟

انفصال وانقسام

وتعود نشأة "الحركة الشعبية/ شمال" إلى قطاع الشمال كجزء من الحركة الشعبية الأم التي أسسها جون قرنق عام 1983، لكن عقب انفصال جنوب السودان في 2011 رفضت قواتها في الشمال نزع سلاحها، وتحولت إلى حركة سياسية وعسكرية مستقلة داخل السودان الشمالي، بقيادة كل من مالك عقار ونائبه عبدالعزيز الحلو، وسرعان ما دخلت في نزاع مسلح مع حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير للمطالبة بحقوق منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

في عام 2017 انقسم الكيان الجديد إلى جناحين، أحدهما جنوب كردفان بقيادة عبد العزيز الحلو، والآخر في النيل الأزرق ويقوده مالك عقار، غير أن الأخير شارك لاحقاً في التوقيع على "اتفاق جوبا" للسلام، بينما رفض الحلو.

عقب الانقسام، وعلى رغم وجود قواته في النيل الأزرق، انحاز القائد الميداني بالحركة جوزيف توكا بقواته إلى جناح عبدالعزيز الحلو.

ويتمركز فصيل توكا بصورة رئيسة في مناطق يابوس، وأولو، وديم منصور، القريبة من الحدود الإثيوبية، حيث يعتبر منطقة يابوس العاصمة الميدانية لقواته نظراً إلى موقعها الاستراتيجي كنقطة التقاء حدودية بين السودان وإثيوبيا وجنوب السودان.

وكان التحول اللافت في موقف "الحركة الشعبية/ شمال" بقيادة الحلو، هو تحالفها السياسي والعسكري مع قوات "الدعم السريع" ضد الجيش السوداني تحت مظلة "تحالف السودان التأسيسي" (تأسيس) في فبراير (شباط) 2025 بالعاصمة الكينية نيروبي.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات