ملخص
متخصصون وتجار قالوا لـ"اندبندنت عربية" إن سعر المعدن الأصفر مرتبط بمصير هذه الحرب واستعادة سوق الطاقة هدوءها وإن توقعوا مزيداً من التراجع في الذهب في الأجل القريب.
أمام خسارة مفاجئة، سارع محمد عبدالراضي إلى التخلص من جنيه الذهب الذي اشتراه بسعر 60 ألف جنيه (1159.23 دولار) قبيل اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في نهاية فبراير (شباط) الماضي أملاً في اللحاق بركب الفائزين بأرباح المعدن الصاعد، قبل أن يهوي السعر إلى ما دون 55 ألف جنيه (1062.62 دولار) في غضون أيام.
ارتبك الموظف الأربعيني فيما هو يطالع التقارير الاقتصادية التي تستبعد أي تعافٍ قريب في سعر المعدن وسط غياب لحافز التوترات الجيوسياسية الذي كثيراً ما عمل في الماضي كرافعة للمعدن النفيس، في ظل طلب أعلى على الدولار وارتفاع أسعار الطاقة وميل ملموس لدى البنك المركزي الأميركي صوب التشديد النقدي.
الشراء في التوقيت الخطأ
"كأنها صفعة على وجهي، اشتريت في الوقت الخطأ وبعت بخسارة تجنباً لخسارة أكبر، فلا يتوقع للذهب عما قريب أن يستعيد مستوياته التي كان عليها حين تجاوز 5500 دولار للأونصة" يقول عبدالراضي.
لكن ثمة من يخالف عبدالراضي في الرأي، فلا الذهب يصلح للمضاربة ولا يناسب كاستثمار قصير الأجل، بحسب ما يشير ثامر السيد في حديث إلى "اندبندنت عربية" الذي يعتقد أن التراجعات الحالية في سعر المعدن الأصفر فرصة ينبغي اغتنامها للشراء من دون الرهان على جني أرباح سريعة.
استعادة الهدوء في أسواق الطاقة
يضيف السيد وهو موظف ثلاثيني بالقطاع الخاص، أن ارتداد الذهب أمر متوقع مع هدوء الأوضاع الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والتي يرجح لها الانتهاء قريباً بحسب كل المعطيات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
ما بين عرض أميركي بمحادثات سلام مع إيران كبحاً للفاتورة الاقتصادية العالمية الباهظة واستعداد طهران للتفاوض على رغم وجود فروق جوهرية بين شروط المتحاربين، يرى ثامر السيد أن الحرب في فصلها الأخير، وهو ما من شأنه إعادة سعر الذهب إلى الصعود مع التراجع النسبي في أسعار الطاقة.
وضوح الرؤية إبان نهاية الحرب
بين ثامر ومحمد، ثمة آخرون اختلط عليهم المشهد في مصر، رابحون وخاسرون مما يحدث في سوق المعادن الثمينة من تقلبات عنيفة، ومن الناس من يتريث في الشراء والبيع لحين وضوح الرؤية إبان نهاية الحرب هذه.
متخصصون وتجار تحدثوا لـ"اندبندنت عربية" في شأن السيناريوهات المتوقعة لأسعار الذهب في قادم الأيام، وقالوا إن المعدن لا يزال مرشحاً للهبوط صوب 4000 دولار للأونصة، لكن مع ذلك سيرتد السعر صعوداً مع استعادة أسواق الطاقة تدفقات النفط.
خفض أسعار الفائدة
وأوضحوا أن ارتفاع كلفة الطاقة يجعل التضخم أكثر عناداً للتراجع مع خطط وتدابير البنوك المركزية، ومع استبعاد التيسير النقدي في الأجل القريب فإن الذهب سيظل دون المستويات القياسية التي سجلها حتى اندلاع هذه الحرب.
ومع ذلك لا ينصح بعض التجار بالتعامل على المعدن بيعاً وشراءً في الوقت الراهن لحين اتضاح الرؤية في الأسواق العالمية اللاعب الأكبر في تسعير المعدن.
هبطت أسعار الذهب في مصر سبعة في المئة خلال تعاملات الأسبوع الماضي، بعد تراجع جاوز 10 في المئة في سعر الأونصة عالمياً، مع تلاشي توقعات خفض الفائدة من قبل البنك المركزي الأميركي.
كم أسعار الذهب في مصر؟
المتخصص في سوق الذهب سعيد إمبابي قال إن أسعار المعدن فقدت 510 جنيهات (9.85 دولار) خلال الأسبوع الماضي، إذ افتتح الغرام من عيار 21 التداولات عند مستوى 7425 جنيهاً (143.45 دولار)، واختتمها عند 6915 جنيهاً (133.60 دولار).
وسجل سعر غرام الذهب من عيار 24 نحو 7903 جنيهات (152.69 دولار)، وسجل عيار 18 نحو 5927 جنيهاً (114.51 دولار) بينما وصل سعر الجنيه الذهب إلى نحو 55320 جنيهاً (1068.81 دولار).
الأنظار على الدولار الثلاثاء
إمبابي أوضح أن السوق المصرية تتداول الذهب بفارق 327 جنيهاً (6.32 دولار) عن السعر العالمي وفقاً لسعر الصرف في البنك المركزي، وفي ظل ضعف الطلب المحلي.
لكنه لفت إلى أن تجار الذهب الخام يتحوطون في ظل المخاوف من أي تحرير محتمل لسعر الصرف مع بداية عمل البنوك الثلاثاء، مع استمرار القلق من احتمال ارتفاع أسعار الذهب مرة أخرى.
وفقدت أونصة الذهب نحو 524 دولاراً، إذ بدأت تعاملات الأسبوع الماضي عند مستوى 5021 دولاراً وأغلقت عند مستوى 4497 دولاراً، مسجلة أكبر خسارة أسبوعية لها منذ عام 1983، وأكثر من 14 في المئة منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.
جاذبية أقل للمعدن النفيس
ويفسر إمبابي تراجع سعر الذهب وسط هذه التوترات الجيوسياسية، فيقول إن المستثمرين عادة يلجأون خلال أوقات الاضطراب إلى التحوط من تقلبات أسعار الصرف بشراء الذهب، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الصراع دفع البنوك المركزية حول العالم إلى إعادة النظر في توقعات أسعار الفائدة، وهو ما أثر في جاذبية الذهب مقارنة بالاستثمارات المدرة للدخل مثل السندات.
ووفقاً لمؤشر "فيدوتش"، لا يتوقع أن يخفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة الأميركية هذا العام، مما يزيد من كلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب.
مستقبل الجنيه المصري
من جانبه يرى محمود الرفاعي، أحد تجار المعدن، أن الذهب في السوق المحلية لا يزال متأثراً بارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه نحو أربعة جنيهات (0.077 دولار) بعد خروج مليارات الدولارات من الأموال الساخنة من السوق، مما يعني أن أي تعافٍ في سعر الجنيه بعد انتهاء النزاع الإقليمي سيترجم في ارتفاع أسعار الذهب مباشرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويشير الرفاعي إلى أن الطلب المحلي على الذهب تراجع بقوة في أعقاب هذه الحرب التي هبطت بأسعار المعدن الأصفر، وأن هذا الطلب سيعمل كمحرك ثانوي لسعر الذهب في السوق المحلية حال معاودة الشراء وتوقف نزف السعر العالمي للأونصة.
أساليب شراء وبيع خاطئة
لكن الرفاعي تحدث عن معضلة ذات خصوصية للسوق في مصر، إذ يرى أن المستهلكين عادة ما يتجاهلون أساليب الشراء والبيع الصحيحة، فتراهم يشترون في أوقات ذروة السعر ويبيعون أحياناً في أوقات الهبوط ومحركهم في ذلك الخوف من الخسارة أو تفويت فرصة اغتنام الصعود لتحقيق الأرباح.
ويشير المتحدث إلى أن الذهب لا يزال يتوقع له أن ينزل إلى مستوى 4000 دولار للأونصة، وهو ما يتعين معه الشراء من عند هذا المستوى النفسي للسعر، متوقعاً صعود المعدن بصورة لافتة بعد استعادة أسواق الطاقة هدوءها السابق.
توقعات سعر الذهب في 2026
وأدى انتعاش الدولار الأميركي هذا الشهر إلى جعل الذهب - الذي يسعر بالدولار - أغلى نسبياً للمستثمرين الدوليين، ويعد مسار الدولار عاملاً رئيساً مؤثراً في أسعار المعدن، إذ يميل إلى الاستفادة من ضعف الدولار، بينما يقل انتعاشه مع قوة العملة الأميركية.
في مذكرة لبنك "آي أن جي" الهولندي يتوقع للمعدن أن يصل إلى 6 آلاف دولار بنهاية العام الحالي، مع إمكان تعديل الهدف إلى 5 آلاف دولار في حال استمرار المعطيات الجيوسياسية الصعبة وارتفاع التضخم والدين الأميركي.
متى تتعافى سوق الذهب؟
وينصب التركيز حالياً على مدى قدرة مستوى 4500 دولار على الصمود، وفي حال اختراق هذا المستوى مراراً، قد يستمر التصحيح، وربما يختبر مستوى الدعم الرئيس عند 4400 دولار.
وإذا ما عاودت عمليات الشراء عند الانخفاض الظهور، فقد تنتقل أسعار الذهب من مرحلة التعافي بعد الهبوط الحاد إلى مرحلة التماسك التدريجي ضمن نطاق محدد.
على الأرجح ستظل الرؤية في سوق الذهب رهينة انتهاء الحرب، وهو ما من شأنه بقاء تلك السوق في مصر في حال ترقب تفادياً لمغامرات شراء وبيع لا تحمد عقباها، ومع كل أزمة كتلك يعاود السؤال الظهور: هل نبيع أم ننتظر، وماذا يحمل الغد؟