ملخص
تحول الذهب إلى الملاذ الآمن الوحيد وسط حرب ترمب على إيران، إذ يدفع الاضطراب العالمي رؤوس الأموال إلى الهرب من الأسهم نحو المعدن النفيس، الذي بات يؤدي دوراً سياسياً واستراتيجياً في الأمن القومي وسلاسل التوريد، فيما تبرز لندن وتركيا كمراكز محورية في تجارته.
يعشق الرئيس ترمب كل ما يلمع. وقد كتبت اللافتة المعلقة فوق المكتب البيضاوي ("الغرفة التي يحدث فيها كل شيء") بأحرف كبيرة مذهبة. ويمتلئ البيت الأبيض بالزخارف الذهبية والستائر الذهبية. وتغطي الطاولات الصغيرة قواعد أكواب ذهبية اللون (مطبوع عليها اسم ترمب بالطبع). حتى جهاز التحكم من بعد ذهبي اللون.
بالنسبة إلى ترمب، يمثل الذهب الرفاهية والمكانة والسلطة. وإحدى المفارقات في هجومه على إيران والفوضى التي أعقبت ذلك أن الاستثمار في أغلى معدن في العالم أصبح الآن الملاذ الآمن لأموال الناس. ومن المتوقع أن يلامس سعر الذهب مستوى غير مسبوق قدره 6300 دولار للأونصة بحلول نهاية هذا العام، وفقاً لتحليلات بنك جي بي مورغان.
يرتفع الطلب على الذهب في ظل الاضطرابات السياسية والاقتصادية وانعدام الاستقرار - من الرسوم الجمركية والحروب والانتخابات غير المحسومة والتضخم والثورات. قال المحلل روس نيومان "تبرز الأصول الحقيقية في مثل هذه البيئة. لقد تلاشت الثقة تماماً. واختفت القواعد. ويعكس المعدن الثمين كل ذلك".
عندما ترتفع معدلات التضخم وتفقد العملات الورقية قيمتها، ترتفع أسعار الذهب لأن تسعيره مستقل عن أي عملة. فهو لا يعتمد على أداء الشركات. وبخلاف العملات الورقية، لا يمكن للحكومات طباعة الذهب. كذلك فإن كمياته المحدودة تعزز قيمته على المدى الطويل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يعد ارتفاع أسعار الذهب مصدر دعم غير متوقع للاقتصاد البريطاني. لا تزال لندن المركز الرئيس لسوق الذهب العالمي المتداول خارج البورصة. وتجري أكثر من 70 في المئة من تجارة الذهب في المملكة المتحدة، مما يجعلها أهم مركز تجاري بالجملة. وتعزز هذه الهيمنة بنية تحتية شبه خفية تتمثل في شبكة من المخازن المحصنة الموجودة تحت مدينة لندن. يخزن بنك إنجلترا وحده نحو 400 ألف سبيكة ذهب في تسع غرف تحت الأرض لمصلحة 30 دولة في مخزن بحجم 10 ملاعب كرة قدم. تحيط بالمخزن بنوك مقاصة وتفرض عليه حراسة مشددة، بينما يقوم نظام مقاصة إلكتروني بتسوية معاملات بمليارات الجنيهات، ومعالجة أكثر من 20 مليون أوقية من الذهب كل يوم، ما يعادل عشرات المليارات من الجنيهات في إجمال المبيعات.
ومن المفارقات أن العوامل نفسها التي تدفع الشركات إلى الابتعاد عن سوق الأوراق المالية في لندن - أي التقلبات وانعدام اليقين - هي التي تعزز من جاذبية الذهب. ففي فترات الاضطراب، يتدفق رأس المال بعيداً من الأسهم عائداً إلى الأصول الآمنة. لكن ما لا يعرفه كثر هو الدور الرئيس الذي يؤديه الذهب في الأمن القومي، الذي يتأثر بصورة متزايدة بالسيطرة على سلاسل التوريد الحيوية. ويقول المحللون إن الإرهابيين يستخدمون هذا المعدن الثمين في أنشطتهم.
يقول ألكسندر ييرسلي، المدير الإداري لشركة مارتيلو ريسك المحدودة، التي تحقق في المعادن المستخرجة من مناطق النزاع وسلاسل التوريد "يستخدم الإرهابيون الذهب بشكل متزايد في تمويل الهجمات التي تشنها شبكات الجريمة المنظمة العالمية بغرض غسل أموال تجارة المخدرات، كذلك يستخدمه مرتزقة ’فاغنر‘ الروس في السودان ومالي وجمهورية أفريقيا الوسطى للتهرب من العقوبات المالية والمساعدة في تمويل الحرب في أوكرانيا. والذهب ضروري أيضاً بالنسبة إلى النظام الإيراني لغسل أرباح النفط غير المشروعة والتهرب من العقوبات الاقتصادية الأميركية. وقد أدرك الغرب هذا التهديد الاستراتيجي، لكن ربما يكون قد فات الأوان لاتخاذ إجراءات فعالة".
لذا فإن الذهب هو مسألة سياسية. إذ يؤدي دوراً أساساً في حوكمة الدول ويدعم الاستقرار النقدي في أوقات الأزمات. منذ الأزمة المالية عام 2008، زادت البنوك المركزية بصورة مطردة احتياطاتها من الذهب لتكون بمثابة وسيلة حماية من الصدمات المؤسسية، مثل هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) الإرهابية وجائحة كوفيد. وقد أدى ذلك إلى احتلال الذهب مكان الدولار الأميركي كأكبر عملة احتياطية في العالم. وفي حين يركز بعض المحللين على العملات المشفرة، بلغ الطلب على الذهب وأسعاره مستويات قياسية، في حين تظهر الأصول الرقمية تقلبات كبيرة.
مرة أخرى، تؤدي المملكة المتحدة دوراً محورياً في هذا المجال. فقد أصبحت العقوبات ومكافحة تبييض الأموال والتحقق من المنشأ والحوكمة البيئية اعتبارات أمنية بقدر ما هي اعتبارات تنظيمية. ونظراً إلى تأثر الذهب بالعوامل السياسية، تعمل المصافي الرائدة كأدوات استراتيجية للسلطة الوطنية. في الشرق الأوسط، أنشأت دبي أكبر مركز لتجارة الذهب في المنطقة. ولكن مع اشتداد الحرب، تواجه تجارة الذهب في الخليج اضطرابات لا يمكن لأي لوائح تنظيمية أن تخفف من حدتها، من قبيل إغلاق المجال الجوي وتعليق خطوط الشحن وارتفاع أقساط التأمين.
على النقيض من ذلك، تعد تركيا الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك قواعد عسكرية وبنية تحتية تابعة لحلف الناتو، إضافة إلى بورصة ذهب متطورة في إسطنبول، مما يجعلها بديلاً استراتيجياً.
تعد مصفاة أهلاتجي للذهب، وهي مصفاة رائدة في تركيا، مثالاً بارزاً على ذلك. صممت هذه المصفاة لتقليل الانبعاثات، وهي تعكس كيفية تطور عملية التكرير بالتوازي مع الأولويات التنظيمية والجيوسياسية. وفي هذا الصدد، قال أحمد أهلاتجي، نائب رئيس الشركة، لـ"اندبندنت"، "لم يعد تكرير الذهب اليوم يقتصر على إنتاج سبائك الذهب النقي فحسب، بل يشمل حماية سلامة النظام المالي. في عالم تسوده العقوبات والصراعات والتمويل غير المشروع، يجب أن تعمل المصافي كمؤسسات امتثال بقدر ما تعمل كمؤسسات صناعية. لهذا السبب قمنا ببناء أنظمة تلبي المعايير المحددة في لندن بل تستبقها بصورة متزايدة".
في عصر أصبحت فيه سلاسل التوريد والبنية التحتية المالية لا تقل أهمية عن الأصول العسكرية، لم تعد مصافي الذهب مجرد منشآت صناعية. فقد أصبحت جزءاً من بنية الأمن القومي: إذ تتحكم في القيمة، وتفرض المعايير، وترسخ السيادة وسط اقتصاد عالمي يتسم بالتفكك والتقلب المتزايدين. فالذهب لا يتعفن ولا يصدأ ولا يختفي. وهو رهان آمن في عالم غير آمن.
© The Independent