ملخص
يتطرق مسلسل "المحافظة 15" للكاتبة والممثلة كارين رزق الله الذي تولى إخراجه السينمائي سمير حبشي، إلى العلاقة بين النظام السوري البعثي واللبنانيين المتعاملين معه خلال فترة الوصاية التي يسميها بعضهم "الاحتلال". ويفتح ملف تبييض الأموال السوري اللبناني المشرتك.
الانطباع الذي خرجت به بعد مشاهدتي المسلسل اللبناني الرمضاني "المحافظة 15" هو أن هذا المسلسل أخفق في فتح الملف البعثي السوري المتعدد القنوات، ولا سيما قضية الاستخبارات البعثية أو "الأسدية" وارتباطها بالساحة اللبنانية ومسألة تبييض الأموال عبر وسطاء وشركاء لبنانيين. وقد يكون عنوان المسلسل أصلاً خاطئاً وغير موضوعي، تاريخياً وجيو – سياسياً ، فهذه المقولة أطلقها النظام البعثي وسواه جزافاً، في حال من التحامل على لبنان واللبنانيين.
يبدو أن كاتبة القصة والسيناريو والحوار الممثلة كارين رزق الله اتكأت في الكتابة على "النية" الطيبة في فضح الفساد اللبناني والفاسدين المتعاملين مع البعث، وفي الدفاع عن السجناء اللبنانيين (والسوريين) الذين زجهم النظام القاسي في سجونه، بل حتى عن الشعب السوري المقهور الذي نزح وتهجر خلال الثورة السورية (العائلة السورية في المسلسل). لكن "النية " الطيبة لا تكفي البتة أمام نظام استخباراتي ديكتاتوري، ذكي وخبيث، يتقن فن نسج المكائد والمؤامرات والانقلابات، ببراعة تامة، وارتكاب المجازر والتنصل منها، حتى ليمكن وصفه بـ"الآلة الجهنمية" machine infernale. بل إن رزق الله بدت بريئة جداً ومتساهلة في معالجة هذا الملف الخطر، وغدت كأنها لا تعلم ما معنى تبييض الأموال، خصوصاً على الطريقة البعثية، و"التقنيات" الشريرة التي يجيدها النظام الراحل في مثل هذا الحقل السري الذي يعتد به ويحيطه بالألغاز والأحاجي.
اللعبة الخطرة
اللعبة القذرة والخطرة هذه لا يمكن التعامل معها درامياً وكأنها قصة أب وابنة وأفراد آخرين يقومون بـ"نزهة" إلى عالم البعث السوري، فيصبحون عملاء وأثرياء ثم تصبح الابنة نائبة في البرلمان اللبناني في ظل الاحتلال أو الوصاية. لا أدري إن كان النظام السوري ساذجاً في قضية التبييض حتى يصر على إيكال المهمة إلى فتاة لبنانية جامعية في الـ20 من عمرها، تدعى منية (ناديا شربل) بعدما رحل والدها المتعامل السابق والنائب في البرلمان، فورثته رغماً عنها، وهُددت مثلما هدد والدها بخطف زوجته أو أمها وتعذيبها وربما اغتصابها.
لا أدري إن كان النظام البعثي الماهر والخبير والضليع في التبييض، ليلجأ حقاً إلى طالبة تشارك أصلاً في التظاهرات ضد الاحتلال السوري، مع حبيبها الطالب الجامعي فؤاد (بيو شيحان)، بينما مثل هذا الفعل الخطر يحتاج إلى مصرفيين وتجار وعملاء، أصحاب خبرة وتمرس. و"المزحة" الكبيرة تتمثل في طريقة قتل النظام البعثي الحبيب الشاب، فانتظره المنفذون حتى يغطس في البحر فيقتلونه هناك، فإذا به يفر فيعتقلونه ويسوقونه إلى الزنزانة البعثية، فيمكث فيها 28 عاماً ولا يخرج إلا بعد سقوط نظام الأسد. ليس هكذا يغتال رجال البعث، وليس هكذا يقتلون أو يرتكبون المجازر، إنهم أشد قسوة وبطشاً وسحقاً، ولا يحتاجون إلى معلومة عن وقت الغطس من منية الطالبة الحبيبة التي اضطرت إلى تسليم فؤاد الحبيب، بعدما خيّروها بين قتل أمها او قتل الحبيب.
إنهم يملكون أساليب جهنمية في حقل الإغتيالات. وجدت هذه الفتاة الطيبة نفسها وكأنّ شبح يهوذا الإسخريوطي ألقي عليها، فعاشت عقدة الذنب حتى بعدما أصبحت نائبة وثرية وذات سلطة ومحاطة بالحراس أو "البودي غارد" كما لو أنها رئيسة عصابة.
أخفت كارين رزق الله سر ملاحقة البعثيين للشاب فؤاد حتى الحلقات الأخيرة، وحسناً فعلت، فزادت من جو التشويق، لكنّ الحجة بدت واهية بعد الأعوام الطويلة التي قضاها فؤاد في السجن، عقاباً له على حصوله على وثائق تركها والد منية، تضم "سي دي" وأوراقاً تدين فريق النظام. والاستخبارات السورية أذكى من أن تعاقب شاباً مثل هذا العقاب وترميه في السجن مجاناً وبلا منفعة، فهي كانت لتروضه وتخضعه لمصلحتها وتهدده وتجعله شريك منية. وكان أي تدخل استخباراتي أو أية وساطة من عملاء النظام يكفل تحرير فؤاد الذي لم يرتكب جريمة عظيمة، وإخراجه من السجن، فالنظام البعثي كان يعرف ما يسمى "الليونة" الديكتاتورية.
السجناء اللبنانيون
قد يؤخذ على كاتبة القصة كارين رزق الله تجاهلها قضية السجناء اللبنانيين في الزنزانات السورية، وهي كانت، ولا تزال، تشغل اللبنانيين جميعاً والسياسيين والدولة والأهم الاهالي، من أمهات وآباء وشقيقات وزوجات وأطفال. ليت رزق الله تطرقت إلى قضية المخطوفين وأهاليهم ومآسيهم الرهيبة، فعمدت إلى توظيف مشاهد من التجمع المفتوح الذي أقاموه في ساحة رياض الصلح، وكانت لتضيف إلى المسلسل، جانباً توثيقياً، يغنيه ويربطه بالواقع أكثر، ويقلل من الفراغ و"المط" اللذين أصاباه، خصوصاً عبر حضور عائلة فؤاد (الخالات وبنات الخالات) التي بدت كأنها ملصوقة لصقاً، لا دور أساسياً لها ولا ركيزة درامية. وقد تكون ابنة الخالة، الصحافية نغم (نور غندور) هي أهم من في العائلة تبعاً للدور المحوري الذي أدته.
فكرة المسلسل مهمة جداً وفريدة في تناولها السجن السوري الذي فُضح بعد سقوط البعث، والسجين اللبناني الذي يمثل نموذجاً عن آلاف السجناء اللبنانيين الضحايا الذين مات كثرٌ منهم تحت التعذيب والتجويع والمرض. فؤاد الذي برع الممثل يورغو شلهوب في أداء دوره، هو من الذين خرجوا أحياء من الجحيم البعثي، مثله مثل صديقه السوري خالد (الممثل السوري حسن خليل)، وقد شاءت المصادفة أن يلتقيا في لبنان، بعدما قصده خالد بحثاً عن عائلته النازحة بل الهاربة من الجحيم. ولقاؤهما سيكون الخيط الدرامي الذي يجمع بين العائلتين وتُنسج عبره قصتا حب سورية- لبنانية تنتهي إحداها بصفتها وعداً قد يتحقق في كندا وتخيب الثانية تمام الخيبة.
السجين المحطم
لم يخرج السجينان، فؤاد وخالد من الزنزانة مشوهين جسدياً أو بلا أسنان أو ناقصي الأعضاء، بل سلما من هذه الكارثة، وبدا فؤاد محطماً، ضائعاً، فاقداً بوصلة الحياة الخارجية، وأدى دوره ببراعة الممثل يورغو شلهوب، مجسداً حركة تناميه الداخلية والتعبيرية، ونهوضه من حضيضه النفسي نحو استعادة إنسانيته المفتقدة طوال 28 عاماً. رسم شلهوب باحترافية عالية ملامح هذه الشخصية وعاش تحولاتها الداخلية منتقلاً من حال الإحباط والاستلاب والانهيار إلى حال من التعافي، البطيء وغير البطيء بحسب النص والسيناريو. وعاش أيضاً بعمق الصراع بينه وبين حبيبته منية (كارين رزق الله) التي أصبحت نائبة فاسدة ومتعاملة مع البعث، خلال أعوام أسره، لكنها لم تنسَه وظل جرحاً في قلبها.
هذا الصراع عاشاه، بين اضطراب وانفعال وحب، واضطرا في أحيان إلى الصراخ ورفع الصوت وكان ممكناً تفادي المبالغة في التوتر الصاخب. وقد انتهى فؤاد في ما يشبه رمز البطل التراجيدي بعدما جرى اغتياله بالخطأ بدلاً من منية، ففداها بموته وفدى حبهما القديم.
وفي المقابل نجح فؤاد الطالب (بيو شيحان) ومنية الطالبة العشرينية (ناديا شربل) في نسج علاقتهما ما قبل الأسر، وكان فؤاد هو البريء إزاء منية المتورطة مع السوريين بعد وفاة والدها وتعذيب أمها. وواجهت منية الكبيرة منية الشابة، في علاقة متوترة حيناً وهادئة حيناً، فبدت منية الكبيرة تستعيدها في لحظات الحنين وفي لحظات من الهذيان شبه المرضي غير المبرر هنا، فالهذيان deilireحال مرضية نفسية معقدة.
بدا فريق التمثيل جيداً ولمع فيه الممثل القدير نزيه يوسف ابن المسرح، وقد جسد دوراً حقيقياً ومركباً هو دور يوسف مساعد منية منذ سنوات الشباب ومساعد والدها النائب قبلها، ونجح في إبراز أزمته الداخلية التي كان يعيشها عبر حبه القوي والصامت لمنية وقمع هذا الحب برقة وقسوة. وطبعاً برز الممثل والأستاذ الجامعي ميشال حوراني في دور طلال، زوج منية المتواطئ معها في تبييض الأموال والفساد. تزوجته من غير حب بعد خطف فؤاد، تواطأت معه، ولما عاد فؤاد من المعتقل سعت إلى الطلاق منه والتخلص من زواج المصلحة. وقد قتل طلال في لبنان على يد عملاء النظام البعثي الذي تهاوى في سوريا وفر كل مجرميه، لكنهم بقوا قادرين في لبنان، بحسب ما شاءت كاتبة النص.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكان ممكناً جداً تأجيل قتله، وتوسيع دوره فهو يمثل خيطاً يقود إلى مزيد من التشويق. وبرزت أيضاً الممثلة نور غندور في دور الصحافية نغم، ابنة خالة فؤاد، وبدت قديرة فعلاً، تملك خامة حقيقية، وتلم بأسرار الأداء، وعيش اللحظات الحاسمة، الخارجية والداخلية، برهافة. إنها الصحافية والعاشقة في آن واحد، تعيش مع الأسير السوري المتحرر خالد (حسن خليل) قصة حب مأزوم ينتهي بالانفصال والأمل في وقت واحد. وهناك أيضاً الممثلة فيفيان أنطونيوس وعدنان أبو الشامات وسوناتا سكاف وسواهم.
ختاماً لا بد من توجيه تحية إلى المخرج السينمائي سمير حبشي الذي صاغ المسلسل إخراجياً بعينه السينمائية ومشهدياته الجميلة وكادراته التي يجمع فيها بين الممثلين وتفاصيل الكاميرا والإيقاع المتماسك على رغم التكرار في السيناريو. ويمنح حبشي الصيغة الدرامية بعداً سينمائياً ومناخاً يتخطى مفهوم الإخراج التلفزيوني، وغالباً ما يرتقي عمله على المادة الدارمية، إلى مصاف الإبداع البصري والتعبيري.