ملخص
بعد يوم من موافقة كير ستارمر على استخدام أميركا لقواعد المملكة المتحدة في ضرب مواقع الصواريخ الإيرانية، وجهت طهران صاروخين باليستيين إلى قاعدة "دييغو غارسيا" في المحيط الهندي. صحيح أن المحاولة فشلت، ولكن أصداءها ترددت عالياً في أروقة لندن السياسية، وجددت الأسئلة حول الحضور العسكري البريطاني في الخارج.
بات يُعرف عن رئيس الوزراء كير ستارمر التراجع عن قرارته كلما اصطدمت بمعارضة شعبية أو حزبية أو خارجية في بعض الأحيان، وقع الأمر في قضايا عديدة لكن آخرها وُصف من قبل وسائل إعلام محلية بـ"أم التراجعات"، بعدما سمح ستارمر للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية البريطانية داخل الشرق الأوسط ومحيطه، في الهجوم على إيران، متخلياً بذلك عن رفضه الانخراط في المعركة، والاكتفاء بلعب دور الدفاع عن رعايا المملكة المتحدة وحلفائها في المنطقة الذي تمارسه لندن منذ بداية الحرب.
كيف تغير موقف بريطانيا منذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؟ أولاً امتنعت المملكة المتحدة عن منح الولايات المتحدة الإذن باستخدام قواعدها العسكرية لدعم الهجوم على إيران ورفضت المشاركة في الحرب، ثم مطلع مارس (آذار) الجاري أذن ستارمر بشن ضربات ضد الصواريخ الإيرانية من قاعدتي "فيرفورد" في غلوسترشاير، و"دييغو غارسيا" في المحيط الهندي، وفي الـ20 من الشهر ذاته سمح للقوات الأميركية باستخدام القواعد البريطانية لمهاجمة مواقع إيرانية تستهدف مضيق هرمز.
جاء القرار الأخير بعد وصف ترمب لحلفاء الناتو بـ"الجبناء" لعدم بذلهم مزيداً من الجهد للمساعدة في فتح قناة الملاحة الحيوية، وحذرت إيران المملكة المتحدة من أن السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها سيعد "مشاركة في العدوان".
أول أمس الجمعة أعلنت الحكومة موافقتها على استخدام القوات الأميركية للقواعد البريطانية من أجل "تقويض مواقع الصواريخ الإيرانية"، بينما يفرض نظام طهران حصاراً فعلياً على طريق ناقلات النفط الغربية عبر مضيق هرمز. تبرر لندن القرار بمنطق أن الهجوم هو صورة من صور الدفاع أحياناً، ولكن لا تبدو وجهة نظرها مقنعة كثيراً بالنسبة إلى أطراف عدة في الداخل، كما أنها أثارت سخط إيران وانتقامها.
قبل ساعات من القرار تواصل وزير خارجية إيران عباس عراقجي مع نظيرته البريطانية إيفيت كوبر، وحذرها من أن بلاده ستعد الخطوة "عدواناً" عليها، وعندما لم يجد تحذيره آذاناً صاغية استهدفت طهران بصاروخين باليستيين قاعدة المملكة المتحدة "دييغو غارسيا" وسط المحيط الهندي، أحد الصاروخين أسقطته سفينة حربية أميركية والآخر تعطل.
تعليقاً على استهداف "دييغو غارسيا" قالت وزارة الدفاع البريطانية "إن الهجمات المتهورة التي تشنها إيران في جميع أنحاء المنطقة، واحتجازها لمضيق هرمز، يشكل تهديداً للمصالح البريطانية وحلفائها"، والسؤال الآن هو إن كانت المملكة المتحدة ستزيد من تدخلها في الحرب أم لا، بعد محاولة النظام في طهران إظهار أن إيران تملك من الصواريخ ما يهدد أبعد من القواعد العسكرية البريطانية في الشرق الأوسط؟
نقلت هيئة الإذاعة البريطانية أنه لا يوجد تقييم يدعم ما يقال عن أن إيران تخطط لضرب عواصم أوروبية أو أنها تمتلك القدرة على ذلك، ولكن قاعدة "دييغو غارسيا" تقع على بعد نحو 3800 كم عن إيران، والمسافة بين طهران والعاصمة الإيطالية روما أقل من ذلك.
تعد "دييغو غارسيا" إحدى أهم القواعد العسكرية لبريطانيا في الخارج، تمنحها وأميركا القدرة على إعادة الانتشار في حالات الطوارئ، ومرونة في دعم العمليات العسكرية بمنطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرق أفريقيا. تقوم القاعدة على معظم المساحة التي تحمل اسمها فتمتد على 44 كم2 من إجمال 60 كم2.
وتحوي القاعدة على مدرج يزيد طوله على 3600 متراً يسمح بهبوط طائرات (ب2) و(ب52) الضخمة، ويمكن أن تقلع منه 19 طائرة دفعة واحدة. وتضم القاعدة ميناء يمكن أن ترسو فيه حاملات طائرات، وفيه ومرافق دعم للسفن الحربية، ومركز اتصالات، ومخازن لقنابل مختلفة من بينها تلك الخارقة للتحصينات.
توصلت بريطانيا وجزر موريشيوس إلى اتفاق خلال مايو (أيار) 2025 يقضي بتسليم بورت لويس أرخبيل تشاغوس الذي تنتمي إليه "دييغو غارسيا"، مع الاحتفاظ بالقاعدة العسكرية لمدة 99 عاماً مقابل 140 مليون دولار سنوياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لم تلحق الضربة الإيرانية ضرراً بالقاعدة العسكرية، لكن أصداءها ترددت عالياً في أروقة السياسة البريطانية، فتعالت الأصوات التي تلوم ستارمر وحكومته على قرار الأمس، وتطالب بعدم التورط في الهجوم الأميركي – الإسرائيلي على إيران، أحزاب اليسار ممثلة بالخضر و"الليبراليين الديمقراطيين" يشددون على ضرورة الحياد، بينما يريد زعيم "حزبكم" الجديد النائب جيرمي كوربين أن يكون قرار السماح للولايات المتحدة أو غيرها باستخدام قواعد المملكة المتحدة العسكرية بيد البرلمان وحده.
صحيح أن حكومة "العمال" تملك أكثرية مطلقة في البرلمان، لكن فئة واسعة من نواب الحزب الحاكم يرفضون الانخراط في حرب إيران، ويفرض الموقف الشعبي المناهض للحرب بأكثرية واضحة، وفق استطلاع نشرته شركة "يوغوف" مطلع الشهر الجاري، على ستارمر ووزرائه توخي الحذر في التعامل مع الخطط الأميركية في إدارة ذلك الصراع الذي يهدد حياة 300 ألف بريطاني في الشرق الأوسط، ويحرج المملكة المتحدة أمام حلفائها، وبخاصة الذين يستضيفون قواعد عسكرية وقوات بريطانية.
تقول "يوغوف" إن نحو نصف البريطانيين يرفضون الحرب، أما في ما يخص تعامل ستارمر معها فيشير استطلاع للمؤسسة ذاتها قبل أربعة أيام إلى أن 41 في المئة من الناخبين يعتقدون أن الحكومة لم تحسن إدارة الأزمة بينما يثني 37 في المئة على موقفها. وبينما ينقسم الموقف الداخلي إزاء الذي يجب أن تلعبه لندن في الحرب الراهنة، يُثار سؤال حول مستقبل الحضور العسكري البريطاني في الخارج بعد انتهاء الحرب.
كثيراً ما كان للقوات البريطانية وجود في الشرق الأوسط، حيث تستضيف البحرين منشأة الدعم البحري للمملكة المتحدة التي ترفد "عملية كيبيون"، وهي مهمة الأمن طويلة الأمد في الخليج العربي والمحيط الهندي، وتعود جذورها إلى أيام الحرب الإيرانية - العراقية خلال ثمانينيات القرن الماضي. وكانت العملية وأفرادها البالغ عددهم 300 فرد قريبين جداً من موقع الضربة الصاروخية الإيرانية التي استهدفت مقر الأسطول الخامس الأميركي، خلال أول أيام الحرب الراهنة على إيران منذ الـ28 من فبراير (شباط) الماضي.
تقول الصحافة البريطانية إن "كيبيون" عُلقت فعلياً الآن وسحبت البحرية الملكية سفينتيها من الخليج، إذ أخرجت الفرقاطة "لانكستر" من الخدمة خلال ديسمبر (كانون الأول) 2025، ثم غادرت كاسحة الألغام "ميدلتون" الخليج قبل أسبوع من بدء الغارات الجوية الأميركية الإسرائيلية على إيران نهاية فبراير الماضي.
لدى سلاح الجو الملكي سرب مشترك مع القوات الجوية القطرية، هو السرب 12 الذي أسقطت إحدى مقاتلاته الـ"تايفون" 12 مسيرة إيرانية استهدفت قطر مطلع مارس الجاري. كذلك تتمتع عمان بعلاقات دفاعية طويلة الأمد مع المملكة المتحدة تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، وقد طُوِّر ميناء الدقم ليصبح مركزاً لوجيستياً وقاعدة بحرية مشتركة للبلدين.
في العراق تقول وزارة الدفاع البريطانية إن 200 فرد من قواتها المسلحة ينتشرون لتدريب ودعم قوات الأمن العراقية والكردية ولا يقومون بأي دور قتالي، أما الكويت فستخدم بريطانيا فيها قاعدة علي السالم الجوية، وفي قطر قاعدة العُديد الجوية، وفي الإمارات تعمل القوات الجوية الملكية من قاعدة المنهاد الجوية التي أُعلن عنها في 2024 باعتبارها منشأة عسكرية بريطانية، بالإضافة إلى تواجد عسكري في الأردن.
في الشرق الأوسط شاركت البحرية الملكية أيضاً في عملية "حارس الرخاء" التي تقودها الولايات المتحدة لحماية السفن التجارية في البحر الأحمر من صواريخ ومسيرات الحوثيين. كذلك لدى بريطانيا قاعدتان عسكريتان في قبرص أكروتيري وديكيليا، وفي الأخيرة محطة تجسس ورصد توفر المملكة المتحدة من خلالها معلومات كثيرة لحلفائها في مجموعة "العيون الخمس"، وهي أميركا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا.
القاعدتان اللتان تحتفظ بهما لندن منذ أن كانت قبرص من أقاليم وراء البحرية البريطانية، أصبحتا مصدر قلق للأوروبيين منذ بداية الحرب، وخاصة بعدما تعرضت "أكروتيري" مطلع مارس الجاري إلى هجوم بمسيرة إيرانية وطالتها أضرار طفيفة. لم يتأكد بعد مصدر الطائرة جغرافيا، لكن المملكة المتحدة أرسلت المدمرة "إتش إم إس دراغون" إلى المتوسط لحماية القاعدة كجزء من جهود دفاعية أوسع في المنطقة عموما.
حينها قال رئيس قبرص نيكوس خريستودوليدس، إن مستقبل القواعد البريطانية في الجزيرة سيبحث بعد انحسار الأزمة في الشرق الأوسط وكل الخيارات مطروحة على الطاولة، واليوم بعد الهجوم على "دييغو غارسيا" في المحيط الهندي، أجرى خريستودوليدس مكالمة مطولة مع كير ستارمر الذي أكد له أن المملكة المتحدة لن تستخدم قواعدها في الجزيرة المتوسطية لشن عمليات عسكرية هجومية في إيران.