Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإسلاموفوبيا في بريطانيا... جدل التعريف والسياسة

مائدة إفطار تتحول إلى سجال في البرلمان و"مزحة عن البرقع" تضع نائبة في مرمى الانتقادات

مسلمون من بينهم عمدة لندن صادق خان، يصلون في ميدان الحرية خلال إفطار مفتوح وسط لندن (غيتي) 

ملخص

يتعرض تعريف جديد للإسلاموفوبيا تبنته الحكومة البريطانية أخيراً إلى انتقادات حقوقية، لكن بعض ممارسات اليمين تعزز أهمية توضيح معاداة المسلمين في البلاد، وتطلق تحذيرات من انقسام قد يحدث جراء سجالات سياسية ومجتمعية حول قضايا ترتبط بالجالية.

أثار تعريف جديد للإسلاموفوبيا في بريطانيا، تحفظات حقوقية وقانونية تقول إنه "قد يحد من حرية التعبير" لأنه ينطوي على صيغ فضفاضة تجعل من الصعب حصر تلك الممارسات التي تصنف على سبيل العداء للمسلمين، وأيضاً يمكن أن تفسر المصطلحات على نحو يقيد آراء ومواقف العلمانيين والملحدين وغيرهم، وفق اتحاد "حرية التعبير".

وأعلنت الحكومة عن التعريف الجديد قبل أكثر من أسبوع، وقالت إن "صياغة تعريف لمعاداة المسلمين لا يمنح امتيازات خاصة أو معاملة تفضيلية لهم أو يحمي الدين الإسلامي، بل يحمي الناس من سلوك عدائي يسعى إلى الترهيب والتفرقة، فيعبر عن التمسك بمبدأ أن يتوقع الجميع ويتمتعوا بالمساواة في الكرامة والعدالة والأمن وتكافؤ الفرص".

ينص التعريف الجديد على أن "معاداة المسلمين تعني الانخراط عمداً أو المساعدة أو التشجيع، على أعمال إجرامية موجهة ضد المسلمين بسبب دينهم، أو ضد من يُعتقد أنهم مسلمون، بما في ذلك الحالات التي يستند فيها الاعتقاد إلى افتراضات حول الأصل العرقي أو العنصري أو المظهر، وتشمل هذه الأعمال العنف أو التخريب أو المضايقة أو الترهيب، سواء كانت جسدية أو لفظية أو مكتوبة أو عبر وسائل الاتصال الإلكترونية".

وينطوي تحت جرائم التعريف أيضاً، الصور النمطية المتحيزة ضد المسلمين، أو الأشخاص الذين يُعتقد بأنهم مسلمون، بما في ذلك التي تتعلق بخلفياتهم العرقية أو العنصرية أو مظهرهم، ومعاملتهم كمجموعة جماعية تُعرَّف بخصائص ثابتة وسلبية، بهدف تشجيع الكراهية ضدهم، بغض النظر عن آرائهم أو معتقداتهم أو أفعالهم الحقيقية كأفراد".

ويبين التعريف الجديد للإسلاموفوبيا أن "التورط في التمييز غير القانوني ضد المسلمين يقع عندما يكون الهدف من السلوك المعني، بما يتضمن إطلاق أو تبني ممارسات وتحيزات داخل المؤسسات، هو الإضرار بالمسلمين في الحياة العامة والاقتصادية".

وقالت منظمة "فري سوسايتي يونيون" إن "التعريف الجديد يهدد المعتقدات الفلسفية لغير المتدينين كالتي يتبناها ريتشارد دوكينز، وأيضاً يمكن أن يكون له تأثير مثبط لقدرة النساء على التعبير عن جوانب سلبية مثل "جرائم الشرف"، كذلك سيضر بالأفراد والمنظمات التي تعمل على لفت الانتباه لممارسات مثل "الختان" و"الاستغلال الجنسي".

اتحاد "حرية التعبير" يقول أيضاً إن "السيخ قد يتأثرون بالتعريف الجديد للإسلاموفوبيا بسبب ممارسات كالاحتفال بذكرى استشهاد "غورو تيغ باهادور"، الذي دافع عن العقيدة الهندوسية في مواجهة المسلمين، فمجرد سرد هذه الواقعة التاريخية قد يُعتبر شكلاً من أشكال معاداة المسلمين، وبخاصة إذا تسبب على سبيل المثال، في شعور شخص مسلم بعدم الأمان أو عدم الحماية في مكان العمل أو أثناء الحصول على الخدمات العامة".

الاتحاد أيضاً حذر من أن التعريف الجديد "سيجر الشرطة والسلطات المختصة الأخرى إلى الحقل ذاته المليء بالألغام الذي واجهته الدولة في تسجيل وتتبع جرائم الكراهية غير الجنائية، فتصنف تعليقات على أنها معاداة للمسلمين بينما هي تعبير مشروع عن حرية التعبير، وهذا يقود في نهاية المطاف إلى تأثير مثبط خطير على النقاش العام".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رفضت الحكومة الادعاءات بأن التعريف الجديد للإسلاموفوبيا سيقيد حرية التعبير، وقال ستيف ريد، وزير الشؤون الاجتماعية، إن اللائحة التنفيذية أو الإرشادية للتعريف تبين الفارق بين معاداة المسلمين وحق التعبير المصان بالقانون والدستور".

تقول الإرشادات إن "من المهم ضمان حق كل شخص في المملكة المتحدة في ممارسة حرية التعبير في إطار القانون"، ومن أمثلة أشكال التعبير المحمية وفق الإرشادات، انتقاد أي دين أو معتقد وإجراء تحليلات نقدية لتطوره التاريخي، السخرية من أي دين أو معتقد وتصويره بطريقة قد يراها بعض أتباعه غير محترمة أو فاضحة، انتقاد أنظمة المعتقدات أو ممارسات أتباع دين معين، إثارة القلق بشأن المصلحة العامة، وأخيراً المساهمة في النقاشات التي تخدم المصلحة العامة بما في ذلك النقاشات الأكاديمية والسياسية.

والخشية على حرية التعبير تقابلها مخاوف حقيقية لدى فئات مختلفة من المجتمع البريطاني إزاء تصاعد الخطاب المعادي للمسلمين والمهاجرين عموماً. والعداء الذي يبثه هذا الخطاب لا ينعكس فقط في جرائم الكراهية الموجهة للجالية، والتي صعدت بنسبة 19 في المئة خلال العام الماضي، وإنما أيضاً في المواقف والتصريحات السياسية.

قبل بضعة أيام استضافت العاصمة البريطانية لندن مائدة إفطار جمعت آلاف المسلمين في ساحة الحرية (الطرف الأغر)، على رأس الحضور كان عمدة المدينة العمالي المسلم، صادق خان، وقد قال إن هذه المائدة الرمضانية التي تعتبر الأكبر في الغرب، ترد على "قوى التفرقة والجهل التي تظن أن الترهيب والتخويف سيجعلاننا أقل إسلاماً".

الإفطار الرمضاني تحول إلى سجال سياسي تحت قبة البرلمان البريطاني، عندما انتقد رئيس الوزراء كير ستارمر خلال المساءلة البرلمانية الأسبوعية يوم الأربعاء الماضي، منشوراً على منصة "إكس" لوزير العدل في حكومة الظل المحافظة نيك تيموثي، قال فيه "إن الصلاة الجماعية في مكان عام هي شكل من أشكال الهيمنة والانقسام".

ستارمر وصف التغريدة بـ"التصريحات البغيضة"، وطالب زعيمة المعارضة كيمي بادينوك بإقالة وزيرها، كذلك فعلت النائبة العمالية آنا تورلي، بينما تساءل عمدة لندن عن سبب الهجوم على إفطار المسلمين و"قد احتضنت الساحة وغيرها من الأماكن العامة سابقاً، فعاليات دينية للهندوس والسيخ والمسيحيين لم تثر حفيظة حزب المحافظين".   

المائدة الرمضانية حضرها أشخاص ينتمون إلى أديان مختلفة، ولكن ذلك لم يمنع بادينوك من دعم موقف وزيرها، والقول إن "ما نقله تيموثي من صور عن الفعالية لم يعجبها أيضاً"، كذلك دخل على خط الأزمة زعيم حزب "ريفورم" الشعبوي النائب نايجل فاراج، وصرح بأن "الحدث أظهر أشخاصاً يحاولون السيطرة على العاصمة".

 

هي ليست المرة الأولى التي يحاول فيها "ريفورم" تصوير حضور المسلمين في العاصمة على سبيل الهيمنة، وقد سمعنا تصريحات مشابهة لما قاله فاراج من نواب وأعضاء عديدين للحزب في مناسبات مختلفة خلال الأعوام القليلة الماضية.

وينفي "ريفورم" أية خصومة مع المسلمين، كذلك تجد بين صفوفه شخصيات قيادية من أبناء الجالية يتبنون انتقاداته لها، فتجد مرشحة الحزب لانتخابات عمدة لندن ليلى كانينغهام، تقول إنها "تريد وقف الهجرة إلى المملكة المتحدة تماماً، وهي تنتمي إلى المجتمع البريطاني وليس للجالية، كذلك تعتقد بأن المسلمين الذي يأتون إلى البلاد ويؤذونها يجب أن يمنعوا من العيش فيها، فهؤلاء يجلبون العار للجالية، كذلك ترى أن البرقع لا يمثل فرضاً دينياً، وهي تؤيد تفتيش النساء اللواتي يرتدينه حرصاً وحفاظاً على الأمن".

والبرقع ساحة سجال سياسي أيضاً في بريطانيا، فحزب "ريفورم" لا يؤيده، ولا يوفر قادته فرصة لانتقاده في كل مناسبة. آخر الجولات كانت يوم الخميس الماضي عندما أطلقت النائبة سارة بوتشين "مزحة" بشأن البرقع خلال حفل إطلاق حملة انتخابية للحزب في إسكتلندا، مما وضعها في مرمى انتقادات أحزاب اليسار وإعلامه. 

بعيد انتهاء الحفل مازحت النائبة بوتشين من حولها بالقول "إنها كانت ترغب في الظهور مرتدية برقعاً من قماش التارتان يحمل شعار الحزب، ولكن لم يُسمح لها". واستطردت "في يوم من الأيام سننظم واحدة من تلك الفعاليات التي لا تُبث مباشرة، وسوف نقوم بكل الأشياء المشاغبة ونبوح بما لا نستطيع الحديث عنه أمام الكاميرات".

مثل هذه الممارسات الصادرة عن ساسة اليمين وناشطيه، تستدعي من وجهة نظر مراقبين إعادة تعريف الإسلاموفوبيا في البلاد، لكن محددات التعريف الجديد لن تتأكد جدواها إلا بعد تطبيق معايير معاداة المسلمين التي حملتها المفردات في طياتها، هنا سيكون الاختبار الحقيقي ليس فقط للحكومة وإنما للمجتمع البريطاني بكل مكوناته.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير