Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رواية "زمن سعاد" تستدعي انتحار "السندريلا"

خالد منتصر يقارب الرحيل الغامض في مجتمع يحفل بالصراع والتناقض

سعاد حسني (مواقع التواصل)

ملخص

صدرت حديثاً رواية "زمن سعاد" للكاتب خالد منتصر، وفيها يسعى إلى استعادة حياة السندريلا "سعاد حسني" درامياً في دائرة علاقاتها الإنسانية. ويتخذ من رحيلها الغامض مظلة قاتمة لإبراز انطفاءات متعددة، تخص أكثر من سعاد أخرى، وأكثر من روح معذبة، في مجتمع تتجه شمسه نحو الأفول.

يجد قارئ رواية "زمن سعاد" للكاتب المصري خالد منتصر نفسه مباشرة أمام سؤال لا مفر منه: هل يمكن للنص الأدبي أن يكون صندوق أفكار حادة معدة سلفاً للسجال حولها، أم أنه بالضرورة يجب أن ينهض في جوهره على أبنية متنامية وجماليات وامضة وتخييلات وعناصر فنية ممتعة ومقنعة، تكتفي بذاتها إبداعياً في فضاء الدهشة؟ وهل يجد العمل الأدبي جرأته المنشودة، وتحرره الذي لا غنى عنه، في انفلات ذهني يعود لما يقوله العمل ويدعو إليه خطابياً وسردياً وحوارياً، أم في ما يحققه العمل فعلياً على صفحاته، بتمرده النابع من أبجديات اللحظات المباغتة، والرؤى والمشاهد والصيغ المتجاوزة، والمعالجات المبتكرة، التي تضيف في مجملها إلى رصيد النوع الأدبي؟

مجموعة من الشخصيات المتناقضة، المحملة بأنفاس المؤلف والمحكومة بإرادته، ممن على صلة بالشخصية المحورية  سعاد حسني، يتبادلون سرد فصول الرواية القائمة على تقنية تعدد الأصوات. ومن خلال اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم ووجهات نظرهم، وتعقد العلاقات وتشابكها بينهم على مدار سنوات، يتشكل الصراع الدائر، ويتكشف الهدف من وراء العنوان الدال "زمن سعاد". فهو ببساطة ذلك الزمن، الذي كان يحمل للفرد وللمجتمع على السواء، آمالاً وطموحات وحيوية وحرية واستقلالاً وعشقاً وجمالاً وشعارات كبرى في أعقاب ثورة يوليو 1952، الذي اضمحلت آخر نجومه البارقة باكتئاب السندريلا وانتحارها في لندن في الـ21 من يونيو 2001، في ذكرى ميلاد عبدالحليم حافظ (الـ21 من يونيو 1929)، نصفها الثاني الذي اقرنت به في زواج سري، بحسب الرواية.

تفسح تلك الآلية المجال واسعاً لإدارة المشهد الصراعي من زوايا متنوعة، خصوصاً مع اعتماد الترميز في انتقاء الشخصيات الروائية، وفي تشكيل لغة السرد والحوار والمونولوج الداخلي. وعلى رغم توفر هذه الأرضية الثرية، تكتفي الرواية، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة في 231 صفحة، بالاختيارات الاستقطابية الموجهة. تأتي الشخصيات قليلة ومعيارية إلى حد كبير، أي خاضعة للنسق الموصوف من دون غوص تشريحي وفروق تحليلية، فضلاً عن عدم انفصالها عن تصورات المؤلف نفسه عن طبائع هذه الشخصيات المنمذجة، مثلما يرصدها من خارجها في كثير من مقالاته الفكرية والصحافية، مما يقود الدفة صوب الإعمال الفكري على حساب مرونة التدفق السردي.

مبارزات صدامية

ومما يزيد وضوح هذه الرغبة في اعتماد مبارزات الأبيض والأسود الصدامية، وإهمال الرماديات والتدرجات بين اللونين المتباعدين، هذا الاختزال لصورة المجتمع الكلية الحقيقية العريضة في فئات محدودة ضيقة للغاية من النخب السياسية والثقافية والفنية الأقرب إلى المثالية بتصوير الرواية وتصورات المؤلف، في مواجهة عنيفة مع طواغيت التسلط والقمع والطيور الظلامية وقوى التطرف والإرهاب التي لا يرجى من ورائها نفع أو خير، حتى وإن كان المتخاصمان ينتميان إلى أسرة واحدة، ويعيشان في بيت واحد.

عنوان الفريق الأول (التنويري التحرري)، باختزال أكثر، هي سعاد حسني، خصوصاً بمنظور ظهورها في فيلم "خلي بالك من زوزو" الذي كتبه صديقها صلاح جاهين، الذي سبقها إلى الاكتئاب وقتل الذات ببطء. وعنوان الفريق الثاني (المتعصب المتزمت) هو "عمران" في الفيلم نفسه (الفنان محيي إسماعيل)، صاحب المقولة الشهيرة "جمعاء"، عندما انبرى يهاجم وجود طالبة تمتهن الرقص ضمن المنظومة الجامعية الملتزمة.

وهكذا، تصنع الرواية شخصياتها الأيقونية، بل المفرطة في أيقونيتها، مختصرة المجتمع العريض إلى هامشين: هامش طليعي تنويري علماني ناقد، يتسع للمعارضين السياسيين، خصوصاً اليساريين والشيوعيين، واللادينيين والبهائيين، والمبدعين والفنانين المتحررين من أي تابوهات دينية ومجتمعية، وهامش مضاد من السلطويين والمقربين من النظام (وهم يشكلون الخطر القابل للمراجعة والإصلاح بعض الشيء، خصوصاً في العهد الناصري)، ومن المتطرفين وتجار الدين وخفافيش الظلام المتملقين أيضاً للنظام (وهم يمثلون الخطر المطلق الذي لا براء منه، خصوصاً في عهدي السادات ومبارك).

سجالات مختصرة

 

أقرب شخصيات الرواية إلى سعاد حسني، هي شخصية سعاد عبدالسلام الضويني المولودة عام 1945، وهي تعتبر السندريلا رمز حياتها وتوأم عمرها، وقد سماها أبوها على اسم السندريلا (التي تكبرها بعامين) من شدة إعجابه بوالد سعاد حسني، أستاذه في فن الخط العربي، وفي الفن الأهم "فن ممارسة الحياة". عملت راقصة في فرقة رضا للفنون الشعبية، محل تقدير الدولة في العهد الناصري، وأصرت على الاحتفاظ بمهمنتها "راقصة" في بطاقة هويتها، بعد تقاعدها ومرضها، على رغم اعتراض ابنها طارق على ذلك.

وتتناوب سعاد الضويني على سرد فصول الرواية، مع بقية الشخصيات الأساسية، ومنهم ابنها طارق الذي اجتذبته التيارات الدينية في مسجد الجامعة، واندفع إلى الإعجاب بخديجة زميلته المنقبة، التي يتزوجها عرفياً فقط ليطفئ فيها رغبته المتأججة. ومنهم ابنتها سلمى المتفتحة، التي غرقت بدورها في عشق زميلها الجامعي أيمن، الطالب في كلية الطب، البهائي الذي يصعب أن يتزوج مسلمة، فيهرب معها إلى هولندا ويتزوجان هناك. ومنهم أيضاً زوجها فارس الأشموني، الفنان التشكيلي الاشتراكي اليساري، الذي لم يتمكن من رسم بورتريه صادق يرضى عنه لسعاد حسني التي تفوق دائماً كل التوقعات، والذي خسر وظيفته كرسام في الصحف القومية بقرار من السادات نتيجة معارضته ونزاهته، وانتهى به الحال رساماً بأجر للوحات الإعلانات الاستهلاكية في الخليج، بالتزامن مع كسر قدم زوجته سعاد واضطرارها إلى اعتزال الرقص، وإن ظلت تتمنى ممارسته ولو عن طريق إنشاء مدرسة لتعليم الفتيات الصغيرات فنونه.

المثير على رغم أن الشخصيات تتبادل رواية الأحداث، كل شخصية بلسانها، فإنها لا تتبحر عميقاً في طبقاتها الداخلية وتقلباتها الجوانية، ولا تكاد تظهر ما فيها من تذبذبات أو مراجعات للضمير، فهي دائماً أفقية تنتصر لقناعات جامدة، لا تتغير، أو تنقلب من النقيض إلى النقيض بمجرد وقوع حدث فجائي عارض، كتطرف طارق الديني مثلاً لمجرد ارتداء معشوقته خديجة النقاب، بعد علاقة متحررة بينهما قبل تغييرها رداءها وقناعاتها.

كما أن السجالات والصراعات بين الشخصيات المتناقضة، أو المتعادية، تدور عادة حول أزمات هشة وممارسات تسطح القضايا والمفاهيم العميقة إلى علامات قشرية. وإن قيماً كبرى من قبيل الحرية والاستقلالية والمساواة مثلاً قد تختصر في حق الموديل (أم سعاد الضويني) في أن ترسم عارية، وأن يحترم جميع طلاب الفنون الجميلة عريها هذا، ويوقروه، لما له من رهبة وجمال، وفي انبهار سعاد بشخصية الكاتب مصطفى محمود في وقت إلحاده، وتأففها منه بعد "دروشته" وتجارته الدينية وبنائه مسجداً، وفي تعجبها من مراسم ذبح العقيقة لمولود ابنها طارق، إذ جرى ذبح نعجتين لأن المولود ذكر، بعكس المولودة الأنثى، التي تذبح لها نعجة واحدة، فعلقت بقولها "حتى في الخرفان، البنات مظلومة وليس لها نصيب".

تأتي المواقف والمشاهد الجدلية والصراعية بين الشخصيات المقولبة ككليشيهات وموازنات بين كيانات عامة وربما ضحلة، ففي جنازة سعاد حسني مثلاً تصرخ السيدة ذات الخمار الأسود (غير المسماة) وهي تشير إلى النعش "ماتت كافرة"، متحدثة إلى جارتها المنتقبة (غير المسماة أيضاً)، مع أن المنطق الطبيعي يقتضي عزوف هاتين السيدتين ومثيلاتهما من غير المهتمات بالفن عن هذه الجنازة أصلاً، وفق ميولهن وتوجههن. وفي المقابل، تمتد يد المبالغة إلى سعاد الضويني، في الجنازة ذاتها، لتصفع ذات الخمار بقوة، ثم تتجه إلى المنتقبة لتنتزع نقابها وهي تصيح "اخرسوا، محدش يقول كدا على سعاد، حرام عليكم، محدش عرفها زي ما أنا عرفتها، سعاد أشرف منكم كلكم". وفي مثل هذه الملاكمات العنيفة، يصعب للرسالة الجمالية الأدبية، أو حتى الصرخة الفكرية المباشرة، أن تصل أو أن تحقق المستهدف منها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولعل الأكثر هشاشة، حين تتحول دفة الراوي إلى الشخصية المخالفة تماماً لقناعات المؤلف وأيديولوجيته، ففي هذه الحالة هو لا يحملها أفكاره المباشرة مثل بقية الشخصيات التي يكاد ينطقها بلسانه. ومن ثم، تأتي الفصول المروية على لسان الشاب طارق فارس الأشموني، بعد تحوله إلى متطرف وصديق للإرهابيين، أقل انسجاماً مع النسق العام للعمل من بقية الفصول. ويبدو الراوي أحياناً في تلك الحالة كما لو أنه عدو نفسه أو خصيم ذاته أو غير متصالح مع معتقداته أو متهكم على ممارساته، لعدم تخلصه من صوت المؤلف الكامن داخله. يحكي طارق عن زواجه العرفي "انتظمت اللقاءات بنفس انتظام تناول خديجة لأقراص منع الحمل، وبنفس انتظام رعشات جسدينا بإيقاع شهوة متزامن، بارك لنا الله فيه، وستر علينا. عرفت كم كنت عطشاناً لجسدها، وكم كانت متحرقة لجسدي. كانت تنفذ نصيحة صديقتها التي كانت بداية طريق التزامها الشرعي: كوني عاهرة لزوجك في الفراش".

غياب الطيف الواسع

الأمر الآخر الذي ربما يضعف سبل مناهضة التزمت والانغلاق والرجعية والتطرف الديني، على مستوى الأفكار حتى وليس على المستوى الفني، هو وضع اللاديني تماماً أو الإلحادي أو التحرر اللامشروط في الوجهة المقابلة، وكأنه لا مجال للاعتدال من دون انجراف، ولا وجود للطيف الواسع من المجتمع المصري الوسطي. ومن ثم، يصير رسم الموديل العاري بالضرورة، (وليس الفن التشكيلي في عمومه) في مواجهة تحريم الفن، وتصبح الموديل العارية من دون غيرها ذات مهنة روحية مقدسة على رغم أنها تتقاضى عنها أجراً من الكلية، ويمنح غير المسلم الحق في الزواج من مسلمة، وتسمى الراقصة "شيخة طريقة" وليست فنانة، ويصير هناك منطق ملح للدفاع عن حق الانتحار (سعاد حسني ومارلين مونرو، وصلاح جاهين باكتئابه)، والدفاع عن حق القتل الرحيم في مصحات هولندا (التي صارت تعمل فيها الابنة سلمى بعد رحيلها من مصر)، فقط لوجود فتاوى شرعية مناوئة للانتحار والقتل الرحيم، ويوصم أي سلوك ديني ولو أنه بسيط واعتيادي ومألوف بأنه رياء ونفاق وبيزنس وجرس إنذار يتهدد سلامة المجتمع.

وفي هذا المناخ، تبدو الشخصيات الثانوية حتى في الرواية ذات طابع كارتوني فقير في دوافعه النفسية، ومتوقع سلفاً، كالدكتور عبدالمهيمن مثلا، الملتحي بطبيعة الحال، رئيس قسم النساء في كلية الطب، الذي يتخذ مواقف عدائية كثيرة ضد الطبيب الأب أيمن، ويمنعه من العمل في قسم النساء، فقط لأنه "بهائي"، هكذا ومن دون استغراق في التفاصيل، إلى آخر هذه اللقطات العابرة المفتعلة درامياً، التي ربما تأتي بمردود عكسي لتضخيمها وإبرازها مبالغات تتعدى حيز وجودها في الواقع الفعلي.

وجوه السندريلا

ولعل النقاط الأكثر إضاءة في فضاء الرواية هي التي تتعلق بشخصية سعاد حسني وإسقاطاتها الموحية، على رغم ندرة ظهورها على صفحات الرواية، ولكن فضفضات السندريلا (الكائن الحي) مع سعاد الضويني وفارس الأشموني وابنتهما سلمى (الشخصيات النمطية) تحمل تعرية أخرى إيجابية للمرأة، ذات الحساسية العالية والرهافة المفرطة، في انكسارها وحزنها وشعورها بالخواء الداخلي، والتبعية لغيرها، وخضوعها للاستغلال، وعدم القدرة على الفكاك من الأسر، ونيل حقوقها المشروعة.

وحتى في علاقتها العاطفية والزوجية بعبدالحليم حافظ، فإن سعاد حسني تكشف عن رضوخها لضغوطه عليها لإبقاء علاقتهما في الخفاء، إلى أن خسرت الحب نفسه، وبالتالي فقدت نفسها، وكل شيء. وهي هنا ليست السندريلا فقط، ولكنها ألف سعاد وسعاد غابت جسدياً، أو اغتيلت روحياً، أو لم تعد قادرة على أن تنبض وتتنفس وتمرح وتبتهج وتحلق، أو لعل سعاد هنا هي الوطن المتآكل نفسه، في زمن لم يعد مثلما كان من قبل.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة