Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تولسي غابارد أمام الكونغرس... "مأزق" أم "تكتيك"؟

حاولت مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية الحفاظ على وظيفتها بعد تهميشها مع تجنب مناقضة مواقفها السابقة

تولسي غابارد مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية (أ ف ب)

ملخص

ظهرت تباينات أخرى في إجابات غابارد، فقد أوضحت أمام مجلس النواب أن إيران احتفظت بالنية لإعادة بناء بنيتها التحتية وقدراتها في مجال التخصيب النووي، واستمرت في رفض الامتثال لالتزاماتها النووية، عقب حرب الأيام الـ12 التي وقعت عام 2025، وهو ما يختلف عما ورد في شهادتها أمام مجلس الشيوخ.

على مدى يومين، خاضت تولسي غابارد مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية معركة طويلة في مجلسي الشيوخ والنواب لاختبار قدرتها على إزالة الشكوك حول مبررات الحرب على إيران، ومدى اتساق ذلك مع تقارير الاستخبارات أو مواقفها السابقة المضادة للحرب.

لكن ردود غابارد على أسئلة أعضاء الكونغرس لم تكن على ما يبدو شافية بالقدر الذي يرضي الجمهوريين والديمقراطيين، فقد حاولت الإدلاء بشهادتها الحاسمة بقدر من التوازن الذي لا يغضب الرئيس دونالد ترمب وفي الوقت نفسه لا يتناقض مع آرائها الشخصية حيال الحروب الخارجية أو التقارير الاستخباراتية السابقة، فهل نجحت المسؤولة الأولى عن مجتمع الاستخبارات الأميركية في مهمتها أم أخفقت؟

مساءلة حاسمة

كانت جلستا الاستماع أمام لجنتي الاستخبارات في مجلسي الشيوخ والنواب يومي الأربعاء والخميس الماضيين اللتين تضمنتا شهادات من مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل، وآخرين، هي أول مساءلة علنية حاسمة يخضع لها مسؤولون رفيعو المستوى في إدارة ترمب منذ اندلاع الحرب في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، لكن الجلستين أثارتا من التساؤلات أكثر من الإجابات حول المبررات التي قادت الإدارة الأميركية إلى الحرب مع إيران واستعدادات الإدارة للتعامل معها وطبيعة الموقف الحالي من الحرب ومآلاتها.

ضغط كثير من المشرعين على الشهود للاستفسار عن طبيعة المشورات التي قدموها لترمب قبيل اندلاع الحرب، وتحديداً في شأن قدرة الإيرانيين وسعيهم إلى تخصيب اليورانيوم لمستوى يسمح لهم بصنع قنابل نووية، ومدى قدرتهم على تصنيع صواريخ تصل إلى الأراضي الأميركية، وما إذا كانت إيران ستقدم على إغلاق مضيق هرمز، لتعطيل تدفقات النفط، وإرباك الاقتصاد العالمي مما يسهم في ارتفاعات حادة في أسعار الوقود في مختلف أنحاء الولايات المتحدة.

إجابات غامضة ومتناقضة

لكن فيما صرحت غابارد وراتكليف بأن مجتمع الاستخبارات الأميركي كان يتوقع الخطوة الإيرانية المتعلقة بالمضيق كورقة ضغط، إلا أنهما رفضا الإفصاح عن ماهية التقارير الاستخباراتية المحددة التي تلقاها ترمب في هذا الشأن.

وسعت غابارد إلى التهرب من تصريحها خلال عام 2025 بأن إيران لا تعمل على بناء سلاح نووي ولا تمثل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة، بالإشارة إلى أن السياق أمر جوهري وأن الرئيس ترمب هو المسؤول عن تحديد ما إذا كانت إيران تشكل "تهديداً وشيكاً" استناداً إلى تقييمات مجتمع الاستخبارات.

وحينما سُئلت عما إذا كان هناك أي دليل يشير إلى أن إيران كانت تعتزم شن هجوم استباقي على الولايات المتحدة قبل اندلاع هذه الحرب، قالت غابارد إنه يجب أن يكون الرد على هذا السؤال في جلسة إحاطة مغلقة.

 

وظهرت تباينات أخرى في إجابات غابارد، فقد أوضحت أمام مجلس النواب أن إيران احتفظت بالنية لإعادة بناء بنيتها التحتية وقدراتها في مجال التخصيب النووي، واستمرت في رفض الامتثال لالتزاماتها النووية، عقب حرب الأيام الـ12 التي وقعت عام 2025، وهو ما يختلف عما ورد في شهادتها أمام مجلس الشيوخ، حين قالت إن طهران لم تبذل أي جهود منذ يونيو (حزيران) 2025 لمحاولة إعادة بناء قدراتها في مجال التخصيب، إذ جرى ردم وإغلاق مداخل المنشآت تحت الأرض التي تعرضت للقصف باستخدام الخرسانة.

ومن المثير للغرابة أنه عندما مثلت غابارد شخصياً أمام لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، وتلت معظم بيانها الافتتاحي، تجاوزت الفقرة المتعلقة بقدرات إيران في مجال التخصيب النووي، وعندما ضغط عليها السيناتور الديمقراطي مارك وارنر في شأن هذا الحذف، ادعت غابارد أنها أسقطت تلك الفقرة لأنها رأت أن الوقت قد طال، مما يعني أن غابارد تعمدت حذف استنتاج محوري توصلت إليه الاستخبارات الأميركية، والذي يقوض أحد المبررات الأساسية للحرب التي طالما روج لها الرئيس ترمب مراراً عبر الادعاء بأنه لولا قرار شن عمليات قتالية واسعة النطاق، لكانت إيران قد امتلكت أسلحة نووية متعددة في غضون أسابيع قليلة.

اختبار صدقية

خلال جلستي المساءلة، بدا على تولسي غابارد الارتباك والخجل، لا سيما عندما وُوجهت بخطاب كانت ألقته على منصة مجلس النواب عام 2020، عقب قيام دونالد ترمب بقصف إيران خلال ولايته الأولى، حيث قالت آنذاك إن الرئيس ارتكب عملاً حربياً غير قانوني وغير دستوري، ودفع الأمة الأميركية بتهور نحو حرب مع طهران دون الحصول على أي تفويض من الكونغرس، محذرة من حرب ستكون باهظة الكلفة ومدمرة لدرجة أنها ستجعل حروب الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان تبدو وكأنها نزهة ترفيهية.

لكنها حينما سئلت عما إذا ما كانت لا تزال تعتقد أن الضربات الموجهة ضد إيران، والتي تفتقر إلى تفويض من الكونغرس، تعد عملاً حربياً غير قانوني وغير دستوري، قالت إنها اضطرت إلى تنحية آرائها الشخصية جانباً لكي تتمكن من أداء مهماتها بصفتها كبيرة مستشاري الرئيس لشؤون الاستخبارات.

يمثل هذا المشهد الذي اتسم بالارتباك التحول في مسيرة غابارد المهنية، فبصفتها جندية سابقة شاركت في المعارك وعضواً ديمقراطياً سابقاً في مجلس النواب، قضت غابارد القادمة من هاواي وقتها في الكونغرس مناهضة للحروب الأميركية، والآن تجد نفسها في موقف من يخدم حرباً لا تستطيع هي نفسها تفسير مبرراتها، لدرجة أن المدير التنفيذي لموقع "أميركان كونسيرفاتيف" المحافظ وهو كيرت ميلز الذي يعد أبرز منتقدي الحرب مع إيران، وصف جلستي الاستماع بأنهما عملية قتل لصدقيتها.

تحول جذري

لا يمكن المبالغة في وصف مدى التحول الجذري الذي شهدته مواقف غابارد، فقد باعت قبل أعوام حينما كانت شبه يسارية في الحزب الديمقراطي قمصاناً كتب عليها شعار "لا للحرب مع إيران"، وعندما قصف ترمب البلاد للمرة الأولى دعت في بيان لها كل من صوتوا لترمب بدافع خطابه المناهض للحرب أنه كذب عليهم.

لم تبذل غابارد جهداً يذكر لنزع فتيل الانتقادات الموجهة إليها خلال شهادتها، إذ ردت على الأسئلة المتعلقة بما إذا كان البيت الأبيض قد اطلع على التداعيات المحتملة للحرب ببيانات نمطية ومعدة سابقاً، تكتفي بسرد استنتاجات وكالات الاستخبارات الأميركية.

 

ويرى كيرت ميلز أن فكرة وضع تولسي غابارد على رأس مجتمع الاستخبارات كانت بمثابة طعنة في قلب الدولة العميقة من قبل اليمين المحافظ، لكن إذا كان كل ما يحصل عليه الشعب الأميركي هو استنتاجات الدولة العميقة ذاتها، ولكن عبر الصوت المتعاطف لتولسي غابارد، فإن الأمر يعد مجرد فرق شكلي لا جوهري عن الوضع الراهن الذي سعى الكثير إلى الإطاحة به من خلال انتخاب ترمب.

غير أن المشكلة التي تواجه غابارد لا تقتصر على تراجعها عن قناعاتها الراسخة التي طالما تمسكت بها، بل في أن استنتاجات مجتمع الاستخبارات الذي تتولى قيادته، لا تبدو داعمة لما يقوله ترمب في شأن الحرب.

تآكل مكانة غابارد

ولعل النتيجة الأكثر سوءاً تتمثل في تآكل مكانة رئيسة الاستخبارات الوطنية إثر الاستقالة المدوية لكبير مستشاريها ورئيس المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كينت احتجاجاً على الحرب، والذي صرح في مقابلة بودكاست أجراها مع مذيع فوكس نيوز السابق تاكر كارلسون، بأن المعلومات الاستخباراتية لم تظهر أن إيران تسعى إلى تطوير أسلحة نووية، وهو المبرر الأساس للحرب برمتها، وأن إسرائيل هي التي جرت الولايات المتحدة إلى هذا الصراع.

عكس أداء غابارد أمام الكونغرس بيانها المليء بالمراوغة الذي أصدرته في أعقاب استقالة كينت، إذ ذكرت أن ترمب انتخب بغالبية ساحقة ليتولى الرئاسة، وأنه المسؤول عن تحديد ما يعد تهديداً وشيكاً وما لا يعد كذلك، لذا فإن وظيفتها تقتصر على تزويد الرئيس بالمعلومات اللازمة لتوجيه تلك القرارات، وأنه بمجرد مراجعته لتلك المعلومات، خلص إلى أن إيران تشكل تهديداً وشيكاً، وبناء على هذا الاستنتاج اتخذ إجراءاته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غير أن غابارد لم تذكر في أي مرحلة من مراحل بيانها، ما إذا كانت تتفق مع ذلك الاستنتاج، أو ما إذا كانت المعلومات التي قدمتها تدعمه بالفعل، ويرى أعضاء ديمقراطيون في مجلس النواب أن تولسي غابارد لا تستطيع التصريح بأن إيران لم تكن تشكل تهديداً للولايات المتحدة، لأنها لو فعلت، فقد تلقى المصير ذاته الذي لاقته كريستي نويم وزيرة الأمن الداخلي التي قدمت استقالتها أخيراً، وتولسي غابارد لا تستطيع قول ذلك لأنها شديدة الحرص على الحفاظ على وظيفتها.

تكتيك مزدوج

ولهذا، بدا تكتيك غابارد للخروج من المأزق، محاولة الجمع بين الاحتفاظ بوظيفتها وتجنب الكذب الصريح في آن واحد، غير أنه ليس من الواضح، ما هو الثمن الذي دفعته غابارد، إذ لم يعد لديها سلطة تمتلكها في الواقع بعدما صرح كينت بأن ترمب همّش تماماً أي أصوات كانت تحذر من مغبة هذه الحرب، فيما نقل موقع بوليتيكو عن نائب جمهوري قوله إن نفوذ كل من كينت وغابارد تضاءل بصورة متزايدة وجرى تهميشهما.

في المقابل، يرى آخرون أن سبب بقائها في إدارة ترمب يكمن في أنها واحدة من القلة القليلة التي لا تزال قادرة على التصدي لهذا الفصيل الذي يسعى إلى جر البلاد للحرب، غير أن ترمب أوضح جلياً أنه لا يكترث قيد أنملة لما تفكر فيه تولسي، وصرح بذلك صراحة، لذا يبدو أن هناك قدراً كبيراً من الوهم يسيطر على المشهد.

اختفاء غير مبرر

اختارت غابارد التهرب من الإجابة عن الأسئلة في مبنى الكابيتول، لكنها أيضاً لم تشاهد منذ أشهر، فمنذ أزمة فنزويلا التي مثلت أول تدخل في شؤون دولة أجنبية، لم يرها أحد على الإطلاق، وهذا أمر غير اعتيادي إطلاقاً على رغم أن متحدثاً باسم غابارد صرح بأنها منخرطة بصورة استثنائية في العمل مع الكونغرس.

وإذا كانت وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم، هي آخر عضو في مجلس الوزراء الرئاسي لترمب يستبعد من الدائرة المقربة بهذه العلنية، بعدما واجهت هجوماً لاذعاً من الكونغرس قبل أن تصبح أول وزيرة تعفى من مهماتها خلال الولاية الثانية لترمب، يؤكد البيت الأبيض في الوقت الراهن أن ترمب يولي غابارد ثقة كاملة، أما إذا أقدم الرئيس على إقالتها في هذا التوقيت سيكون أمراً لا يصدق، إذ لا يعقل أن تفعل ما فعلته ثم تتلقى في النهاية طعنة في الظهر.

ومع ذلك، لن تكون هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها أمر كهذا في عالم ترمب، وحتى إن تمكنت غابارد من الصمود والبقاء في منصبها، فقد لا يكون كينت آخر شخصية بارزة في الإدارة تستقيل احتجاجاً على الأوضاع، إذ تتناثر أنباء في أروقة البيت الأبيض أن هناك كثيراً من مسؤولي الأمن القومي الذين يدرسون حالياً تقديم استقالاتهم بسبب الحرب.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير