Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الخدر العاطفي... حين يصبح الموت خبرا عاديا

في لبنان الحرب لا تمر… إنما تتراكم معركة بعد أخرى

ناجون من غارة إسرائيلية في لبنان قبل أيام يخرجون من الدمار (ا ف ب)

ملخص

ما يحدث في المجتمعات الغارقة في الحروب يمكن أن يعد اقتصاداً عصبياً ونفسياً قاسياً. فحين يتكرر الخطر، يتعلم الجهاز النفسي أن يخفض كلفة الانفعال كي يواصل العمل. لهذا لا يعود الموت حدثاً استثنائياً في الوعي اليومي، لأن الاستجابة القصوى لكل موت ستؤدي إلى انهيار كامل بغنى عنه في الظروف الحالية.

في الحروب لا ينهار الناس دائماً بالطريقة التي نتوقعها. لكل طريقته وطقوسه وثقافته وعاداته، ولكل جهازه العصبي والنفسي وردود الفعل الخاصة به. لا يخرج الناس عادة إلى الشوارع صارخين بأنهم محطمون نفسياً، ولا يعلنون ببساطة أن أرواحهم تعبت. المجتمع في أحيان كثيرة وبعد تكرار الحروب يتكلم بلغة أخرى أكثر مواربة وأقل اعترافاً ربما. يشكو الأشخاص من آلام الظهر وثقل الرأس والجسد المتعب على نحو غامض لا تفسير له. إذ كثيراً ما يصبح الجسد هو المترجم الأخير لما تعجز اللغة عن قوله.

وتحت القصف أو التهديد الدائم لا يختفي الشعور تماماً، قد يحدث ما يشبه الاقتصاد القاسي في العاطفة. فحين يصبح الألم يومياً، يتعلم الإنسان أن يخفض مستوى الإحساس كي يستطيع الاستمرار في الحياة. وهذا لا يعني توقف الشعور، لكن لأن الإفراط فيه قد يصبح خطراً على البقاء نفسه. لذلك فإن تبلد الإحساس أو الخدر في زمن الحرب علامة على أن الناس استُنزفوا إلى الحد الذي صار فيه الإحساس الكامل ترفاً لا يحتمله الجهاز النفسي. وهكذا يتشكل ما يمكن تسميته بالاعتياد الدفاعي، حيث يبدل الأشخاص طريقتهم في الشعور كي يواصلون البقاء.

التمسحة بريئة

منذ بداية الحرب الأخيرة بين إسرائيل وأميركا من جهة وإيران من الجهة الثانية، ومشاركة "حزب الله" فيها يوم الثاني من مارس (آذار) الجاري، وتوسيع إسرائيل لعدوانها على قرى ومدن الجنوب اللبناني وضاحية بيروت الجنوبية وإنذارات الإخلاء، بدأنا نسمع ردود أفعال من الأشخاص المعرضين بشكل مباشر أو غير مباشر أنهم توقفوا عن الإحساس، تخدر الشعور لديهم واستقال من مهمته. وباتت كلمة "تمسحنا" تتردد من كثيرين على رغم الموت المحدق من كل صوب.

وكلمة "تمسحنا" أي أصبح لدينا شعور التماسيح، هي استعارة شائعة في اللغة العربية، والمقصود فيها التصلّب العاطفي والتظاهر بأن شيئاً لا يمس مشاعرنا، لكن الاستعارة هذه خادعة كونها تفترض أولاً أن التمساح كائن بلا إحساس، بينما وجدت مراجعة علمية منشورة عام 2019 أن الزواحف تعيش حالات مثل الخوف والضغط والألم والمعاناة، ورصدت دراسات أخرى أنه لديها مؤشرات على المتعة والانفعال والقلق.

لذلك فالتشبه بالتمساح، علمياً على الأقل، ليس مرادفاً لانعدام الشعور، بل لسوء فهم قديم للحيوان وللبشر معاً.

الاقتصاد العصبي

ما يحدث في المجتمعات الغارقة في الحروب يمكن أن يعد اقتصاداً عصبياً ونفسياً قاسياً. فحين يتكرر الخطر، يتعلم الجهاز النفسي أن يخفض كلفة الانفعال كي يواصل العمل. لهذا لا يعود الموت حدثاً استثنائياً في الوعي اليومي، لأن الاستجابة القصوى لكل موت ستؤدي إلى انهيار كامل بغنى عنه في الظروف الحالية. وتشرح دراسة منشورة عام 2023 بعنوان "عواقب التعرّض للعنف الحربي" ذلك بوضوح عبر مفهوم "التبلّد الانفعالي" وفيه أنه مع التعرض المتكرر للعنف يصبح الناس أكثر خدراً حياله، أي أقل قلقاً مع كل تعرض جديد، وهذه البلادة قد تجعل العنف يبدو أكثر قبولاً أو أقل صدمة. وفي الأدبيات الإكلينيكية الأقدم عن الصدمة، وصف الطبيب النفسي الهولندي الأميركي بيسل فان در كولك عام 2000 الخدر العاطفي والبلادة الوجدانية بوصفهما من السمات المركزية لاضطرابات ما بعد الصدمة.

القصص الفردية أكثر جذباً للمشاعر

لا بد من التفريق بين ثلاثة مستويات. الأول هو التبلد الدفاعي الفردي بحيث لم يعد الشخص يبكي عند سماع عدد القتلى. والثاني هو التطبيع الاجتماعي حيث يعيد المجتمع تنظيم يومه حول القصف، فتفتح المحلات التجارية أبوابها بين غارتين وتجرى الامتحانات مع أصوات الطائرات. أما الثالث فهو ما سماه علماء النفس في جنوب أفريقيا الضغط الصدمي المستمر وهو مفهوم تبلور لأن تشخيص الصدمة التقليدي يفترض أن الحدث انتهى، بينما هناك مجتمعات لا تعيش ما بعد الصدمة إنما تعيش داخلها.

هكذا نفهم لماذا يصبح الموت أقل حدثية وأنية في المجتمعات المنهكة بالحرب. كأن القيمة الأخلاقية للحياة انخفضت، والندرة النفسية تفرض نوعاً من التقنين لعيش الحزن الذي لا يمكن له أن يبقى في ذروته كل يوم. وقد شرح عالم النفس الأميركي بول سولفيك هذه المفارقة في دراسة أعدها عام 2007، وحينها اعتبر أن الأرقام الضخمة للفواجع لا تشعل الشعور كما نفترض، والإحصاءات عن القتل الجماعي تفشل غالباً في نقل المعنى العاطفي للمجزرة، والتعاطف نفسه قد ينهار مع اتساع العدد. وتطرح دراسته مفارقة مرعبة في مضمونها مفادها بأن البشر يتعاطفون بقوة مع مأساة فرد واحد، لكن هذا التعاطف يتراجع كلما ازداد عدد الضحايا. وعندما تصبح الأعداد كبيرة جداً تتحول المأساة في إدراكنا إلى إحصاء بدل أن تبقى قصة إنسانية. لتختصر عبارته التحليلية القاسية الموقف بـ"كلما صار الموت كتلة رقمية أكبر، ضعفت الاستجابة الشعورية بدل أن تقوى". ولقد عايشنا هذه الحقيقة القاسية في الحروب التي دأب ضحاياها على تذكير العالم أنهم ليسوا أرقاماً.

في سراييفو وفلسطين وسوريا

ويلخص كتاب "سراييفو تحت الحصار" للباحثة الكرواتية السويدية إيفانا ماتشيك ما عاشه أهل مدينة سراييفو أثناء الحصار بعبارة "صراعهم للحفاظ على الإحساس بالاعتياد كان يهيمن على جوانب كثيرة من حياتهم تحت الحصار. والتكيف لم يكن إنكاراً للحرب، كان محاولة لإنتاج حياة طبيعية داخل اللامعقول". ولكن هذا التكيف لم يمحُ الأثر النفسي، ففي دراسة منشورة عام 2019، وجدت الباحثة اليونانية في علم النفس هانا كومتيس وزملاؤها أن مستويات الأعراض النفسية بقيت مرتفعة لدى عينات من ناجيي الحرب في البوسنة، وأن الأثر التراكمي لصدمات الحرب استمر أكثر من عقد بعد الحرب والنزوح.

الخوف بيئة وليس حادثة

في دراسة منشورة عام 2010 بعنوان "التعرّض للنزاع والعنف عبر سياقات متعددة: علاقته بالتكيّف لدى الأطفال الفلسطينيين"، بحث إريك دوبو وزملاؤه في عينة ممثلة من 600 طفل فلسطيني أعمارهم 8 و11 و14 سنة. ووجدوا علاقة بين التعرض للعنف السياسي من جهة، وبين أعراض ما بعد الصدمة والسلوك العدواني من جهة أخرى. واللافت أن الدراسة التي تتحدث عن جرح نفسي، تتطرق إلى إعادة تشكيل الاستجابة الاجتماعية، بحيث الطفل الذي يعيش في بيئة عنف مزمن يصبح خائفاً، وقد يصبح أكثر عدوانية أيضاً، أي أن العنف يعاد تدويره اجتماعياً من الضحية إلى المجال اليومي.

وفي سوريا، بينت مراجعة عام 2016 بعنوان "الصحة النفسية والرفاه النفسي- الاجتماعي للسوريين المتأثرين بالنزاع المسلح" أن العنف والمشقات المرتبطة بالنزاع كان لها أثر واسع على الصحة النفسية والرفاه النفسي الاجتماعي لدى البالغين والأطفال، وأن تجارب الحرب تتضاعف آثارها بسبب ضغوط الحياة اليومية اللاحقة من الفقر والعزلة وضعف الخدمات والتمييز والخوف من الاستغلال. ولاحظت المراجعة أيضاً أن كثيراً من الشكاوى تظهر في شكل أعراض جسدية مثل الصداع والآلام الجسدية والخدر والوخز وألم المعدة وصعوبة التنفس.

أحزان لبنان

لم تبدأ المشكلة في لبنان مع الحروب الكبرى فقط، فمع تكرار الأزمات منذ عقود طويلة والحروب الصغيرة والتهديد الدائم أصبح العنف مناخاً عاماً. وقد خلصت دراسة بعنوان "التعرّض للعنف ومواقف التبلّد لدى الأطفال في لبنان" عام 2016، إلى أن الأطفال في لبنان يتعرضون بكثافة للعنف، وأن هذا التعرض يؤدي إلى التبلد بحيث يعتادون قبول العنف بوصفه أمراً طبيعياً، ما يرفع قابلية تقليده. كذلك أظهرت الدراسة أن تكرار التعرض للعنف وأثره الانفعالي ومشاهدة العنف على التلفزيون كانت كلها مرتبطة بمواقف أكثر تقبلاً للعنف. وهذا استنتاج خطير بالفعل لأنه يعني أن الحرب التي تقتل من تصيبهم مباشرة، تعيد أيضاً تشكيل المعايير العاطفية والأخلاقية لدى من يكبرون في ظلها.

أما عند البالغين فلا يختفي الأثر تحت قشرة الاعتياد. فقد وجدت دراسة أخرى نشرت عام 2006، أن 97.7 في المئة من المشاركين قد اختبروا أو شهدوا أو سمعوا عن حدث صادم مرتبط بالحرب، وبلغت نسبة انتشار اضطراب ما بعد الصدمة 29.3 في المئة. ثم في دراسة لاحقة عام 2012 عن ست قرى في جنوب لبنان، تراوحت نسب اضطراب ما بعد الصدمة بين 17.6 في المئة و33.3 في المئة وفق القرية والسياق. أي أن الاعتياد اليومي لا يعني الشفاء، لكنه كثيراً ما يكون مجرد قشرة وظيفية فوق جهاز نفسي مثقل بالإنذار.

الموت ليس حدثاً كبيراً

في الحروب الطويلة، معنى الموت لا يختفي تماماً بل يتحول موقعه في الإدراك العام. فيصبح جزءاً من البنية اليومية للخبر، بدل أن يكون القمة أو الحدث. وتصبح النجاة هي معيار النجاح بغض النظر عن شكل الحياة. فتنتقل المجتمعات من الحداد الاستثنائي إلى إدارة الفقد إذا صح التعبير. لذلك ترى الناس يعلّقون على مجزرة ثم يسألون بعد دقائق عن الخبز أو البنزين أو المدرسة أو شبكة الهاتف. هذا ليس سقوطاً أخلاقياً بالضرورة، إنه دليل على أن الأعصاب لا تستطيع العيش في النبرة القصوى دائماً. لكن الثمن باهظ، فتراجع التعاطف وتطبيع القسوة وارتفاع العدوانية لدى بعض الفئات، يؤدي إلى ظهور أجيال تعتبر العنف جزءاً عادياً من بنية العالم. والأدبيات الحديثة حول العنف السياسي والصدمات الجماعية، إلى جانب تقديرات منظمة الصحة العالمية، تشير إلى أن عبء الاضطرابات النفسية في البيئات المتأثرة بالنزاع مرتفع جداً، وقدّرت مراجعة منظمة الصحة العالمية المنشورة عام 2019 أن أكثر من واحد من كل خمسة أشخاص في البيئات الخارجة من النزاع يعانون أحد الاضطرابات النفسية المدروسة في أي وقت.

تراكم الصدمات

توضح المعالجة النفسية كارول سعاده أن المجتمعات التي تتعرض لصدمات وحروب متكررة لا يعود من الدقيق مقاربتها فقط من زاوية اضطراب ما بعد الصدمة بالمعنى التقليدي، لأننا نكون أمام ما هو أوسع وأعمق، وهو الصدمة المعقدة أو المزمنة. فالمسألة هنا لا تتعلق بحدث صادم واحد يعقبه اضطراب نفسي، إنما بتراكم صدمات متلاحقة تجعل الجهاز النفسي والعصبي يعيش في حال استنفار وتكيّف دائمين مع الخطر.

وتشرح سعاده أن الاستجابة البشرية الأولى للخطر معروفة عادة ضمن ثلاث آليات أساسية: المواجهة، أو الهرب، أو التجمد. لكن حين يصبح الخطر متكرراً ومزمناً، يبدأ الجهاز العصبي بالتكيّف مع هذا الواقع عبر آلية دفاعية مختلفة تتمثل في الخدر العاطفي. ففي المرحلة الأولى، يكون هذا الخدر بمثابة وسيلة حماية موقتة، تسمح للإنسان بأن يفصل مشاعره عن الوضع الذي يعيشه وعن الأحداث التي تضغط عليه، وكأن النفس تبني جداراً عازلاً يخفف وطأة الانهيار المباشر.

غير أن هذه الآلية، وإن بدت مفهومة ونافعة على المدى القصير، تتحول على المدى الطويل إلى مشكلة بحد ذاتها. إذ تشير سعاده إلى أن الخدر العاطفي قد يصبح حالة مزمنة، ويتطور إلى نوع من الانفصال عن الذات، بحيث لا يعود الإنسان فقط في حال يقظة مفرطة كما في بدايات الصدمة، ولا محصوراً في الحزن أو الغضب، فينتقل إلى حالة أشد برودة وانقطاعاً عن نفسه وعن مشاعره.

ومع ذلك، لا يعني هذا الانفصال أن أعراض الصدمة الأخرى تختفي. على العكس، تؤكد سعاده أن عوارض اضطراب ما بعد الصدمة قد تستمر بالتوازي، مثل  الكوابيس، واسترجاع المشاهد الصادمة، إضافة إلى الاضطرابات النفسجسدية التي تتحول فيها المشاعر غير المعالجة إلى أعراض جسدية. وفي هذه المرحلة، لا يقتصر الأمر على انطفاء الحزن أو الخوف فقط، وقد يفقد الإنسان أيضاً قدرته على اختبار المشاعر الأخرى كالفرح والتعاطف والدهشة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ذاكرة الجسد

في حديثها عن أثر الحرب في الجسد، تستعيد سعاده مفهوم "ذاكرة الجسد"، موضحة أن الصدمات التي لا يستطيع الإنسان التعبير عنها أو الكلام عليها، سواء داخل العلاج النفسي أو خارجه، كثيراً ما تجد طريقها إلى الجسد. وهنا تبدأ العلامات بالظهور في أشكال متعددة كالدوخة والآلام المتفرقة واضطرابات الجهاز الهضمي والمشكلات الجلدية مثل الحساسية والأكزيما، فضلاً عن التشنجات والآلام العضلية. فالجسد، بحسب هذا الفهم، لا ينسى ما تعجز اللغة أحياناً عن قوله.

وترى سعاده أن هذا الدفاع النفسي قد يكون موقتاً في بعض الحالات، ويمكن للمشاعر أن تعود تدريجاً إذا بدأ الإنسان يستعيد إحساسه بالأمان. فالعامل الحاسم هنا هو أن يشعر الشخص، شيئاً فشيئاً، بأن هناك بناء جديداً لشعوره بالأمان في المكان وفي الأحداث المستجدة التي يعيشها. أما إذا لم يتوافر هذا الحد الأدنى من الأمان النفسي، فقد تتطور الحالة إلى الصدمة المعقدة، أي إلى وضع لا يترك للشخص فرصة ترميم نفسه أو ترميم جهازه النفسي.

وعند الأطفال والمراهقين، يصبح الأمر أكثر حساسية. فهؤلاء أكثر هشاشة أمام الصدمات لأن جهازهم النفسي لم ينضج بعد بما يكفي لاستيعاب ما يجري حولهم. لذلك يختبرون الخوف بطريقة مضخمة وأكثر حدة. وفي حالاتهم، قد تظهر ردود الفعل في صورة عدوانية أو خوف شديد أو قلق أو اكتئاب أو أعراض نفسجسدية لا يستطيع الطفل تفسيرها، إضافة إلى قلق الانفصال والخوف من الابتعاد عن الأهل. كذلك تبدو الكوابيس من العلامات البارزة أيضاً لدى هذه الفئة العمرية.

ولا تحصر سعاده أثر الصدمة بمن يتعرض لها مباشرة فقط، على رغم أن من يعيش المأساة أو الحرب أو تداعياتها بشكل مباشر يكون بطبيعة الحال أكثر عرضة لتجربة الصدمة بصورة أسرع وأشد. لكنها تلفت أيضاً إلى أن المتابعة الكثيفة جداً للأخبار، والتعرض المتواصل للمشاهد الصادمة وللتغطيات الإعلامية، يمكن أن يؤدي إلى ما يسمى بالضغط أو الصدمة الثانوية أي أن الإنسان قد يلتقط عدوى الصدمة من التلقي المستمر، ويبدأ بدوره بإظهار أعراض تشبه أعراض اضطراب ما بعد الصدمة.

التدخل النفسي

وفي ما يتعلق بمؤشرات الحاجة إلى تدخل نفسي، تؤكد سعاده أن المتابعة مطلوبة أساساً في كل الحالات، ليس فقط للعلاج إنما للوقاية ولمساعدة الإنسان على أن يضع كلمات على ما يشعر به أو يقدر على تفسير مشاعره، وأن يمنح معنى لما يحدث داخل جهازه النفسي. لكن الضرورة تصبح أشد حين تظهر علامات واضحة مثل الانفصال عن الذات أو أحياناً الانفصال عن الواقع، أو حين يطول أمد التخدير العاطفي إلى درجة يصبح معها الإنسان كأنه لم يعد يشعر بشيء، لا بالفرح ولا بالحزن. كذلك تشير إلى علامات أخرى ينبغي الانتباه إليها، مثل نوبات الغضب الشديدة والانهيارات العصبية المتقطعة والاضطرابات النفسجسدية، ومشكلات النوم واضطرابات الأكل، وصولاً إلى تراجع الرغبة في الحياة. عندها نكون، كما تقول سعاده، أمام مرحلة لا يجوز الاستهانة بها.

وتشدد على أن الوضع ليس طبيعياً أبداً، لكنه ليس قدراً مغلقاً أيضاً. فثمة خطوات يمكن أن تخفف كثيراً من وطأة الأزمة على المستوى النفسي. أول هذه الخطوات تنظيم التعرض للأخبار لناحية الوقت والكمية، لأن البقاء طوال النهار تحت سيل التغطيات يرهق النفس ولا يمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها. كذلك توصي بممارسات التثبيت النفسي وتمارين التنفس والتأمل والاسترخاء، لأنها تساعد على إعادة قدر من الانتظام إلى الجهاز العصبي.

وتضيف أن الحفاظ على الروتين اليومي، سواء لدى الكبار أو الصغار، عنصر أساسي في مواجهة الفوضى النفسية التي تولدها الحروب. فالروتين لا يكون تفصيلاً عادياً، أكثر منه أداة ترميم واستقرار. كذلك تحذر سعاده من العزلة، وتدعو إلى عدم الانفصال عن الآخرين، لأن الدعم الاجتماعي والتواصل الإنساني يظلان من أهم عوامل الحماية النفسية في زمن الأزمات.

ارتفاع في طلب الدعم النفسي

في ظل التصعيد العسكري المتكرر في لبنان وما يرافقه من ضغط نفسي متراكم، يوضح الأخصائي النفسي جاد شمعون، مدير العمليات في الخط الوطني للدعم النفسي والوقاية من الانتحار في منظمة ذات شأن متصل، أن المؤشرات الميدانية التي يلمسونها عبر خط الدعم النفسي "خط حياة" تعكس تغيراً واضحاً في طبيعة الطلب على الدعم النفسي وفي حجم الاتصالات الواردة.

ويشير شمعون إلى أن الخط شهد خلال الفترة الحالية ارتفاعاً واضحاً في عدد الاتصالات مقارنة بالفترات السابقة. ويقول إن ما يلفت الانتباه هو أن هذه الزيادة تأتي على خلاف ما تشير إليه بعض الدراسات التي تفيد بأن الاتصالات بخطوط الدعم النفسي قد تنخفض في ذروة الأزمات الحادة، إذ ينشغل الناس غالباً بالتعامل المباشر مع الظروف الطارئة والتهديدات الفورية.

لكن الواقع الذي يرصدونه اليوم مختلف، فقد ارتفع عدد الاتصالات اليومية إلى نحو 50 اتصالاً يومياً، بعدما كان يتراوح في الفترات السابقة بين 25 و30. ويرجح أن تكون هذه الزيادة مرتبطة بما يصفه بحالة العجز والإرهاق النفسي الجماعي التي يعيشها المجتمع نتيجة التراكم المستمر للأزمات.

وعن طبيعة المشاعر التي يعبّر عنها المتصلون، يوضح شمعون أن تجربة الحرب ليست واحدة لدى الجميع، إذ يختبرها كل شخص بطريقته الخاصة. ومع ذلك، يمكن فهم كثير من هذه المشاعر ضمن إطار أوسع هو تجربة الفقدان والحداد. فمراحل الحداد، كما يشرح، لا تسير بشكل خطي أو منتظم، بل تكون متداخلة ومتكررة. فقد يشعر الشخص في يوم بالقلق والخوف، وفي يوم آخر بالحزن أو الغضب، وقد تتناوب هذه الحالات النفسية تبعاً للأحداث والضغوط اليومية.

كما يلاحظ فريق الخط لدى بعض المتصلين حالة من الخدر أو الانفصال عن المشاعر، وهي حالة يفسرها شمعون بوصفها آلية دفاعية نفسية تظهر أحياناً عندما يصبح الضغط النفسي أو الألم شديداً إلى درجة يصعب احتمالها، فيلجأ الجهاز النفسي إلى نوع من التخفيف أو التخدير الانفعالي.

تفاقم المشكلات ثابت

أما من حيث طبيعة المشكلات التي يتصل الناس بشأنها منذ بداية التصعيد، فيوضح أن المواضيع الأساسية لم تتغير كثيراً بقدر ما ازدادت حدّتها وتفاقمت. فالأشخاص الذين كانوا يعانون سابقاً من القلق باتوا يشعرون بمستويات أعلى منه، فيما ازداد الشعور بالعجز واليأس لدى من كانوا يعانون من الاكتئاب أو فقدان الأمل. ويتلقى الخط أيضاً اتصالات تتعلق بنوبات الهلع والأرق والخوف الشديد على أفراد العائلة، والانشغال المتكرر بفكرة الموت، وهي أعراض ترتبط غالباً بارتفاع مستويات الضغط النفسي وبالإحساس المستمر بانعدام الأمان.

وعند النظر إلى الفئات العمرية للمتصلين، يلفت شمعون إلى حضور ملحوظ لفئة الشباب بين المتصلين بالخط. ويشير إلى أن ما يعبّر عنه كثير منهم لا يقتصر على الخوف من الخطر المباشر، بل يتصل أيضاً بالتأثير العميق للحرب على تصورهم للمستقبل.

فكثير من الشباب يصفون إحساساً بالعجز كأنهم معلَقون، وكأن الخطط التي كانت تنظّم حياتهم مثل الدراسة والعمل وبناء العلاقات قد توقفت أو فقدت معناها. ويعكس هذا الشعور، بحسب شمعون، ليس فقط القلق الناتج من عدم اليقين، إنما الأثر النفسي العميق أيضاً للعيش في بيئة يصبح فيها تخيّل المستقبل أمراً بالغ الصعوبة.

وعن الحالة النفسية العامة للمجتمع، يؤكد شمعون أن ما يمر به الناس من ضيق وقلق نفسي هو رد فعل مفهوم وطبيعي في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها البلد.

لكن في الوقت نفسه، يشدد على أهمية ألا يمرّ الأفراد بهذه التجربة بمفردهم. وفي هذا السياق، يذكّر بأن الخط الوطني للدعم النفسي 1564 متاح للاستماع إلى المتصلين، وتقديم الدعم النفسي الأولي، إضافة إلى توجيههم نحو اختصاصيي الصحة النفسية والخدمات المناسبة عندما تستدعي الحالة متابعة متخصصة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات