ملخص
كشف وزير العدل في حكومة الظل البريطانية نيك تيموثي بيانات لوزارة العدل تظهر أن عدد السجناء المسلمين المصنفين ضمن فئة "البيض" في إنجلترا وويلز بلغ 3218 في الـ30 من يونيو (حزيران) 2025، مقابل 2767 عام 2022، ودعا الحكومة إلى فتح تحقيق في ما وصفه بعمليات تحويل قسري إلى الإسلام تديرها عصابات داخل العنابر.
كشف وزير العدل في حكومة الظل المحافظة نيك تيموثي عن أرقام تتعلق بتوزيع السجناء دينياً في إنجلترا وويلز. ووفق ما نشرته صحيفة "ديلي تلغراف"، بلغ عدد السجناء المسلمين المصنفين "بيضاً" 3218 في الـ30 من يونيو 2025، صعوداً من 2767 عام 2022، في حين ارتفع مجموع السجناء المسلمين من 14037 إلى 16051 في المدة نفسها، أي بزيادة نسبتها 14 في المئة. وتشير الأرقام نفسها إلى أن عدد أئمة السجون بلغ 140، مقابل 87 من كنيسة إنجلترا و94 من الكنيسة الكاثوليكية.
وتقول البيانات إن المسلمين باتوا يشكلون نحو 18 في المئة من نزلاء السجون البريطانية، على رغم أنهم لا يتجاوزون 6.5 في المئة من السكان، أما المقارنة التي استدعاها تيموثي فهي أن قرابة خمس المسلمين داخل السجون من فئة "البيض"، مقابل 5.8 في المئة فقط بين مسلمي بريطانيا عموماً، أي ما يقارب أربعة أضعاف.
قال تيموثي إن "نسبة البيض بين المسلمين في سجوننا أعلى بكثير مما هي عليه بين السكان، وهذا يثير أسئلة جدية"، مضيفاً أن "متخصصين حذروا مراراً من عمليات تحويل قسري تجري خلف القضبان تقودها عصابات إسلامية"، وطالب حكومة حزب العمال بـ"تحقيق عاجل" و"اجتثاث" الظاهرة، على حد تعبيره.
ردت وزارة العدل ببيان مقتضب جاء فيه أنها "لا تتسامح مع الترهيب أو نشاط العصابات أو الإكراه على أساس ديني بأي شكل داخل السجون"، وأن "السجون وموظفيها يتحركون بسرعة لقمع أي سلوك تهديدي يصدر عن أي مجموعة أو فرد"، ولم تعلن الوزارة فتح تحقيق في المسألة رداً على دعوة تيموثي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هي ليست المرة الأولى التي يصل فيها هذا الملف إلى وستمنستر، ففي 2016، كلف وزير العدل آنذاك مايكل غوف الموظف السابق في مصلحة السجون إيان أتشيسون بمراجعة التطرف الإسلاموي داخل السجون، وخلصت المراجعة إلى وجود سجناء ذوي حضور طاغٍ يتصرفون بوصفهم "أمراء" ويمارسون تأثيراً موجهاً على السكان المسلمين في السجن. وبحسب مكتبة مجلس العموم، قبلت الحكومة 8 من 11 توصية رئيسة في تلك المراجعة، بينها إنشاء مديرية للأمن والنظام ومكافحة الإرهاب.
في أبريل (نيسان) 2022 نشر المراجع المستقل لتشريعات مكافحة الإرهاب جوناثان هول تقريره "الإرهاب في السجون"، الذي كلف به بعد هجوم عثمان خان في جسر لندن عام 2019. ووفق تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" عن تلك الوثيقة، رأى هول أن أثر الجماعات الإسلاموية داخل السجون جرى التقليل من شأنه، وأن النقاش في شأن الدين، والإسلام تحديداً، تحول إلى "منطقة محظورة" لدى الموظفين، وأن هؤلاء لجأوا أحياناً إلى "الأمراء" أنفسهم للمساعدة في ضبط النظام بدل مواجهتهم.
وأشار التقرير إلى محاولات لإبعاد الموظفين عن صلاة الجمعة أو اشتراط خلعهم أحذيتهم، وإلى استبعاد سجناء من المطابخ ما لم يتجنبوا أطعمة بعينها، وإلى غياب أي "لوحة مؤشرات" وطنية ترصد مواقع نشاط العصابات الإسلاموية.
في مراجعته الأحدث، تحدث هول عن إسلاميين يتصرفون بوصفهم "أمراء منصبين ذاتياً" يمسكون بالسجون عبر "القيادة والتجنيد"، وعن استقطاب "سجناء ضعفاء أو وحيدين عبر الإرشاد وتقاسم الطعام أو الهدايا العينية"، وعن "تحويل مسنود بعنف ضمني أو فعلي". وأورد اسمي عثمان خان، الذي قتل طالبين في هجوم جسر لندن، وسوديش أمان، منفذ هجوم ستريثام، وكلاهما قتل برصاص الشرطة، بوصفهما مثالين على سجناء هددوا نزلاء آخرين لدفعهم إلى اعتناق الإسلام أو التشدد.
أما المرجع الثالث الذي يستند إليه الوزير في حكومة الظل فهو مراجعة المستشار الحكومي السابق لشؤون الأديان كولن بلوم، التي نشرت في الـ26 من أبريل 2023 تحت عنوان "هل تفعل الحكومة الله؟". وكتب بلوم أن "عدم تعريف السجين الجديد نفسه بوصفه مسلماً يعني، في أحسن الأحوال، حرمانه من (الحماية) التي توفرها العصابة المسلمة المهيمنة على العنبر، وفي أسوئها تعريضه للعنف والترهيب من العصابة نفسها". ونقلت المراجعة عن شهادات تلقتها أن عبارة "اعتنق أو تتعرض للأذى" كانت متداولة، وأن نسخاً من القرآن كانت تترك على أسرة الوافدين الجدد. وأوصى بلوم بمراجعة عاجلة لملف التطرف داخل السجون عبر الأقران والعصابات الدينية والأئمة غير المدققة سيرهم.
على خلفية مراجعة أتشيسون، افتتحت مصلحة السجون عام 2017 ثلاثة "مراكز فصل" في سجون فرانكلاند وفول ساتون ووودهيل، بسعة 28 مكاناً، لعزل الأكثر قدرة على التأثير الأيديولوجي عن بقية النزلاء. وفي الـ12 من أبريل 2025، هاجم هاشم عبيدي، المدان بالمساعدة في تفجير مانشستر، ثلاثة من موظفي سجن فرانكلاند بزيت مغلي وأدوات مصنعة يدوياً داخل مركز الفصل، وأصيبوا بجروح خطرة، ثم نقل إلى سجن بلمارش.
وكلفت وزيرة العدل آنذاك شبانة محمود جوناثان هول بمراجعة مستقلة لمراكز الفصل، أودع رسمياً في الثالث من فبراير (شباط) 2026، وخلص هول إلى أن مراكز الفصل ضرورية وأن توزيع "المحرضين" على السجون العادية ليس خياراً، لكنه رأى أن خطر الاعتداء على الموظفين داخل هذه المراكز جرى الاستهانة به، وأن نظام إدارة من بعد وسياسات معقدة وخشية من التقاضي أضعفت قدرة الضباط على إدارة الأخطار حين يرونها.
أشار التقرير أيضاً إلى أن هجوم عبيدي كان الثالث من نوعه على موظفين داخل مراكز الفصل منذ تشغيلها، بعد هجوم جويل أودين في المركز نفسه خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2019. وبحسب مكتبة مجلس العموم، فإن 63 في المئة من السجناء المصنفين متطرفين تنسب إليهم آراء إسلاموية، مقابل 29 في المئة يحملون أيديولوجيات يمينية متطرفة وتسعة في المئة "أخرى".
الرقم الذي أعلنه تيموثي لا يقيس تحولاً دينياً، بل يوزع الأعراق داخل خانة دينية مسجلة ذاتياً، ولا يميز بين من دخل السجن مسلماً ومن أعلن إسلامه داخله. وفئة "البيض" في التصنيف البريطاني تضم "البيض الآخرين"، أي أوروبيين من خارج الجزر البريطانية. وبحسب إحصاءات وزارة العدل الفصلية، يشكل الألبان أكبر جنسية أجنبية في سجون إنجلترا وويلز بنحو عشر السجناء الأجانب، وألبانيا بلد ذو غالبية مسلمة، مما دفع صحيفة "إنسايد تايم" الصادرة داخل السجون إلى ترجيح أن جزءاً من "المسلمين البيض" ولدوا مسلمين ولم يتحولوا خلف القضبان.
في المقابل، فإن المعطى الوحيد المتاح عن تغيير الديانة داخل السجن يعقد الصورة أكثر مما يبسطها، فبيانات لوزارة العدل تغطي ثمانية سجون في لندن بين 2015 و2018، نشرتها "إنسايد تايم"، سجلت 255 حالة تحول إلى الإسلام، مقابل 209 حالات تحول إلى المسيحية و92 حالة إلى ديانات أخرى. ولا تنشر الوزارة إحصاء وطنياً منتظماً لهذه الحالات، مما يجعل أي حديث عن "طفرة" في التحويل القسري استنتاجاً من رقم عام لا قياساً مباشراً.
وتذهب الأبحاث الأكاديمية في اتجاه ثالث، ففي دراسة بتكليف من وزارة العدل أنجزها معهد علم الإجرام في جامعة كامبريدج خلال عام 2011، وأعدتها أليسون ليبلينغ وهيلين أرنولد وكريستينا شتراوب داخل سجن وايتمور، تبين أن اعتناق الإسلام أدى وظائف عدة تشمل البحث عن هوية وحماية ومعنى في بيئة أحكام طويلة، وبعضه جرى تحت ضغط اجتماعي، لكن الدراسة لم تجد دليلاً مباشراً على أن التحول داخل السجن يقود إلى سلوك متطرف. وقبل ذلك، خلصت المفتشة العامة للسجون آن أورز في مراجعتها الموضوعية عام 2010، المستندة إلى مقابلات مع 164 سجيناً مسلماً في ثمانية سجون ومؤسسات للأحداث، إلى أن أقل من واحد في المئة من السجناء المسلمين كانوا محكومين في جرائم متصلة بالإرهاب، وحذرت من مقاربة أمنية شاملة تتعامل مع المسلمين ككتلة واحدة، معتبرة أن ذلك يهدد بخلق "نبوءة تحقق ذاتها".
حتى بلوم نفسه، وهو الأكثر حدة في توصيف الظاهرة، أوصى الحكومة بأن تضاعف جهدها لترسيخ التمييز بين الإسلاموية المتطرفة والإسلام، وبين المتطرفين الإسلامويين والمسلمين، وهو تحفظ يغيب عادة عن التداول السياسي للأرقام، أما إيان أتشيسون، وهو من أشد المنتقدين لأداء مصلحة السجون، فقد قدم قراءة أقرب إلى علم اجتماع السلطة منها إلى العقيدة، إذ قال إن سجناء يتحولون استجابة عملية لمن يسيطر على القوة والمكان في سجوننا، وإن ذلك يظهر خصوصاً في السجون الشديدة الحراسة حيث "السلامة سلعة نادرة" وحيث أعداد كبيرة من الشبان العنيفين تبحث عن معنى وانتماء، ليخلص إلى أن "الإسلام هنا يحمل خصائص العصابة". وهي جملة تنقل الاتهام من حقل الدين إلى حقل إدارة السجون، وتضع المسؤولية على دولة فقدت السيطرة على العنابر قبل أن تضعها على عقيدة بعينها.
ثمة ثلاثة جوانب رئيسة في هذا الشأن، الأول إحصائي يقوم على مطالبة وزارة العدل بنشر بيانات وطنية منتظمة عن تغيير الديانة داخل السجون وعن بلاغات الإكراه الديني، وهو المسار الوحيد القادر على تحويل الجدل من الانطباع إلى القياس، أما الثاني فهو تنظيمي، ويمر عبر تنفيذ توصيات هول في شأن مراكز الفصل وإعادة بناء قدرة الضباط على التدخل من دون خشية التقاضي، وهو ما ربطته الحكومة بردها المنتظر على المراجعة. والجانب الثالث سياسي، وفيه يتحول الرقم إلى مادة في سجال أوسع عن مكانة الإسلام في المجال العام البريطاني، بعيداً من السجون التي انطلق منها. والمفارقة أن الجوانب الثلاثة تتغذى من الفراغ نفسه: غياب رقم يقيس ما يجري فعلاً خلف الأبواب المغلقة. وما دام هذا الفراغ قائماً، سيظل كل طرف قادراً على أن يقرأ في الرقم 3218 ما يريد أن يجده فيها.