ملخص
لا يمهل الجيش الإسرائيلي الوقت الكافي للفارين لأخذ أمتعتهم وأدويتهم والأوراق الثبوتية... روايات لسكان البنايات التي قصفت بعد 10 دقائق فقط على إنذارها.
اتصل ضباط الجيش الإسرائيلي بأمجد الذي يسكن برج النور السكني ليقولوا "معكم 10 دقائق فقط لإخلاء البرج، أبلغ جميع السكان، عليكم التوجه جنوباً نحو المنطقة الإنسانية في المواصي"، ثم أغلق السماعة، وترك خلفه الغزاوي حائراً في المدة القصيرة التي منحه إياها كمهلة لهرب سكان العمارة من الموت تحت أنقاض البناية التي تحولت إلى كومة ركام.
"ماذا أفعل الآن؟" يخاطب أمجد نفسه قبل أن يهرع مسرعاً ليبلغ أهل بيته بضرورة الهرب خلال 10 دقائق، وبعدها بدأ يطرق على أبواب الشقق السكنية يبلغهم بضرورة المغادرة تمهيداً لقصف البرج، الكل كان يتساءل عن الوجهة الجديدة وبصوت مرتجف يجيب الرجل "إلى الجنوب".
وقت قصير
10 دقائق فقط هي المدة التي يمنحها الجيش الإسرائيلي لإخلاء الأبراج السكنية، يقول أمجد "البناية مكونة من 11 طبقة يعيش فيها 75 عائلة، لدى كل أسرة أطفال ونساء وكبار في السن، وهناك عدد من الجرحى وذوي الإعاقات الحركية، الوقت الممنوح لنا ضيق للغاية".
داخل شقة أمجد الجميع تائه، الأم تراقب الساعة وتسحب من خزانتها العباءة والحذاء، والأب مثلها يأخذ القليل من الملابس وكذلك الأبناء، مرت خمس دقائق على المهلة، يتشاور الأب مع عائلته "ماذا سنأخذ الآن؟".
تجيب الأم غادة "لا شيء سنهرب الآن الدقائق تمر، ما تبقى من وقت لا يكفي لنزول الدرج"، يركض الجميع وكلهم حائرون في مصيرهم بعد قصف البرج السكني، وما إن ابتعد السكان مسافة 500 متر عن الموقع، حتى أغارت الطائرات على العمارة وحولتها لكومة خراب.
ترك المستلزمات أشد مرارة
على رغم مرارة قصف البرج، هناك ما هو أصعب من ذلك، في زاوية الشارع تجلس الجارة سوسن وجهها مليء بالتجاعيد وظهرها انحنى من ويلات الزمان، تقول "الحجارة تناثرت، لم يكن لدي وقت لأحضر مستلزماتي الأساسية، الآن أنا من دون شيء".
كلمة "من دون شيء" قاسية جداً وتحمل عذابات في طياتها، لا تملك الجدة سوسن فراشاً ولا وسائد ولا أدوية ولا ملابس، تقول "اتكأت على عكازي ونزلت الدرج، كانت المهلة محدودة للغاية، حاولت أن ألملم بعض أغراضي لكن لم يمهلونا وقتاً".
تعيش الجدة سوسن في الشارع، ولا تريد الانصياع لتعليمات الجيش الإسرائيلي ومغادرة مدينة غزة نحو الجنوب، فهي تعرف أنه لا أمان هناك ولا جغرافيا كافية للخيام ولا حتى خدمات لوجيستية وإنسانية.
أوامر سادية
وسع الجيش الإسرائيلي هجومه الجوي على مدينة غزة، وطلب من جميع السكان إخلاء المدينة فوراً إلى المناطق الوسطى والجنوبية في القطاع، تمهيداً لبدء هجوم بري وشيك، وكثف من قصف أكبر مجمع حضري في القطاع وركز على تدمير الأبراج السكنية، مما دفع الحشود إلى النزوح وهم يحملون ما أمكن من أغراض شخصية.
قصي تلقى إنذاراً لقصف مربع سكني في مدينة غزة، بخليط من اللغة العربية والعبرية كان يأمره ضابط الجيش بالإخلاء، يقول "كان كلامه فيه كثير من السادية" يختنق صوته بالحسرة ويتابع "يسارع الناس في الرحيل ويخشى الجيران من تضرر منازلهم وعدم قدرتهم على جمع مستلزماتهم الأساسية".
لا يبكي قصي على شقته، يقول "لم يتبق من غزة إلا ركام، وأهل غزة كلهم حطام فعلى ماذا نبكي؟ تحول كل شيء في حياتنا إلى مأساة، حتى أدنى مقومات العيش لم أستطع إحضارها من شقتي لا وسادة ولا قطعة أثاث".
الآن مطلوب من قصي دفع كلف نقله إلى الجنوب بقيمة 1200 دولار، ومن ثم شراء خيمة بقيمة 1500 دولار، واستئجار قطعة أرض بنحو 300 دولار، وبعد ذلك إعادة تجهيز مستلزمات إيوائه من أغراض مطبخ وفراش وملابس وأحذية.
مع عدم قدرة قصي على إخراج مستلزماته يستغيث "ساعدوني بأي طريقة، زودوني بطعام أو دواء، أوامر الإخلاء حولت كل شيء إلى كابوس متواصل، الآن نحن عالقون في الشوارع بلا حماية، بلا أي بصيص أمل، نحن في الشارع بلا سقف يحمينا وبيت يأوينا، حتى الكلام يعجز عن وصف ما نعيشه".
تحت الأنقاض
مع كل أمر إخلاء تتضاعف المأساة ويجد السكان أنفسهم فجأة بلا مأوى ولا فرصة لإنقاذ أمتعتهم ولا حتى لحماية أوراقهم الثبوتية أو أدوية مرضاهم، ومعظم العائلات لم تستطع أن تنقل شيئاً من مقومات حياتهم، إذ أتت الإنذارات بالقصف مفاجئة وبمهلة محدودة، يكاد السكان يستغلونها للهرب تاركين وراءهم حياتهم كلها تتناثر بين الركام.
نغم خرجت مسرعة بطفلها المريض وتركت كل شيء خلفها "جواز السفر وأوراق العلاج والأدوية والملابس وحتى وسادة ابنها الصغير" كل ذلك تبخر مع سقوط الصواريخ، وأصبح من المستحيل استعادته.
تعيش نغم في الشارع، بلا لباس ولا مأكل وهي عاجزة أمام الحاجة والفقر والخذلان، لم تستطع أن تحمل شيئاً معها حين سقط بيتها، تنام على الأرض، وكانت تعتقد أن النزوح قد يوفر قدراً من الأمان، لكنها اكتشفت أن التشريد المستمر لا يحمل إلا مزيداً من العذاب، وتقول "ليس لدي مكان ثابت ولا بيت ولا حتى مساحة صغيرة للراحة، أدرك أن فقدان البرج لم يكن النهاية فحسب، بل بداية رحلة شاقة من الضياع والتشتت، حيث لا تبدو النهاية قريبة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حكم بالإعدام
يدمر الجيش الإسرائيلي بنايات غزة تنفيذاً لخطة عسكرية تقضي بإفراغ المدينة وترحيل المدنيين قسراً تمهيداً لإعادة احتلال أكبر مجمع حضري، وتقول المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" أولغا شيريفكو "حكم على مدينة غزة بالإعدام، إما المغادرة وإما الموت، أمر مئات الآلاف من المدنيين المنهكين والمرهقين والمذعورين بالفرار إلى منطقة مكتظة"، وتضيف "86 في المئة من مدينة غزة تخضع لأوامر إخلاء أو أصبحت مناطق عسكرية، مما يترك السكان من دون أي مكان آمن للجوء".
في إسرائيل ما زال الجيش يطالب سكان مدينة غزة بالخروج من ديارهم وإخلاء المدينة والنزوح جنوباً، ويقول المتحدث العسكري أفيخاي أدرعي "المدينة بالكامل منطقة قتال خطرة يجب تركها فوراً، قاطنو مدينة غزة يجب عليهم الرحيل إلى المنطقة الإنسانية"، ويضيف "جيش الدفاع مصمم على هزيمة ’حماس‘ في غزة، ولذلك نوسع وتيرة الهجمات"، وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "هذه الهجمات ليست سوى بداية لحملة برية واسعة في مدينة غزة".