ملخص
كيف تستغل "حماس" الردم لزرع عبوات تستهدف الجيش الإسرائيلي؟
تحاول المعدات العسكرية تفادي الأمر عبر مستشعرات حرارية للكشف عن الألغام تحت الأرض، وقد طلب قادة الجيش من الجنود تغيير طرقهم المعتادة لتفادي الفخاخ.
بعد ساعة من دخول جنود الجيش الإسرائيلي بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة للقضاء على بقايا عناصر الفصائل الفلسطينية، وعندما اقتربت القوات من كومة ردم وأنقاض مبان دمرها الجيش، فجر مسلحو حركة "حماس" سلسلة عبوات ناسفة فيهم كانت مزروعة بين الحجارة المدمرة، مما أدى إلى مقتل خمسة جنود وإصابة 14 آخرين، وقد أظهر هذا الكمين كيف لجأت الحركة إلى اعتماد وسيلة جديدة لمواجهة القوات الإسرائيلية عبر استغلال المناطق التي بات الجيش الإسرائيلي يتحرك فيها بكل أريحية، باعتبار أنها غير قابلة للسكن ولا حتى التحرك، لاستهداف تلك القوات، فقد استغل مقاتلو "حماس" الردم وأنقاض المباني والحجارة المتناثرة كسلاح لمواجهة القوات الإسرائيلية، وحوّلوا طوبوغرافيا غزة التي باتت عبارة عن أنقاض في كل متر من جغرافية الأرض إلى ساحة جديدة لمواجهة القوات الإسرائيلية، لكن كيف تستغل "حماس" الردم لزرع عبوة ناسفة تفجرها عن بعد؟
عبوات ناسفة بين الأنقاض
وفي تفاصيل "كمين بيت حانون" الذي كشف عن تحول الردم والأنقاض إلى وسيلة مواجهة بين إسرائيل و"حماس"، فإنه عندما دخلت قوة من "كتيبة-97"، والتي تسمى "نتساح يهودا" التابعة للواء كفير، سيراً على الأقدام وكانت تمشي قرب أنقاض مباني بلدة بيت حانون التي دمرها الجيش الإسرائيلي، فجّر عناصر "حماس" عبوة ناسفة في الجنود، وعندما حاولت القوات إنقاذ المصابين ومعالجتهم جرى تفجير عبوة ناسفة إضافية، وعند وصول فرق الإنقاذ لإخلاء المصابين جرى تفجير عبوة ثالثة، ثم فتح المسلحون النار بكثافة باستخدام رشاشات أوتوماتيكية وأطلقوا النار من بين أنقاض بيت حانون، وكانوا يراقبون القوة.
وكانت الحادثة مباغتة ومدروسة مما استدعى فتح الجيش الإسرائيلي تحقيقاً فيه خلصت النتائج إلى أن جميع العبوات الناسفة زرعت في أنقاض المباني وبين الردم وتحت الحجارة المتناثرة نتيجة القصف وتدمير البلدة، وجرى إعدادها قبل الهجوم بنحو 24 ساعة، وجرى تفجيرها عن بعد.
وتعقيباً على تلك الحادثة سلطت إذاعة الجيش الإسرائيلي الضوء على العبوات الناسفة بالدرجة الأولى، وذكرت في تقرير لها أن "هناك زيادة في جرأة مقاتلي 'حماس' خلال الأسابيع الأخيرة، وزيادة أخرى في استخدام العبوات الناسفة التي باتت تعد التهديد الأكبر على القوات في غزة".
تحت الركام
ومن بين ملاحظات الجيش الإسرائيلي فإن العبوات الناسفة بات تزرع في كمائن على الطرق حيث تسببت بمقتل 19 عسكرياً، أو في مبان مدمرة وأنقاض منازل وتحت الحجارة والركام مما تسبب في مقتل ستة جنود، وأدت هذه الأساليب الجديدة في تفخيخ المناطق إلى تسجيل 70 في المئة من الإصابات وسط صفوف القوات التي تحارب في غزة.
وتقول إذاعة الجيش الإسرائيلي إنه "على رغم عمليات التطهير السطحية تحرك 'حماس' قواتها وفرقها بين ركام غزة وأنقاض المباني، وهكذا تمكنت الحركة من تحويل الردم إلى سلاح جديد لتكبيد القوات خسائر إضافية".
تدمير غزة الكبير ساعد المسلحين
وتعقيباً على ذلك يقول الباحث العسكري يوسف الشرقاوي إن "تجربة استخدام الأنقاض وهياكل المباني المدمرة والردم والحجارة المتناثرة كسلاح ضد الجيش الإسرائيلي يعد استنساخاً لما استخدمته المقاومة جنوب لبنان عام 2000، وحينها جرى تمويه العبوات الناسفة بين ركام الحرب"، مضيفاً أن "مقاتلي 'حماس' تعلموا من التجارب وساعدهم في ذلك التدمير الإسرائيلي الهائل لمباني قطاع غزة، وبهذا الشكل استخدمت 'حماس' الأنقاض كدرع دفاعي بدل الخنادق والمتاريس، وحتى عوضاً عن الأنفاق التي تضررت".
ووفقاً لبيانات الأمم المتحدة فإن إسرائيل دمرت نحو 75 في المئة من مباني غزة، وخلفت الحرب أكثر من 50 مليون طن من الركام الذي لا يزال في موقعه، ولم يجر التخلص منه، إذ تحتاج هذه العملية إلى عشرات السنين لإزالة الركام."
التكيف مع طبيعة الطبوغرافيا الجديدة للقطاع
ويشير الشرقاوي إلى أن "حماس" تمكنت من التكيف مع الطبيعة الجديدة لغزة واستفادت من التضاريس التي خلقها الجيش عندما دمر المباني، ويضرب مثلاً شعبياً بأن "الأرض تقاتل مع أصحابها"، ثم يعقب "بات الردم سلاحاً في يد عناصر الفصائل"، موضحاً أن العبوات مموهة فقد أخفاها عناصر "حماس" بين أنقاض المباني ووسط الردم والركام، وهو ما يعد استخداماً مثالياً لتحويل الطوبوغرافيا إلى سلاح، مشيراً إلى أن حرب غزة هي حرب المدن وفيها تكون البنايات ساتراً ومدافعاً عن المقاتل، لكن تغيرت طبيعة الطبوغرافيا وتحولت المباني لأنقاض وركام، وصارت هذه الحجارة المدمرة تخدم المقاتلين.
ومن وجهة نظر عسكرية يرى الشرقاوي أن الأنقاض تعد سلاحاً تكتيكياً ولكن الدمار الهائل في غزة حولها لسلاح إستراتيجي مواز للأنفاق، لافتاً إلى أن إسرائيل تحتاج إلى تجريف كل متر من أجل درء الخطر الذي تواجهه من الأنقاض، وإذا فكرت تل أبيب بنقل الركام إلى البحر فهذا يعني حرباً طويلة جداً وربما أبدية، إذ يوجد في كل متر من مساحة غزة البالغة 356 كيلومتراً مربعاً آلاف الكيلوغرامات من الأنقاض التي قد تستخدمها "حماس" كسلاح لمواجهة القوات الإسرائيلية، سواء لزرع الألغام أو حتى للتخفي فيها.
أسلوب جديد
وسلطت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية الضوء على نقاط ضعف الجيش الإسرائيلي وذكرت أن "حماس" تستفيد من المناطق الريفية المدمرة كبيئة مناسبة لزرع العبوات الناسفة، حيث فخخت "كتائب القسام" كثيراً من الشوارع والمنازل المهجورة وأنقاض المباني وركام الحارات من أجل الاستعداد بقوة لمواجهة قوات الجيش.
وذكرت "معاريف" أن الأسلوب الجديد في تحويل أنقاض الأبنية المهدمة إلى مناطق قتل للجنود يعد من أشكال حرب العصابات، كما تستغل قدراتها في كمائن العبوات الناسفة وأفضليتها الدفاعية وخبرتها في تضاريس غزة، وتزرع وسطها العبوات الناسفة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الأنقاض كسلاح وليس ساحة معركة
ويقول أستاذ العلوم العسكرية اللواء رائد صافي إن "الفصائل نجحت في توظيف الهندسة الميدانية للمواجهة كأحد أبرز أسلحتها خلال الحرب، والكمائن التي تنصب داخل أبنية مدمرة تظهر تطوراً في استخدام الأرض كسلاح لا كساحة معركة فقط".
ويضيف صافي أنه "لم يكن استخدام الردم كسلاح وليد الصدفة بل ثمرة تخطيط ومهارة في استغلال التضاريس والبنية التحتية المدمرة للمدينة، إذ لا تكتفي العناصر المسلحة في تفخيخ المباني بل تتخذ من الأماكن المدمرة ساحة مواجهة، كما حولت 'حماس' الأنقاض إلى أدوات خداع عسكري".
ويقول متحدث "حماس" جهاد طه إن "معركة الاستنزاف التي يخوضها مقاتلونا مع إسرائيل تكبدنا كل يوم خسائر إضافية، إذ يستغل مقاتلونا جميع الإمكانات البسيطة لتكبيد الجيش خسائر كبيرة ومؤلمة، ونحن نطور جميع الوسائل الدفاعية المتاحة لإيذاء القوات المعادية الذين يقتلون أبرياء غزة".
أما في إسرائيل فقد فقال المتحدث العسكري نداف شوشاني "بدأنا في اتخاذ تدابير حماية أكثر، وتحاول المعدات العسكرية تفادي الأمر من خلال مستشعرات حرارية للكشف عن الألغام تحت الأرض، وكذلك أي تغيير يحدث في مسرح الأرض، وقد طلب قادة الجيش من الجنود تغيير طرقهم المعتادة في الحركة ودرس المناطق التي يسيطر عليها عناصر 'حماس' لتفادي الفخاخ".