ملخص
بدلاً من الانسحاب جزئياً، عززت القوات وجودها بحجة الضرورة الأمنية القصوى الناتجة من الحرب الإقليمية، والآن لم تعد تتعامل مع غزة كساحة حرب بل كمنطقة أمنية خاضعة لسيطرتها المباشرة والدائمة، مستغلة انشغال العالم بملف إيران لتنفيذ هذا المخطط بصمت".
بينما ينشغل العالم بمتابعة تطورات الحرب على إيران، تستغل كل من إسرائيل وحركة "حماس" هذه التوترات الإقليمية والاهتمام العالمي بها، ليفرض كل طرف سيطرته على قطاع غزة بطريقته وأساليبه التي تمهد له الطريق للبقاء أطول فترة ممكنة في المدينة التي دمرتها الحرب، بينما تقدم لها الولايات المتحدة وعداً بالسلام والازدهار.
تسارع إسرائيل خطواتها في إحكام القبضة الأمنية على غزة، وكذلك تسابق "حماس" الأيام في ترتيبات تساعدها في إحكام القبضة على جميع مفاصل الحياة في القطاع، وكأن طرفي الحرب في سباق مستمر إذ يبذل كل منهما جهداً مضنياً هدفه السيطرة على المنطقة المدمرة مهما كان لذلك من تأثير في حياة النازحين في الخيام البالية.
مربعات أمنية جديدة
مع أول صاروخ إيراني سقط على إسرائيل، انشغل العالم بالحرب مع طهران، لكن تل أبيب استغلت هذه الحادثة ووجهت أنظارها نحو قطاع غزة وبدأت في تعزيز سيطرتها العسكرية وتثبيت واقع جديد في مدينة الأنقاض مستغلة التوترات الإقليمية الأكبر من قضايا غزة.
أول خطوة نفذتها إسرائيل، تعطيل التقدم في المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام والازدهار في غزة، إذ كان مطلوب منها توسيع المساعدات الإنسانية لتشمل مواد البناء والانسحاب من الخط الأصفر وتسليم الإدارة لحكومة التكنوقراط، لكن بدلاً من ذلك عملت على ترسيخ وجودها العسكري من أجل تثبيت السيطرة الميدانية.
بحسب المتابعة الميدانية، فإن إسرائيل شيدت نحو 13 قاعدة عسكرية على طول الخط الأصفر، وشبكة القواعد هذه ثابتة وتتوزع استراتيجياً لتقسيم القطاع إلى مربعات أمنية معزولة ومحاور الفصل الرئيسة. يعقب الباحث السياسي شادي مدوخ "تحاول تل أبيب تثبيت السيطرة الميدانية من خلال تحويل الوجود العسكري من حال عمليات هجومية موقتة قائمة على مبدأ الكر والفر إلى حال احتلال هيكلي دائم، بحيث يصبح الجيش مسيطراً على جغرافيا القطاع".
في الميدان، لم تعد القوات الإسرائيلية تتمركز في دبابات أو خيام موقتة، بل شيدت منشآت خرسانية وأبراج مراقبة محصنة وشبكات اتصالات مستقلة، وعمل سلاح الهندسة على تعبيد الطرق العسكرية مما يعني نية البقاء لفترات طويلة، وأيضاً وسعت السيطرة على المساحة لتصبح 54 في المئة من الأرض مناطق لوجود الجنود، وكذلك استكملت تل أبيب بناء المنطقة العازلة، وعملت على تزويدها بأجهزة استشعار ورادارات أرضية وكاميرات تعمل بالذكاء الاصطناعي مرتبطة بغرف عمليات داخل القواعد الجديدة.
يقول الباحث السياسي مدوخ "استغلت إسرائيل التوتر مع إيران لتجميد المرحلة الثانية، فبدلاً من الانسحاب جزئياً، عززت القوات وجودها بحجة الضرورة الأمنية القصوى الناتجة من الحرب الإقليمية، والآن لم تعد تتعامل مع غزة كساحة حرب بل كمنطقة أمنية خاضعة لسيطرتها المباشرة والدائمة، مستغلة انشغال العالم بملف إيران لتنفيذ هذا المخطط بصمت".
تثبيت الواقع الميداني
ومن بين الإجراءات أيضاً التي تعزز فيها إسرائيل سيطرتها على غزة، تصميم خطط هجومية جديدة بهدف توسيع مناطق السيطرة في مدينة غزة ودفع خطوط التماس غرباً باتجاه الساحل، وكل ذلك يحصل تحت إشراف قائد المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي اللواء يانيف عآسور، الذي يقول إن خطته تهدف إلى إحداث تغيير جوهري في جغرافيا السيطرة داخل غزة.
يريد عآسور دفع خطوط التماس الحالية من الأطراف الشرقية باتجاه العمق الغربي، مما يعني حصر الوجود الفلسطيني في جيوب أصغر وأكثر عزلاً، ثم فصل أحياء مثل الرمال وتل الهوى عن بقية أجزاء المدينة، من خلال إنشاء ممرات أمنية، وأخيراً إنشاء مربعات أمنية ذكية تتم مراقبتها بالذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
ومن بين الإجراءات الإسرائيلية التي تستغل فيها تل أبيب الزخم العسكري الناتج من المواجهة مع إيران لتثبيت واقع ميداني جديد في غزة، تثبيت سياسة الحصار والقيود، إذ تغلق كثيراً من المعابر الحدودية أبرزها معبر رفح، متذرعة بالمخاوف الأمنية الناتجة من الحرب مع طهران، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية، وهذا يحول المساعدات إلى أداة ضغط سياسي وعسكري.
يقول الباحث العسكري عزام أبو عاصي "تنفذ هذه الإجراءات تحت ذريعة حال الطوارئ الناتجة من الحرب مع إيران، إذ تستغل إسرائيل انشغال المنظومة الدولية للتوسع ميدانياً وفرض واقع يصعب التراجع عنه في غزة، تعتبر هذه التحركات بمثابة إعلان عملي عن نهاية المرحلة الموقتة للعمليات العسكرية والبدء في مرحلة الاستقرار العملياتي الدائم"، ويضيف "السياسة الإسرائيلية تقوم على إبقاء الملف الفلسطيني مفتوحاً من دون حلول نهائية، لذلك تتذرع بالتهديد الإيراني لتعطيل تنفيذ المرحلة الثانية، مفضلة الاستمرار في إدارة الصراع ميدانياً بدلاً من الانتظام في حلول، هذه الخطوات جزء من استراتيجية تثبيت الواقع التي تهدف إلى جعل الوجود العسكري الإسرائيلي في غزة أمراً واقعاً يصعب التراجع عنه دولياً في ظل التوترات الإقليمية الكبرى".
توقيت استراتيجي
في الواقع، تعتبر إسرائيل أن التوقيت الحالي الذي يشهد مواجهة مباشرة مع إيران يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز سيطرتها على قطاع غزة، يقول أبو عاصي "في ظل تركيز الانتباه الدولي على منع تحول الصراع الإيراني - الإسرائيلي إلى حرب إقليمية شاملة، تقل الضغوط الدبلوماسية المسلطة على إسرائيل في شأن عملياتها في غزة".
ويشير أبو عاصي إلى أن إسرائيل تستخدم حال الطوارئ الحربية مع إيران لتبرير إجراءات عسكرية قاسية في غزة، فهي ترى أن ضرب طهران يضعف الأطراف مثل "حماس" في القطاع مما يمنح الجيش الإسرائيلي حرية حركة أكبر لتفكيك ما تبقى من قدرات عسكرية من دون الخشية من رد فعل إقليمي، مظهراً أن الحرب مع إيران توفر لإسرائيل درعاً سياسية تسمح لها بإعادة هندسة قطاع غزة أمنياً وجغرافياً بعيداً من المراقبة الدولية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اتهام حمساوي وعدم نفي إسرائيلي
توجه "حماس" اتهامات علنية لإسرائيل في شأن استغلال انشغال المنطقة بالحرب على إيران من أجل فرض وقائع جديدة على الأرض في غزة، يقول متحدث الحركة حازم قاسم "توسيع عمليات القصف والقتل والاغتيالات بصورة يومية، بالتوازي مع تشديد القيود على دخول المساعدات الإنسانية وإغلاق المعابر، كلها سياسات تندرج ضمن محاولة إسرائيلية لتغيير المعادلات الميدانية"، ويضيف "إسرائيل تسعى إلى تثبيت واقع أمني جديد في غزة وتتجاهل أي مسار سياسي أو دعوات دولية لتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، لذلك تجري ’حماس‘ اتصالات مستمرة مع الوسطاء وتضعهم في صورة الخروق الإسرائيلية المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار".
لا تنكر إسرائيل تنفيذ إجراءات تعزز من سيطرتها على غزة، يقول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو "تل أبيب لا تحارب ’حماس‘ فحسب، بل تحارب أخطبوطاً إيرانياً، والسيطرة الأمنية المطلقة على غزة هي صمام الأمان لمنع تحول القطاع إلى قاعدة إيرانية متقدمة مرة أخرى، انشغال العالم بالصراع الإقليمي هو وقت العمل لضمان أمن إسرائيل للأجيال القادمة".
أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير فيقول "اتفاق خطة السلام والازدهار مات وشبع موتاً مع أول صاروخ إيراني سقط في بلادنا، لا عودة للمسارات السياسية الفاشلة بينما نخوض حرب الوجود الكبرى، هذه هي الفرصة التاريخية التي انتظرناها، القواعد العسكرية يجب أن تتحول إلى مساحة لمستوطنات يهودية تعيد المجد لشمال غزة، ومن يسيطر على الأرض يسيطر على المستقبل".
وأيضاً يقول المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي نداف شوشاني "إنشاء القواعد العسكرية على طول الخط الأصفر هو إجراء دفاعي ضروري في ظل التهديدات الإقليمية، الجيش يعيد تموضعه لضمان حرية العمل العسكري الكاملة وتفكيك أي بنية تحتية متبقية للفصائل، الظروف القاهرة بسبب الحرب مع إيران تمنح إسرائيل الحق القانوني والميداني في تأجيل تنفيذ أي انسحابات كانت مقررة في الاتفاقات".
"حماس" تسابق في تعزيز السيطرة على غزة
في الواقع، إسرائيل ليست وحدها التي تحاول السيطرة على غزة، فـ"حماس" أيضاً تسعى إلى ذلك، إذ عملت على إعادة نشر الشرطة المدنية بالزي الرسمي لتنظيم حركة السير وتأمين الأسواق، كذلك أعادت السيطرة على الإمدادات الغذائية من خلال فرض إتاوات وضرائب على البضائع التجارية التي تدخل عبر معبر كرم أبو سالم.
ونفذت "حماس" حملة لتصفية المنافسين، وتحاول التغلغل في لجنة التكنوقراط وإعادة تفعيل جهاز القضاء، كذلك تنشر على منصاتها مقاطع فيديو تظهر طواقمها وهم يصادرون بضائع محتكرة.
بصورة صريحة، توجه إسرائيل اتهامات لـ"حماس" بالسيطرة على غزة استغلالاً للحرب مع طهران، يقول رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير "’حماس‘ تنظر إلى فترات انشغال المنطقة بالصراع مع إيران كفرصة لإعادة تجميع صفوفها وبناء قوتها الأمنية والعسكرية من جديد".، ويضيف "’حماس‘ لم تكتف بالوجود العسكري، بل بدأت في إعادة تفعيل المحاكم وتعيين ضباط مرور في التقاطعات، وحتى فرض رسوم لوحات ترخيص جديدة للمركبات في المناطق التي لا يوجد فيها الجيش الإسرائيلي بكثافة، تحركات عناصر ’حماس‘ المسلحة انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار".
يوضح زامير أن تراخي الضغط العسكري في القطاع سمح لـ"حماس" بإعادة نشر عناصر شرطية وتفعيل منظومة جباية الأموال من التجار والمواطنين، فهي تحاول إثبات أنها لا تزال العنوان الوحيد للإدارة في غزة، فهي تمنع أي تاجر محلي من العمل من دون الحصول على تصريح أمني من أجهزتها، وهو ما يعد سيطرة اقتصادية واضحة".
تبرر "حماس" تحركاتها لتعزيز سيطرتها في غزة، على لسان القائم بأعمال رئيس المكتب السياسي خليل الحية "بالاستجابة لضرورة حماية المدنيين من عصابات السرقة الذين استغلوا غياب السلطة، وجود الشرطة هو الضمان الوحيد لمنع انهيار المجتمع الغزاوي داخلياً، شعبنا في غزة يثق بمن صمد معه في الخنادق، عودة الشرطة لتنظيم حياة الناس هي واجب وطني وأخلاقي لمنع الفوضى التي يخطط لها العدو".