ملخص
كثر من النازحين حرصوا على اصطحاب حيواناتهم معهم مع مغادرة منازلهم في المناطق التي وجهت إنذارات لأهلها لإخلائها. هؤلاء غادروا منازلهم مسرعين أمام الخطر الذي يواجهونه، ومن الممكن ألا يكونوا قد أخذوا معهم حاجاتهم الأساسية، إلا أنهم لم يتمكنوا من ترك تلك الحيوانات التي تشكل جزءاً من حياتهم وذكرياتهم وقصص عائلاتهم.
تؤدي الحيوانات الأليفة دوراً حيوياً في المنازل التي توجد فيها فتوفر الدعم العاطفي والرفقة وتخفف من التوتر لدى أصحابها، كذلك تصبح جزءاً لا يتجزأ من هذه الأسر التي تكون موجودة فيها، لكن ظروف الحرب تفرض على أصحاب هذه الحيوانات واقعاً لا يتمنونه أبداً.
ويبدو النزوح من التجارب المرة والقاسية عليهم، وفيما يتمسك نازحون بحيواناتهم ويصطحبونها معهم، هناك من تعاكسه الظروف وتفرض عليه تركها وراءه لعدم القدرة على اصطحابها. وتماماً كما تقسو الحرب بما فيها من دمار وقصف على البشر، كذلك تلقي بثقلها على الحيوانات. هي لا تقل قسوة عليها، وتحديداً تلك التي تركها أصحابها، سواء عمداً أو قسراً، في المنازل أو في الطرقات في المناطق المستهدفة بالقصف التي تم إخلاؤها. في الوقت نفسه تماماً كما أن المبادرات كثيرة لمساعدة المتضررين من الحرب، كذلك كثيرة هي المبادرات الهادفة إلى مساعدة الحيوانات التي شردت في المناطق المستهدفة بالقصف أو تركت في المنازل فيها، ومن المتطوعين من يتحدون القصف والخطر لإنقاذ هذه الحيوانات المتروكة.
حيوانات تركت للقدر ومبادرات تحميها
كثر من النازحين حرصوا على اصطحاب حيواناتهم معهم مع مغادرة منازلهم في المناطق التي وجهت إنذارات لأهلها لإخلائها. هؤلاء غادروا منازلهم مسرعين أمام الخطر الذي يواجهونه، ومن الممكن ألا يكونوا قد أخذوا معهم حاجاتهم الأساسية، إلا أنهم لم يتمكنوا من ترك تلك الحيوانات التي تشكل جزءاً من حياتهم وذكرياتهم وقصص عائلاتهم. اصطحبوها معهم إلى منازل انتقلوا إليها، أما من كانوا يتوجهون إلى مراكز الإيواء التي لا تستقبل الحيوانات الأليفة التي ترافقهم، فدبروا لها أماكن لاستقبالها.
تتحدث نور عن تجربتها في استقبال القطط وتوفير مكان آمن لرعايتها عندما يعجز أصحابها عن رعايتها لأي سبب كان، مشيرة إلى أنها لم تبدأ بتوفير مأوى آمن للقطط من الحرب بل قبلها بعام تقريباً. وقد أتت فكرة إطلاق هذه المبادرة عندما قررت أن تسافر لتتابع دراستها في الخارج، وقد تركت قططها لدى أحد الأشخاص لكنها هربت. لذلك، قررت أن تفتح في بيتها مأوى للقطط تستقبلها فيه. أما خلال الحرب فتواصل كثر معها من أجل استقبال القطط والكلاب الخاصة بهم، لعدم قدرتهم على اصطحابها إلى مراكز الإيواء كونها لا تستقبل الحيوانات الأليفة.
وقالت نور عن تجربتها "كل من يعجز عن تقديم الرعاية لقططه لأي سبب كان كالحرب أو السفر والنزوح أو غيره، يتواصل معي فأستقبلها وأقدم لها المأوى والأكل بعدما أجري الفحص اللازم لها، فإذا كانت القطة مريضة أستقبلها وأقدم لها العلاج اللازم من دون تحمل المسؤولية في ذلك، أما إذا مرضت عندي، فأتحمل المسؤولية كاملة، لكن إذا زاد العدد لدي أفضل ألا آخذ مزيداً من القطط حتى أتمكن من رعايتها كلها وتحمل المسؤوليات كما يجب".
تتقاضى نور سبعة دولارات في اليوم لقاء استقبال القطة لديها، فتؤمن لها الأكل والوجبات الصغيرة والمستلزمات التي تحتاج إليها وتتركها من دون قفص حرة في المنزل. وعلى رغم أنها كانت تفكر بزيادة المبلغ الذي تتقاضاه لقاء هذه الخدمات، عادت وقررت، مع اندلاع الحرب، تجنب أي زيادة بسبب الأوضاع لمراعاة ظروف الناس في هذه المرحلة الصعبة التي يمرون بها.
حال رعب تعيشها الحيوانات
قصة ديانا مع القطط التي ترعاها تحمل كثيراً من التحديات سواء قبل الحرب أو خلالها. بالفعل، كانت تربي أكثر من 150 قطة تعيش معها في الضاحية الجنوبية لبيروت كونها تعشق القطط من طفولتها وقررت في مرحلة ما أن ترعاها وتربيها من شدة اهتمامها بها، لكن نظراً إلى الصعوبات التي واجهتها مع هذا العدد الكبير من القطط بعدما استغنى أصحابها عن عدد كبير منها في جائحة كورونا وفي الأزمة الاقتصادية، قررت أن تعرض قسماً منها للتبني حتى تلقى رعاية فضلى.
إلا أن تعلقها الشديد بتلك القطط التي أصبحت بمثابة عائلة لها كونها تعيش وحيدة بعدما سافر ولداها، منعها من الموافقة على التخلي عنها كلها، فقد اختارت منها تلك التي استغنى عنها أصحابها في الأعوام الأخيرة، أما تلك التي تعيش معها من أعوام كثيرة فترفض التخلي عنها، لكن أتت الحرب بمزيد من التحديات لديانا. وقالت إنها مكثت في ضاحية بيروت الجنوبية مع عشرات القطط التي لديها، إلى أن اشتد القصف وبدأت تلاحظ حال الرعب التي تعيشها القطط، فلم تتمكن من تركها في هذه الظروف وقررت نقلها إلى أحد المنازل، "الأسبوع الماضي، اتخذت قرار الانتقال سريعاً، وبالكاد تمكنت من وضع القطط في السيارة ولم أتمكن حتى من نقل حاجاتي مع اشتداد القصف، لكنها أصبحت كلها بأمان وأعطيها الاهتمام ذاته بعد كل الضغوط التي تعرضت لها ومشاعر الخوف التي كانت واضحة عليها أثناء الوجود في الضاحية، حالياً، يساعد البعض في تأمين الغذاء لها وبعض المستلزمات في مكان آمن أكثر هدوءاً".
لكن، في مقابل من تمكنوا من توفير المأوى المناسب والرعاية لحيواناتهم الأليفة، كثر لم تسمح لهم ظروفهم بأن يتخذوا قراراً باصطحاب حيواناتهم معهم إلى المنازل التي انتقلوا إليها أو في الأقل تأمين مأوى لائق لها، فهناك من تركوا حيواناتهم خلفهم في المناطق المستهدفة، إما عمداً لعدم إمكان اصطحابها أو لأنهم لم يتمكنوا من أخذها معهم لسبب أو لآخر. ومن الأسباب التي أدت إلى ذلك أن هذه الحيوانات فرت أو اختبأت بسبب الخوف الشديد، ولم يكن من الممكن إيجادها في الوقت المناسب عندما حان وقت المغادرة سريعاً بسبب تهديدات الإخلاء التي فرضت على المواطنين المغادرة سريعاً حتى من دون الأغراض الأساسية.
ما أوضحته ريم صادق مسؤولة العمليات في جمعية تعنى مباشرة بحماية الحيوانات، أن المشكلة الأساسية كانت في القطط في ظروف الحرب، "فمعظم الحالات التي كانت هناك عمليات لإنقاذها في المناطق المستهدفة في ضاحية بيروت الجنوبية وفي البقاع (شرق) والجنوب، هي لقطط كانت قد اختبأت من شدة الخوف في أماكن يستحيل إيجادها فيها لأن القطط بطبيعتها تخاف كثيراً كونها ليست معتادة على الأصوات المرتفعة ولا على الخروج من المنازل كما تفعل الكلاب التي ترافق عادة أصحابها عند الخروج، لذلك، في هذه الظروف الصعبة، كانت القطط تختبئ في أماكن يستحيل إيجادها فيها، كان هذا السبب الأساس في ترك أصحابها لها عند المغادرة على عجلة، بما أنه لم يتسن لهم الوقت الكافي للبحث عنها وكشف المكان الذي وجدت فيه، وبدأت الغارات قبل أن يتمكنوا من ذلك، ومن الحالات تلك التي لأشخاص انتقلوا إلى منازل أقارب وتركوا الحيوانات في منازلهم الأساسية من دون أن يتوقعوا أن الأمور قد تتطور بهذه الصورة وبهذه السرعة".
تركزت معظم عمليات الإنقاذ في ضاحية بيروت الجنوبية، ويأتي أصحاب هذه الحيوانات للتبليغ عن حيواناتهم ويعرضون أنفسهم للخطر إلى جانب فريق الإنقاذ لإيجادها، أما الحالات التي ترك فيها الناس حيواناتهم فيها عمداً في منازلهم لدى مغادرتها فقليلة جداً، بحسب صادق التي أضافت "الناس، بمعظمهم، تواصلوا معنا، وقد وردنا أكثر من 200 اتصال من بداية الحرب لأشخاص لم يتمكنوا من الوصول إلى حيواناتهم، لذلك، يدخل فريق العمل من الجمعية إلى الضاحية مرات عدة في اليوم بحثاً عن الحيوانات الضائعة فيها. نجدها في حال رعب بكل ما للكلمة من معنى كونها موجودة في منطقة تحت القصف، نحن نعمل مع أصحاب هذه الحيوانات على البحث عنها، وعلى رغم أننا نملك الخبرة اللازمة لإيجاد الأماكن التي يمكن أن تختبئ فيها بوجود أصحابها الذين يشاركون البحث، فقد تتطلب عملية كهذه قرابة ساعتين نظراً إلى المخابئ التي تكون فيها، وقد تكون المنازل التي اختبأت فيها هذه الحيوانات متضررة لكن هذه القطط وجدت لها مكاناً تختبئ فيه، لكن هناك حالات أيضاً طارت فيها حيوانات من النوافذ من طوابق عدة بسبب عصف الغارات، وأذكر حال هرة أسعفناها طارت من الطابق الرابع من النافذة، وأصيبت بكسر في العمود الفقري وتعرضت للشلل التام".
بصورة عامة معظم طلبات المساعدة التي وردت هي لأشخاص خرجوا من منازلهم ولم يتمكنوا من توفير مكان آمن للحيوانات أو أنهم لم يجدوها، علماً أن أفراد الجمعية ومتطوعيها في مختلف المناطق اللبنانية يخاطرون بحياتهم من أجل القيام بهذه المهام في عمليات يومية مستمرة لتلبية الطلبات كافة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الخوف أكبر لدى الهررة
وسط هذه الأجواء، أوضحت الطبيبة البيطرية كريستال أبي جرجس أن القطة قد تكون بالفعل أكثر ميلاً إلى الشعور بالخوف من أي عامل خارجي بالمقارنة مع الكلب مثلاً، لكن ظروف الحرب تؤثر في الكل حكماً، "وهذا ما يفسر نوبات الهلع التي نشهدها لدى الكلاب والقطط على حد سواء نظراً إلى شدة القصف ووقعه، فالأثر نفسه وتعيش الحيوانات حال توتر قصوى ومنها ما امتنع عن الأكل. في الظروف التي تمر بها البلاد أصبح الخطر معروفاً، فمن يعيش في المناطق المستهدفة ليس بأمان وهو يدرك ذلك ويعلم جيداً أن القصف لا يأتي بصورة مفاجئة، وأكثر بعد، تأتي الإنذارات بالإخلاء التي تمهل الناس ساعات لمغادرة منازلهم والمناطق التي يعيشون فيها، ولا يحصل القصف بصورة مفاجئة في المرحلة الحالية، لذلك يملك الناس الوقت الكافي للاستعداد وتحضير حاجاتهم وحيواناتهم الأليفة للمغادرة واصطحابها معهم"، وتابعت أبي جرجس "بالنسبة إلى القطط بشكل خاص، يمكن اصطحابها إلى أي مكان كان، ولا مبرر لتركها في مكان القصف في المناطق المستهدفة بسبب عدم إمكان اصطحابها. في أماكن معينة قد يكون الكلب غير مرحب به، ومن الممكن تأمين مكان آمن له ليمكث فيه، لكن بصورة عامة لأن القصف لا يأتي بطريقة عشوائية ويملك الجميع الوقت الكافي حفاظاً على هذه الأرواح ولتأمينها في مكان آمن، من غير المقبول أن يرحل أي كان تاركاً الحيوان الأليف الذي لديه تحت الخطر مهما كانت الظروف. فثمة وقت كافٍ دائماً لاصطحابها، وهناك مبادرات كثيرة ومآوى يمكن اللجوء إليها لتأمينها خلال هذه الفترة بالنسبة إلى النازحين، وهذه الأماكن، إما أنها تقدم هذه الخدمات مجاناً أو أنها تتقاضى بدلاً رمزياً لقاء ذلك. ومن العلامات التي يمكن ملاحظتها على الحيوانات التي تعاني حال رعب جراء القصف التحول إلى العدوانية أو الخوف من اقتراب أي شخص منها، وتظهر ردود الفعل هذه بشكل خاص لدى الكلاب التي تعيش حال توتر وقلق، فتعتقد عندها أن من يقترب منها قد يسبب لها الأذى، كما يمكن ملاحظة حال انزواء لدى بعض الحيوانات وعزلة واختباء في أماكن معينة وارتجاف وسيلان اللعاب".