ملخص
في ظل الحرب الإيرانية المتصاعدة خلال شهر رمضان لم تختف متابعة المسلسلات كما كان متوقعاً. بل تغيرت طريقة المشاهدة، إذ يتابع كثير من الجمهور الأخبار على الهاتف أثناء عرض الحلقات أو يؤجلون المشاهدة عبر المنصات الرقمية بعد متابعة التطورات السياسية.
في كل عام في شهر رمضان اعتاد فيصل بدر، شاب من جيل "زد"، أن يجلس مع عائلته بعد أذان المغرب لمتابعة أحدث حلقات مسلسله المفضل، لكن هذا العام تغير المشهد قليلاً، يجلس فيصل أمام الشاشة بينما هاتفه مفتوح على آخر الأخبار، لم يكن ذلك تشتتاً بقدر ما كان محاولة للموازنة بين شغفه بالمسلسلات ومتابعة التطورات السياسية المتسارعة في المنطقة.
يقول فيصل لـ"اندبندنت عربية" إنه لا يريد تفويت أي حدث، لذلك يتابع حلقاته بينما يبقي عيناً على منصات الأخبار، وتعكس حاله واقعاً يعيشه كثير من الشباب مع التصعيد الإقليمي، في محاولة مستمرة للجمع بين متابعة الدراما وما يجري في العالم في الوقت نفسه.
موسم حافل في زمن مضطرب
مع تصاعد التوترات والمخاوف من اتساع الصراع بين إيران وإسرائيل كان من المتوقع أن تتراجع الدراما الرمضانية أمام نشرات الأخبار، غير أن الواقع جاء مختلفاً، فعلى منشورات منصة "إكس" يظهر أن مسلسلات خليجية وعربية مثل "شارع الأعشى" و"الغميضة" و"مولانا" لم تفقد حضورها، ولم تتوقف النقاشات والجدل حولها بين جيل "زد" والجمهور عموماً على رغم ضجيج الأحداث.
وبخصوص تفاعل المشاهدين تقول الممثلة السعودية فاطمة الشريف، بطلة مسلسل "يوميات رجل متزوج"، في ردها على سؤال لـ"اندبندنت عربية"، إنها لم تلاحظ انخفاضا واضحا في التفاعل مع العمل رغم الأوضاع المتوترة في المنطقة.
وأوضحت أن التفاعل والتعليقات لا يزالان حاضرين بشكل كبير، خصوصا عبر منصة "سناب شات"، حيث يشارك المتابعون مقاطع من المسلسل ويعلقون عليها باستمرار. لكنها أشارت إلى أن مستوى التفاعل قد يكون أقل على منصة "إكس"، مرجحة أن أحد الأسباب يعود إلى قلة نشاطها الشخصي هناك مقارنة بمنصات أخرى.
ويصف المخرج راشد الورثان الموسم الرمضاني الحالي بأنه "استثنائي" على رغم المناخ المشحون، قائلاً إن "موسم رمضان زاخر ويبدو أنه تم الإعداد له منذ وقت مبكر، وهناك إنجاز درامي كبير من ناحية التنوع والكم"، ويرى أن خصوصية رمضان الاجتماعية تؤدي دوراً مهماً، إذ تكون المشاهدة جماعية في كثير من الأحيان، سواء مع العائلة أو في "ديوانيات" الشباب، مما يخلق حراكاً فنياً ونقاشات واسعة حول الأعمال المعروضة.
ومع ذلك لا ينفي الورثان تأثير الأحداث الجارية في نسب المشاهدة، مشيراً إلى أن "القنوات الإخبارية دخلت على خط المنافسة الرمضانية بقوة بسبب الأحداث". وتدعم دراسات إعلامية هذا التحول في السلوك، إذ تشير أبحاث حول استخدام وسائل الإعلام في أوقات الأزمات إلى أن الجمهور يميل في اللحظات الأولى للأحداث الكبرى إلى تحويل اهتمامه من البرامج الترفيهية إلى متابعة الأخبار بحثاً عن المعلومات، وقد لاحظ باحثون في دراسات الإعلام أن الأزمات الكبرى تدفع المشاهدين إلى ما يسمى "مرحلة البحث عن المعلومات"، حين تصبح متابعة الأخبار أولوية مقارنة بالمحتوى الترفيهي.
تغير أولويات المشاهدة
لكن هذا التحول ليس واحداً لدى الجميع، فمحمد العثمان (45 سنة) يصف ما حدث معه بأنه "طلاق" بينه وبين المسلسلات منذ اندلاع الحرب، إذ احتلت الأخبار كل وقته، ويقول "كنت مواظباً على متابعة يوميات رجل متزوج وكحيلان، لكن الأحداث قلبت أولوياتي، صرت ألاحق التطورات حتى الفجر، لدرجة أن قراءة الورد اليومي من القرآن تأثرت بالأحداث"، ويضيف "نشعر في السعودية بأن حياتنا طبيعية بفضل جهود التصدي للعدوان من جانب قواتنا الباسلة، لكن تجارب الدول المجاورة تبعث على القلق".
وتعكس تجربة العثمان ما يشير إليه الورثان من أن الأخبار عندما تتحول إلى مصدر قلق حقيقي لدى المتلقي فإنها تؤثر في قدرته على التفاعل مع أي محتوى ترفيهي. وتشير دراسات نفسية حديثة تناولت تأثير متابعة أخبار الحروب إلى أن التعرض المكثف للتغطية الإعلامية للصراعات يرتبط بارتفاع مستويات القلق والضغط النفسي لدى الجمهور.
ففي دراسة نشرت عام 2023 في مجلة "جورنال أوف أفكتيف ديسوردز" حول التأثير النفسي لمتابعة أخبار الحرب في أوكرانيا، وجد الباحثون أن متابعة الأخبار بصورة متكررة قد تزيد القلق وتغير أولويات المشاهدة لدى الجمهور، مما يقلل القدرة على الاستمتاع بالمحتوى الترفيهي مثل الدراما.
الدراما كملاذ نفسي من "تعب الأخبار"
وعلى رغم القلق الذي تفرضه الأزمات يتمسك جزء كبير من الجمهور بالدراما بوصفها وسيلة ترفيه رئيسة منذ عقود. ويرى الورثان أن التغيير الحقيقي لا يحدث في رغبة المشاهد في متابعة الدراما بقدر ما يحدث في "طريقة الوصول إليها"، فالمشاهد لم يعد مجبراً على الاختيار بين متابعة الأخبار أو الحلقة كما كانت الحال في زمن التلفزيون التقليدي.
وقد خرج دور الدراما في نظر كثيرين من مجرد الترفيه إلى ما يشبه "الملاذ النفسي"، ويقول الورثان إن "الدراما تخدر مشاعرنا تجاه الأحداث من حولنا وتعيد برمجتنا على مشاعر التشويق والإثارة والحب".
وفي المقابل تشير دراسات إعلامية إلى أن بعض الجمهور يعود إلى الترفيه بعد فترة من متابعة الأخبار المكثفة.
ففي تقرير "معهد رويترز لدراسة الصحافة" الصادر عام 2023 حول عادات استهلاك الأخبار عالمياً، الذي جاء في سياق متابعة تأثير الحرب في أوكرانيا والأزمات الدولية على الجمهور، قال نحو 39 في المئة من المشاركين إنهم يتجنبون متابعة الأخبار أحياناً بسبب الإرهاق النفسي الناتج من تدفق الأحداث العالمية مثل الحروب والأزمات. ويشير الباحثون في التقرير إلى أن هذه الحال تعرف في دراسات الإعلام باسم "تعب الأخبار"، إذ يلجأ بعض المتابعين إلى المحتوى الترفيهي مثل الدراما أو الأفلام للتخفيف من الضغط النفسي والابتعاد موقتاً عن سيل الأخبار.
جيل "زد" بين الأخبار والدراما
ولا تبدو تجربة فيصل حال فردية، بل تعكس نمطاً أوسع في طريقة تعامل جيل "زد" مع الأخبار والأحداث، فهذا الجيل، المولود بين عامي 1997 و2012، يتعامل مع السياسة والحروب بطريقة مختلفة عن الأجيال السابقة، إذ تنتشر على منصات مثل "إكس" و"تيك توك" مقاطع "الميمز" التي يستخدمها الشباب للتعليق على الأحداث الجارية بلغة ساخرة أو خفيفة.
وخلال الأيام الأخيرة انتشرت مقاطع تنتقد إيران بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مستخدمة أسلوباً ساخراً يصل إلى الجمهور بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وبينما ركز بعض المستخدمين على نشر أخبار الحرب والتطورات السياسية، واصل آخرون نشر محتوى يتعلق بالدراما الرمضانية، مما يعكس قدرة هذا الجيل على التنقل بين الترفيه والأخبار في المساحة الرقمية نفسها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقد يشعر كثير من شباب جيل "زد" بالقلق نتيجة التصعيد الإقليمي، إلا أن هذا الجيل لم يعش تجارب الحروب الكبرى كما حدث مع الأجيال السابقة، مما يجعله يتعامل مع الأخبار أحياناً عبر السخرية أو تحويلها إلى محتوى خفيف مثل الميمز. ويرى باحثون في الإعلام الرقمي أن هذا الأسلوب يعد وسيلة نفسية للتعامل مع القلق وتخفيف التوتر الناتج من متابعة الأخبار.
كذلك فإن الشعور بالأمان داخل السعودية، بعد نجاح الدفاعات الجوية في التصدي للهجمات الإيرانية، أسهم في تخفيف حدة القلق لدى كثير من الشباب، على رغم أن التطورات في دول مجاورة ما زالت تثير المخاوف، لذلك أصبح بعضهم يشارك في النقاش العام بطريقته الخاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي، من خلال التعليق أو السخرية أو إعادة نشر الأخبار.
ويتقاطع هذا السلوك مع ما أشار إليه تقرير "الأخبار الرقمية 2024" الصادر عن معهد رويترز لدراسات الصحافة في جامعة أكسفورد، الذي رصد تغير عادات استهلاك الأخبار لدى الأجيال الشابة، إذ أظهر التقرير أن جيل "زد" يميل إلى الابتعاد عن الوسائل الإعلامية التقليدية مثل التلفزيون والصحف، ويتجه بدرجة أكبر إلى منصات التواصل الاجتماعي وصناع المحتوى للحصول على الأخبار، ومع ذلك يؤكد التقرير أن هذا التحول لا يعني ابتعاد الشباب عن متابعة الأحداث، بل إنهم ما زالوا مهتمين بالأخبار والقضايا الجارية، لكنهم يتابعونها عبر قنوات رقمية وأساليب مختلفة عن الأجيال السابقة.