Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نقود المصريين تحترق بنارين: رمضان والحرب

زيادة أسعار البنزين دفعت الأسر إلى مراجعة ميزانياتها وخبراء: الحكومة تسرّعت في إجراءاتها

سجلت مصر ارتفاعاً بمعدل التضخم السنوي خلال فبراير الماضي ليصل إلى 11.5 في المئة (رويترز)

ملخص

ضبابية صورة الصراع في إيران وعدم اليقين حول موعد انتهائه تترجم تلقائياً لدى المصريين بأن جيوبهم ستواصل التأثر بتداعيات الصراع، لذلك بدأ البعض في شراء حاجات مؤجلة، مثل طارق أبو بكر الذي لجأ إلى فتح حساب في أحد تطبيقات التمويل الاستهلاكي لتقسيط ثلاجة كان ينوي شراءها في الصيف بدلاً من ثلاجته القديمة كثيرة الأعطال، لكن مع ارتفاع الأسعار وعدم ثبات قيمة الجنيه أمام الدولار أصبح واضحاً أن أسعار السلع الاستهلاكية في طريقها للزيادة، فاختار الموظف الأربعيني تجنب مزيد من الغلاء.

منذ اليوم الأول للضربات على إيران، يتابع المصريون مستجدات الحرب بشغف، ليس لأسباب سياسية، بل لأنهم اعتادوا أن أي نزاع في الإقليم أو العالم يؤثر مباشرة في أوضاعهم الاقتصادية، التي لا تحتمل هزات جديدة.

وبعدما دخل المصريون عام 2026 بتفاؤل تحسن الأحوال بعدما انتهت الحرب على غزة باتفاق شرم الشيخ في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، لم يمر الشهر الثاني حتى اندلع حريق جديد في الإقليم، ألهب الأسعار في مصر وخفض من قيمة الجنيه، وتحول الحال إلى تشاؤم في شأن تبعات الحرب حتى بعد انتهائها، بعدما اعتاد المصريون أن مؤشر الأسعار له اتجاه واحد، وإن هدأ قليلاً لا يعود إلى معدلاته السابقة.

في تجمعات العائلات على إفطار رمضان لم يعد الحديث حول مسلسل "علي كلاي"، المصنف بين أكثر ما بحث عنه المصريون على "غوغل"، بل عن الضربة القاضية التي تلقتها موازنة كل بيت إثر زيادة أسعار الوقود، التي كانت متوقعة منذ اليوم الأول لاستهداف إيران، وتحول اهتمام المصريين على محركات البحث إلى "أسعار البنزين" كأحد أكثر العبارات بحثاً على "غوغل"، خلال الأسبوع الأخير، وخلت قائمة الأكثر بحثاً من المسلسلات باستثناء "علي كلاي".

التحسب من التداعيات الاقتصادية للحرب على مصر ظهرت أولاً في الخطاب الرسمي على لسان الرئيس عبدالفتاح السيسي في اليوم التالي لاندلاع الأزمة، إذ أكد، في كلمة بحفل إفطار لمناسبة ذكرى انتصار العاشر من رمضان، أن غلق مضيق هرمز سيكون له تأثير في تدفقات البترول والأسعار، مشيراً إلى أن الحكومة يتعين عليها دراسة كل السيناريوهات، وعلى رغم محاولته طمأنة الشعب على تدبير الاحتياطات اللازمة، فإنه أوضح "أننا لا نعرف مدى استمرار الأزمة".

وفي اليوم السادس للحرب، كان الرئيس السيسي أكثر وضوحاً حين خاطب المصريين بأن "الأزمة الحالية قد تترتب عليها بعض التداعيات على الأسعار"، محذراً من تلاعب التجار بالأسعار، ووجه بدراسة إحالة من يستغل الظروف لرفع الأسعار إلى القضاء العسكري.

تركيز حديث الرئيس المتكرر على إرساله رسالة "اطمئنان" للمواطنين كانت انعكاساً لحال القلق التي طبعت نقاشات المصريين في الأيام الأولى للحرب، التي ترافقت مع هبوط قيمة الجنيه المصري أمام الدولار، حين سجل مستوى 52.7 جنيه للدولار في التاسع من مارس (آذار) الجاري بعدما كان الدولار يساوي نحو 47.5 جنيه في الـ27 من فبراير (شباط) الماضي، أي قبل يوم من شن الحرب، وهو ما فسر اقتصادياً بخروج "الأموال الساخنة" وبيع بعض الأجانب أذون خزانة حكومية.

صدمة البنزين وترتيب الأولويات

المواطن الذي لا يمتلك دولارات مسته نار الأزمة في أسعار الغذاء، الذي من المعتاد أن تتضاعف مبيعاته في مصر، فعلى سبيل المثال وصل سعر كيلو البانيه (صدور الدجاج) إلى 280 جنيهاً بعدما كانت في حدود 220 جنيهاً قبل اندلاع الحرب، بزيادة نحو 25 في المئة، وذلك في أحياء شعبية بمحافظة الجيزة، فيما ترتفع الأسعار في المناطق الأرقى.

وما كان مخاوف وهواجس لدى المواطن تأكد في الثالثة من فجر الثلاثاء الماضي، حين قررت الحكومة رفع أسعار المحروقات بأثر فوري، بنسب تراوح ما بين 14 و30 في المئة حسب نوع الوقود، بما في ذلك السولار الذي يستخدم في سيارات نقل البضائع، مما يعني أثراً فورياً في الأسواق، وفي اليوم التالي لتطبيق القرار أصبح سعر كيلو الطماطم في الأسواق ما بين 21 و25 جنيهاً، بدلاً من 17 إلى 20 جنيهاً في الأول من مارس.

 

أصيب محمد أبو المجد وزوجته بصدمة اقتصادية، بعد قرار الحكومة رفع أسعار المحروقات، إذ دفعتهما إلى إعادة تقسيم التزاماتهما المالية خلال ما تبقى من شهر رمضان وكذلك عيد الفطر.

كان أبو المجد (34 سنة)، الذي يعمل مندوب مبيعات ولا يتخطى راتبه 20 ألف جنيه شهرياً، اقتطع 2000 جنيه من راتبه لشراء "كعك العيد" من أحد محال الحلويات المتوسطة لإدخال السرور على طفليه وزوجته، لكن ارتفاع أجرة المواصلات غير خططه.

يسكن أبو المجد في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة، ويحتاج إلى ركوب ثلاث مواصلات يومياً للوصول إلى عمله في المهندسين بالمحافظة ذاتها، ورفع قرار الحكومة مصروفات مواصلاته من 21 جنيهاً إلى 35 جنيهاً يومياً، إضافة إلى ما يعانيه من ارتفاع أسعار اللحوم والخضراوات والفاكهة وغيرها، إثر الارتفاع المفاجئ قرر الزوجان شراء كمية أقل من الكعك بـ1000 جنيه فقط مع توجيه المبلغ المتبقي لشراء الحاجات الأساسية.

هل كانت الحكومة مضطرة؟

هذه الضغوط على المواطن المصري تدركها حكومته بحسب رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الذي خرج في مؤتمر صحافي بعد ساعات من رفع أسعار الوقود لـ"التماس العذر" من المواطنين من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة "مضطرة ورغماً عنها"، بسبب الظروف الاستثنائية المترتبة عن الحرب، وما خلفته من زيادة في أسعار الطاقة عالمياً.

وارتفع متوسط سعر برميل النفط من نحو 70 دولاراً للبرميل قبل يوم من الحرب، إلى نحو 120 دولاراً بعد نحو 10 أيام من العمليات العسكرية، ثم انخفض إلى مستويات أقل من 100 دولار للبرميل، وذلك نتيجة إغلاق إيران مضيق هرمز بصورة شبه كاملة، إضافة إلى الهجمات الصاروخية التي تشنها طهران على دول الخليج الغنية بالنفط والغاز.

وعلى رغم الضغط الاقتصادي الذي تمثله أسعار النفط العالمية على الموازنة العامة المصرية، فإن الحرب وتداعياتها لا يمكن وصفها بالمفاجأة، إذ سبقتها أسابيع من التوترات والتهديد من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل لإيران، وفي المقابل تحذير إيراني بـ"إشعال المنطقة" في حال مهاجمتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ورد رئيس الحكومة عن التساؤلات في شأن عدم الاستعداد للحرب المتوقعة، قائلاً إن الحكومة مستعدة، ولديها مخزون "لكن هناك تعاقدات مستقبلية"، موضحاً أن الحكومة كان أمامها خياران "إما الانتظار نظرياً ومحاولة الحفاظ على الأسعار، وهو ما كان سيسبب خسائر هائلة، أو اتخاذ إجراء استباقي يضمن استقرار عجلة الاقتصاد، مع تحمل جزء كبير من هذه الزيادة من جانب الحكومة".

كانت وزارة البترول المصرية قد بررت رفع أسعار المحروقات بأنها "تهدف إلى ضبط منظومة الدعم ومواكبة التغيرات العالمية في أسواق الطاقة، بما يضمن استمرار توافر المنتجات البترولية للمواطنين وللسوق المحلية".

الأكاديمي في مجال الاقتصاد، كريم العمدة، وصف التحرك الحكومي بـ"المتسرع"، مؤكداً أنه كان من المفترض الانتظار لحين استقرار أسعار البترول العالمية، معتبراً أن الحكومة اتخذت الحرب "ذريعة لرفع الأسعار"، متسائلاً عن مدى جدية الحكومة في خفض الأسعار مستقبلاً إذا ما انتهت الحرب وتراجع سعر برميل البترول إلى 60 دولاراً، بخاصة أن الأسعار في مصر تاريخياً لا تنخفض بعد ارتفاعها.

وقال العمدة لـ"اندبندنت عربية" إن الوضع الاقتصادي المصري حالياً "ليس في أفضل حالاته"، ويتسم بحساسية مفرطة، وسرعة التأثر بالأزمات الإقليمية، موضحاً أن الصدمات المتتالية تكشف حقيقة وضع الاقتصاد الذي لم يقف بعد على قدميه بصورة حقيقية، مشيراً إلى أن تداعيات الحرب في الإقليم "ليست هينة، ولا يمكن مقارنة وضع مصر بدول الخليج التي تمتلك احتياطات مالية ضخمة تمكنها من الصمود لـ50 عاماً، بينما تعاني القاهرة الارتفاع المتزامن في أسعار البترول والدولار".

ترشيد الإنفاق مجدداً

وحول إمكان ضبط الحكومة للأسواق، وصف العمدة الرقابة الحكومية بأنها "رقابة شكلية" وتفتقر إلى السلطة الحقيقية على التجار، وأشار إلى أن التصريحات الرسمية في شأن إحالة التجار المتلاعبين إلى القضاء العسكري هي مجرد "تهويش" لا يسهم في خفض الأسعار، مؤكداً أن التاجر بمجرد اعتياده على هامش ربح معين لا يتنازل عنه بسهولة في ظل غياب الرقابة الفاعلة.

ونصح المتخصص في الشأن الاقتصادي المواطنين بضرورة ترشيد الإنفاق لمواجهة هذه الضغوط، داعياً إلى إعطاء الأولوية القصوى للسلع الأساسية والاستغناء التام عن الرفاهيات في الوقت الراهن، لتجاوز تبعات الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالمنطقة نتيجة الصراع الدائر بين أميركا وإيران وتأثيراته في كلفة المعيشة.

ضبابية صورة الصراع في إيران وعدم اليقين حول موعد انتهائه تترجم تلقائياً لدى المصريين بأن جيوبهم ستواصل التأثر بتداعيات الصراع، لذلك بدأ البعض في شراء حاجات مؤجلة، مثل طارق أبو بكر الذي لجأ إلى فتح حساب في أحد تطبيقات التمويل الاستهلاكي لتقسيط ثلاجة كان ينوي شراءها في الصيف بدلاً من ثلاجته القديمة كثيرة الأعطال، لكن مع ارتفاع الأسعار وعدم ثبات قيمة الجنيه أمام الدولار أصبح واضحاً أن أسعار السلع الاستهلاكية في طريقها للزيادة، فاختار الموظف الأربعيني تجنب مزيد من الغلاء.

وتعهدت الحكومة، في بيان رسمي، بأن الإجراءات الأخيرة "موقتة" في ضوء الصراع الحالي في الشرق الأوسط، كما قال وزير المالية أحمد كجوك إنه سيتم الإعلان عن زيادة في الرواتب الأسبوع المقبل، ضمن خطة الموازنة الجديدة التي يبدأ العمل بها في مطلع يوليو (تموز)، وإنها ستكون "زيادة حقيقية" تتجاوز التضخم.

 

وسجلت مصر ارتفاعاً بمعدل التضخم السنوي خلال فبراير الماضي ليصل إلى 11.5 في المئة، مقابل 10.1 في المئة خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، ارتفع معدل التضخم السنوي في مصر ليصل إلى 11.5 في المئة خلال فبراير الماضي، مقابل 10.1 في المئة خلال يناير السابق، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، التي أشارت إلى ارتفاع التضخم الشهري 2.7 في المئة عن يناير 2026.

وتوقع مدير إدارة البحوث المالية في شركة أكيومن لإدارة الأصول، مصطفى شفيع، وصول معدلات التضخم في مارس الجاري إلى 15 أو16 في المئة نتيجة لزيادة أسعار المحروقات، حسب تصريحات صحافية.

المتخصص في الاقتصاد وائل النحاس قال لـ"اندبندنت عربية" إن التوجه الأميركي لضرب إيران كان معروفاً، ومع ذلك لم تتخذ الحكومة الإجراءات الاحترازية اللازمة، وانتقد قيام المسؤولين بإلغاء التحوط على سعر برميل البترول عند 75 دولاراً في يناير الماضي، في وقت كانت فيه دول الخليج تتخذ إجراءات تحوطية لعام كامل لمواجهة تداعيات الحرب، مؤكداً أن المواطن هو من يدفع ثمن غياب الرؤية والعلاج لدى الحكومة الحالية التي علقت فشلها على شماعة الحرب بين أميركا وإيران حسب تعبيره.

وصف النحاس قرار رفع أسعار البنزين بـ"المتسرع" ودليل على ورطة الحكومة، معتبراً أنه كان من الواجب الحفاظ على اتزان الأسعار وتأجيل القرار لما بعد العيد لمراقبة تحركات سعر الصرف وسعر برميل البترول عالمياً.

وأكد أن الأزمة الحالية تضغط على التاجر والمواطن معاً، إذ قفزت أسعار السلع مثل الدواجن إلى 140 جنيهاً للكيلو نتيجة كلفة الأعلاف وأزمات الشحن والممرات الملاحية.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات