ملخص
فتحت وزارة العدل الأميركية تحقيقاً حول استخدام إيران لمنصة العملات المشفرة "بينانس" للالتفاف على العقوبات، التحقيق يركز على أكثر من مليار دولار يعتقد أنها تدفقت عبر الشبكة لتمويل جماعات مرتبطة بطهران، ويعيد الملف أكبر منصة تداول للعملات الرقمية في العالم إلى دائرة التدقيق القانوني في واشنطن.
فتحت وزارة العدل الأميركية تحقيقاً في شأن استخدام إيران منصة تداول العملات المشفرة "بينانس" في محاولة للالتفاف على العقوبات الأميركية، وذلك بعد معلومات تشير إلى تدفق أكثر من مليار دولار عبر المنصة إلى شبكة يعتقد أنها تمول جماعات مسلحة مدعومة من طهران، من بينها الحوثيون في اليمن.
ويأتي التحقيق بعدما أنهت منصة "بينانس" تحقيقاً داخلياً كان يركز على تحويلات مالية تتجاوز قيمتها مليار دولار، مرت عبر المنصة إلى شبكة مرتبطة بتمويل جماعات موالية لإيران، وفق وثائق داخلية للشركة وأشخاص مطلعين على القضية.
وبحسب مصادر مطلعة لصحيفة "وول ستريت جورنال" تواصل مسؤولون أميركيون مع أشخاص لديهم معرفة مباشرة بالمعاملات المرتبطة بإيران لإجراء مقابلات وجمع الأدلة.
ولم يتضح بعد ما إذا كانت وزارة العدل تحقق مع شركة "بينانس" نفسها في شأن احتمال ارتكاب مخالفات، أم أن التحقيق يركز فحسب على المستخدمين الذين أجروا تلك المعاملات عبر المنصة.
ويعيد هذا التحقيق أكبر منصة تداول للعملات المشفرة في العالم إلى دائرة التدقيق القانوني، بعدما حصل مؤسسها تشانغبينغ تشاو، المعروف باسم "سي زي" على عفو رئاسي من الرئيس دونالد ترمب خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025.
وكانت "بينانس" أقرت عام 2023 بانتهاك قوانين أميركية تتعلق بمكافحة غسل الأموال والعقوبات، ووافقت على دفع غرامة بلغت 4.3 مليار دولار، إضافة إلى العمل تحت إشراف السلطات الأميركية، واعترف تشاو بارتكاب مخالفة مرتبطة بالقضية وقضى أربعة أشهر داخل السجن.
وفي إطار الرقابة المفروضة على الشركة، طلب المراقب المعين من قبل وزارة الخزانة الأميركية، والمسؤول عن متابعة برنامج الامتثال في "بينانس"، تزويده بمعلومات مفصلة حول المعاملات المرتبطة بإيران، بما في ذلك بيانات عن شريك تجاري يعتقد أنه أرسل جزءاً كبيراً من الأموال.
وكانت "بينانس" أوقفت خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 الموظفين الذين كانوا يحققون في تلك التحويلات، وذلك بعد فترة قصيرة من اكتشافهم تدفق نحو 1.7 مليار دولار من عملاء صينيين إلى محافظ رقمية استخدمتها إيران لتمويل حلفائها، من بينهم الحوثيون في اليمن.
وتشير التقارير إلى أن أكثر من مليار دولار من هذا المبلغ أرسلت عبر شركة مدفوعات مقرها هونغ كونغ تعرف باسم بليسد ترست (Blessed Trust).
وينص الاتفاق الذي أبرمته "بينانس" مع السلطات الأميركية عام 2023 على ضرورة قيام الشركة بفحص عملائها للكشف عن أي معاملات مرتبطة بتمويل الإرهاب أو الالتفاف على العقوبات، إضافة إلى الإبلاغ عن المعاملات المشبوهة لوزارة الخزانة الأميركية.
وخلال العام الماضي طلبت "بينانس" من وزارة الخزانة إنهاء مهمة المراقب المعين للإشراف على التزامها بالقوانين، وهي مهمة من المقرر أن تستمر حتى عام 2029، وتشير تقارير سابقة إلى أن الشركة عرقلت عدداً من طلبات المراقب للحصول على معلومات.
محافظ رقمية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني
في المقابل، تؤكد "بينانس" أنها ملتزمة جميع متطلبات الإبلاغ والتعاون مع الجهات التنظيمية وأجهزة إنفاذ القانون. وقال متحدث باسم الشركة إن المنصة "لم تتعامل بصورة مباشرة مع أي كيانات خاضعة للعقوبات"، مضيفاً أن الشركة كشفت ما وصفه بـ"نمط مالي معقد متعدد الاختصاصات"، وأن الروابط الإيرانية لم تُحدد وتُفرض العقوبات عليها إلا بعدما بدأت "بينانس" تحقيقها الداخلي بالتنسيق مع السلطات.
وأكدت الشركة أنها لم تقم بفصل أي محققين بسبب إثارة مخاوف تتعلق بالامتثال، مشيرة إلى أنهم غادروا الشركة لأسباب شخصية.
وأضافت أن التحقيق الداخلي استمر وأدى في نهاية المطاف إلى إغلاق حساب شركة " بليسد ترست" خلال وقت سابق من هذا العام.
ووفقاً لـ"بينانس"، لم يثبت التحقيق أن أي مستخدم على المنصة تعامل مباشرة مع كيان خاضع للعقوبات، بل إن الأموال انتقلت عبر عدة مراحل قبل وصولها إلى وجهاتها النهائية.
وأوضحت التحقيقات اللاحقة للشركة أن نحو 24 مليون دولار فحسب وصلت في النهاية إلى محافظ رقمية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وهو الفرع النخبوي من القوات المسلحة الإيرانية الذي يسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد في البلاد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وامتنعت وزارة العدل الأميركية عن التعليق على التحقيق، ولم ترد وزارة الخزانة على طلبات للتعليق. كذلك لم يصدر أي رد رسمي من السلطات الإيرانية.
وفي تطور قانوني مرتبط بالقضية، رفعت "بينانس" دعوى قضائية أمام محكمة فيدرالية في مانهاتن ضد صحيفة "وول ستريت جورنال"، اعتراضاً على تقرير نشرته الصحيفة خلال فبراير (شباط) الماضي حول التحويلات المالية المرتبطة بإيران.
وقالت الشركة في الدعوى إن الصحيفة "تجاهلت قوة برنامج الامتثال لدى ’بينانس‘ وتجاهلت حقائق محددة قدمتها الشركة، واختارت بدلاً من ذلك نشر تقرير مضلل وغير دقيق"، في المقابل، قالت الصحيفة إنها متمسكة بصحة تقاريرها.
حجم التحويلات غير القانونية
وتأتي هذه التطورات خلال وقت كثفت فيه الولايات المتحدة جهودها لقطع مصادر تمويل الحرس الثوري الإيراني، خصوصاً بعد بدء الحملة الجوية المشتركة مع إسرائيل ضد إيران، إذ أصبحت العملات المشفرة إحدى الوسائل الرئيسة التي تستخدمها طهران لإعادة الأموال الناتجة من مبيعات النفط إلى الصين.
وخلال يناير (كانون الثاني) الماضي فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على منصتي تداول صغيرتين للعملات المشفرة، بعد اتهامهما بتحويل مبالغ كبيرة إلى محافظ رقمية مرتبطة بالحرس الثوري.
وفتح السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنتال عضو لجنة الأمن الداخلي في مجلس الشيوخ تحقيقاً خاصاً الشهر الماضي، في شأن تعامل "بينانس" مع المعاملات المرتبطة بإيران.
وقال بلومنتال للصحيفة إن "حجم التحويلات غير القانونية التي كشف عنها حديثاً (التي لم تُكتشف إلا بعدما تدفق ما يقارب من ملياري دولار إلى كيانات خاضعة للعقوبات) إضافة إلى إقالة محققين داخليين من دون تفسير واضح، يثيران تساؤلات جدية حول التزام ’بينانس‘ بقوانين العقوبات والقوانين المصرفية الأميركية".
وطلب السيناتور من الشركة تزويده بسجلات ووثائق تتعلق بالقضية، بينما ردت "بينانس" ببيان علني أكدت فيه أن التقارير الإعلامية "غير دقيقة"، مشيرة إلى امتلاكها "أحد أفضل برامج الامتثال في القطاع". إلا أن بلومنتال وصف رد الشركة بأنه "مراوغ" ولا يبدد مخاوفه.