ملخص
جاءت خطوة وكالة الطاقة الدولية بعد فشل التصريحات الأميركية في تهدئة أسواق الطاقة التي شهدت ارتفاعاً صاروخياً في أسعار النفط إلى نحو 120 دولاراً لبرميل برنت في بداية الأسبوع.
لم تتأثر سوق النفط العالمية كثيراً بالإعلان غير المسبوق من الوكالة الدولية للطاقة بالإفراج عن 400 مليون برميل من المخزونات الاستراتيجية لدى الدول الأعضاء في الوكالة وعددها 32 دولة، تملك مخزونات نفط استراتيجية تصل إلى 1.2 مليار برميل.
وتعمل الوكالة لمصلحة الدول الصناعية المستهلكة للطاقة منذ تأسست في سبعينيات القرن الماضي عقب أزمة البترول الشهيرة نتيجة الحرب الإسرائيلية- العربية عام 1973.
في البداية تراجعت أسعار النفط قليلاً أمس الأربعاء بعد إعلان الوكالة، لكنها سرعان ما عادت للارتفاع فوق 92 دولاراً للبرميل من خام برنت القياسي.
وعلى رغم أن تلك المرة الأولى تعلن فيها الوكالة عن طرح مثل هذه الكمية من المخزونات الاستراتيجية للدول الأعضاء.
ولم يُتخذ مثل هذا الإجراء سوى خمس مرات فحسب في تاريخ الوكالة، آخرها عام 2022 بعد حرب أوكرانيا وفرض الحظر على صادرات الطاقة الروسية، ووقتها أعلنت الوكالة عن طرح 182 مليون برميل من المخزونات الاستراتيجية للدول الأعضاء.
أمس الخميس، قفزت أسعار النفط مجدداً فوق 100 دولار للبرميل من خام برنت، إلى 94 دولاراً للخام الأميركي الخفيف (مزيج غرب تكساس) إثر اشتعال النيران في ناقلات نفط بالخليج، على ما يبدو نتيجة قصف إيراني.
وهكذا تبخر التأثير الأولي الضعيف لإعلان وكالة الطاقة الدولية الإفراج عن المخزونات بكميات غير مسبوقة.
محاولة تهدئة السوق
وجاءت خطوة وكالة الطاقة الدولية بعد فشل التصريحات الأميركية في تهدئة أسواق الطاقة التي شهدت ارتفاعاً صاروخياً في أسعار النفط إلى نحو 120 دولاراً لبرميل برنت في بداية الأسبوع.
إذ لم تقتنع الأسواق بما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تصريحات على موقعه للتواصل بأن واشنطن ستوفر تأمين أخطار رخيصاً للسفن في الخليج، وأن البحرية الأميركية في المنطقة سترافق السفن عبر مضيق هرمز.
بعد ذلك كتب وزير الطاقة الأميركي كريس رايت أن قطع الأسطول الأميركي رافقت ناقلة نفط عبر مضيق هرمز، ليعود ويمسح تغريدته، بعدما تأكد أن ذلك لم يحدث.
لكن أسعار النفط كانت هبطت من مستواها المرتفع إلى قرب مستواها في بداية حرب إيران مع استمرار التوتر في السوق.
ومع توالي إعلان دول الخليج عن "القوة القاهرة" كمبرر لخفض الإنتاج، بعدما فعل العراق ذلك بالفعل، عاد الانفعال إلى أسواق الطاقة التي توقعت فقدان ما يصل إلى ستة ملايين برميل يومياً من إنتاج الدول التي أعلنت خفض الإنتاج.
وفي اجتماع وزراء المالية في دول مجموعة السبع مع وكالة الطاقة الدولية الإثنين الماضي، لم يتم التوصل إلى قرار في شأن الإفراج عن المخزونات الاستراتيجية بانتظار "اتضاح الصورة"، خصوصاً مع تصريحات للرئيس الأميركي أن الحرب يمكن أن تنتهي سريعاً.
وبعدما تأكد أن كل تلك التصريحات إنما تستهدف تهدئة الأسواق، خصوصاً أسواق الطاقة، أعلن مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، أمس الأربعاء أن "التحديات التي نواجهها في سوق النفط غير مسبوقة من حيث الحجم، ويسعدني أن أعلن أن الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية اتخذت إجراء طوارئ جماعياً بحجم غير مسبوق".
وبحسب ما أعلنته الوكالة، فإن نصيب الولايات المتحدة من هذا الإفراج عن النفط من المخزون الاستراتيجي سيصل إلى 172 مليون برميل.
إلا أن المسؤولين الأميركيين، بحسب وكالة "بلومبيرغ"، قالوا إن أي إفراج عن النفط من المخزون الاستراتيجي هو "قرار يرجع إلى الرئيس وحده".
وبسرعة زال أي تأثير إيجابي لقرار الوكالة مع شكوك السوق والمتعاملين في أن قرار الإفراج عن المخزونات سيعوض ما يصل إلى 20 مليون برميل يومياً من النفط (خمس الإنتاج العالمي) يتوقف مرورها عبر الخليج ومضيق هرمز.
زيادة الشكوك في شأن الإفراج عن المخزون
لم تسمع الأسواق سوى تصريحات مترددة من دول نصيبها من حجم المخزونات المقرر الإفراج عنها ليس كبيراً، على سبيل المثال تعهدت إيطاليا بالإفراج عن نصيبها، الذي يبلغ تسعة ملايين برميل، وأبدت بريطانيا استعداداً للإفراج عن نصيبها الذي يزيد قليلاً على 13 مليون برميل.
وما إن أصيبت ثلاث ناقلات في الخليج فجر الخميس حتى انتهى أي أثر لقرار وكالة الطاقة الدولية، خصوصاً وأن الولايات المتحدة، التي تملك المخزون الاستراتيجي الأكبر من النفط، لم تؤكد أي خطوات للإفراج عن النفط من مخزوناتها.
حتى قبل اشتعال الناقلات، كان المحللون في السوق أثاروا الشكوك في شأن قرار وكالة الطاقة الدولية الإفراج عن المخزونات وإمكانية أن يؤدي إلى تهدئة أسواق الطاقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ونقلت "بلومبيرغ" عن المحلل في شركة "رايموند جيمس" بافيل مولشانوف قوله إنه "مع غياب ما بين 15 و20 مليون برميل يومياً من النفط الذي يمر عبر الخليج فإن الخطة (التي أعلنتها الوكالة للإفراج عن المخزون) يمكن أن تشكل مجرد وقاية لمدة شهر فحسب".
وحذر كثير من المحللين في السوق من أن طرح ملايين البراميل من المخزونات الاستراتيجية للدول الأعضاء في الوكالة، حتى لو كان له أثر سريع وموقت على السوق، لن يكون كافياً لحل مشكلة اختناق أسواق الطاقة إذا استمرت الحرب.
ونقلت صحيفة "الغارديان" عن كبير الاقتصاديين في "كابيتال إيكونوميكس" نيل شيرنغ قوله إن تجارب الإفراج عن المخزونات السابقة التي قررتها وكالة الطاقة الدولية لم تؤد سوى إلى الإفراج عن 2.5 مليون برميل يومياً، بينما الناقص من المعروض نتيجة توقف المرور في الخليج يزيد على 10 ملايين برميل يومياً.
مشكلات المخزون واللوجيستيات
هناك أيضاً مشكلة الطاقة القصوى لاستيعاب خطوط الأنابيب للكميات المفرج عنها من المخزونات، وأن طرح ملايين البراميل في السوق يعتمد أيضاً على إمكانية شحنها ووصولها إلى وجهات الاستهلاك المعنية، وكل هذه القيود اللوجيستية تضعف من تأثير خطة الوكالة في ظل استمرار الحرب.
فضلاً عن كل ذلك، هناك شكوك في أن تفرج الولايات المتحدة عن حصتها المقررة من حجم ما أعلنته وكالة الطاقة الدولية.
فقد ركز الرئيس ترمب في حملته الانتخابية على إعادة ملء المخزون الاستراتيجي معوضاً ما أفرج عنه وقت حرب أوكرانيا.
إلا أن ذلك لم يتحقق، وتظل المخزونات الاستراتيجية الأميركية من النفط عند مستوى 58 في المئة من سعتها.
وتنقل صحيفة "الفاينانشيال تايمز" عن رئيس الأبحاث في شركة "كلير فيو إنرجي بارتنرز" كيفن بوك قوله عن قرار الوكالة الإفراج عن المخزونات وتأثيره في الولايات المتحدة إنه "سيخفض المخزون الاستراتيجي من البترول إلى أقل مستوى له منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما يجعله أقل من الحد الأدنى المسموح به للسحب منه في حالة الطوارئ".
كل ذلك يترك الأسواق في حالة اضطراب وتذبذب لا تجدي معها التصريحات، ولا حتى الإجراءات مثل الإفراج عن المخزون الذي أعلنته الوكالة. وكما تقول كبيرة متداولي الطاقة في شركة "سي آي بي سي برايفت ويلث غروب" ريبيكا بابين فإن الوضع "يشبه إلى حد كبير تداولات الأسواق في ظل ضباب الحرب، وتتصرف برد فعل فوري على كل حدث... ويستمر المتعاملون بالتصرف على أساس تذبذب الأسعار بقوة والاضطراب الشديد في عقود الخام حيث تلعب عناوين الأخبار الدور الأكبر في تقلبات السوق".
مع اختفاء أثر قرار وكالة الطاقة الدولية الإفراج عن مخزونات استراتيجية هائلة، يظل سوق النفط وأسواق الطاقة عموماً في حالة اضطراب قوي تحت ضغط استمرار الحرب.