Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رمضان وكرة القدم الأوروبية... جدل الصيام وإيقاف المباريات

تباين المواقف بين الدوريات والفتاوى يضع اللاعبين أمام خيارات معقدة

رسالة في شاشة ملعب "إيلاند رود" توضح أنه سيتم إيقاف مباراة ليدز ومانشستر سيتي مؤقتاً لمنح فرصة لبعض اللاعبين لكسر صيامهم خلال شهر رمضان (أ ف ب)

ملخص

مع حلول شهر رمضان يتجدد الجدل في كرة القدم الأوروبية حول صيام اللاعبين المسلمين وإيقاف المباريات للإفطار، بين دوريات تتبنى المرونة احتراماً للتنوع وأخرى ترفض ذلك باسم الحياد، وسط نقاش ديني ورياضي متواصل.

في كل عام مع حلول شهر رمضان تعود عدة أسئلة إلى الواجهة في كرة القدم الدولية. هل يفطر اللاعبون في رمضان بسبب المباريات؟ وهل يجب على الدوريات إيقاف المباريات للحظات كي يتمكن اللاعبون المسلمون من الإفطار؟ وكيف يتعامل اللاعبون المسلمون مع الصيام في أوقات المباريات؟ فما يبدو للوهلة الأولى تفصيلاً صغيراً، كدقيقة لشرب الماء أو تناول تمرات، يتحول غالباً إلى قضية جدلية تعكس توتراً أعمق بين التقاليد الرياضية، وواقع كرة القدم الحديثة متعددة الثقافات. وخلال الأيام الأولى من الشهر الفضيل هذا العام عادت القضية بقوة إلى الواجهة عبر سلسلة مواقف وتصريحات أثارت نقاشاً واسعاً في الإعلام الأوروبي.

حادثة ليدز... صافرات الاستهجان تشعل الجدل

أبرز هذه الوقائع حدث في الدوري الإنجليزي الممتاز خلال المباراة بين ليدز يونايتد ومانشستر سيتي في ملعب "إيلاند رود". ففي بداية الشوط الثاني أوقف الحكم اللعب لمدة دقيقة تقريباً بعد غروب الشمس حتى يتمكن اللاعبون المسلمون من الإفطار السريع على خط التماس. لكن ما حدث في المدرجات أثار موجة من الانتقادات، إذ أطلق بعض المشجعين صيحات استهجان خلال تلك اللحظة القصيرة.

وأثارت الواقعة ردود فعل قوية داخل إنجلترا وخارجها، خصوصاً أن الدوري الإنجليزي يطبق منذ أعوام عدة بروتوكولاً يسمح للحكام بإيقاف اللعب لفترة وجيزة خلال مباريات المساء في رمضان، حتى يتمكن اللاعبون من شرب الماء أو تناول مكملات سريعة بعد غروب الشمس.

وأعرب مدرب مانشستر سيتي بيب غوارديولا عن استيائه من رد فعل الجمهور، مؤكداً أن احترام المعتقدات الدينية جزء من قيم اللعبة الحديثة. وقال إن هذا الإجراء "موجود منذ أعوام، واللاعبون يحتاجون فقط إلى لحظة قصيرة"، داعياً الجماهير إلى احترام التنوع داخل كرة القدم.

لاحقاً اضطر نادي ليدز نفسه إلى إصدار بيان يدين الهتافات، موضحاً أن بعض المشجعين ربما لم يفهموا سبب التوقف بسبب ضعف الرسائل التوضيحية في الملعب، ودعا النادي أنصاره إلى إظهار الاحترام في المباريات التالية خلال شهر رمضان.

في المقابل، ظهرت نماذج مختلفة تماماً في بطولات أخرى. ففي الدوري المجري توقفت مباراة بين أكاديمية بوشكاش ونييريغيهازا سبارتاكوس للحظات للسماح للاعبين مسلمين بالإفطار عند غروب الشمس، وهو ما مر بهدوء نسبي من دون احتجاجات كبيرة من الجماهير.

وتزامناً مع واقعة ليدز في الدوري الإنجليزي، صدرت وسائل الإعلام المجرية هذه الواقعة كنموذج للتعامل الهادئ مع المسألة، خصوصاً أن التوقف لم يتجاوز دقيقة واحدة، ولم يؤثر في سير المباراة.

فرنسا... جدل قديم يتجدد حول العلمانية في الملاعب

إذا كان الدوري الإنجليزي تبنى منذ أعوام سياسة التوقف القصير، فإن الوضع في فرنسا مختلف تماماً. فالاتحاد الفرنسي لكرة القدم يتمسك بموقف صارم يرفض إيقاف المباريات بسبب الإفطار خلال رمضان، مبرراً ذلك بمبدأ "العلمانية" الذي يحكم المؤسسات الرياضية في البلاد.

هذا الموقف أثار جدلاً واسعاً خلال الأعوام الأخيرة، إذ يرى منتقدوه أنه يضع اللاعبين المسلمين أمام خيار صعب بين الالتزام الديني والأداء الرياضي. بينما يرد الاتحاد الفرنسي بأن قوانين اللعبة يجب أن تبقى موحدة وألا تتأثر بعوامل دينية.

اللافت أن بعض المعلقين في الصحافة الفرنسية يصفون هذا النقاش بأنه "جدل فرنسي بامتياز"، لأن معظم الدوريات الأوروبية الأخرى مثل إنجلترا وهولندا وإسبانيا أصبحت أكثر مرونة في التعامل مع مسألة الإفطار خلال المباريات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واعتادت الملاعب الفرنسية خلال الأعوام الأخيرة على مشاهد التحايل على هذا المنع، عبر ادعاء بعض اللاعبين الإصابة تزامناً مع أذان المغرب كي يتمكن زملائهم المسلمين من كسر الصيام.

وتداولت منصات التواصل الاجتماعي منذ أعوام مقطع فيديو لحارس مرمى نانت الفرنسي البرتغالي أنتوني لوبيز، يظهر فيه وهو يسقط أرضاً خلال مواجهة فريقه أمام لو هافر ضمن الجولة الـ23 من الدوري الفرنسي، في خطوة فسرها كثر على أنها محاولة لمنح زملائه المسلمين فرصة الإفطار عند غروب الشمس خلال شهر رمضان.

وأظهرت لقطات بثتها القنوات الناقلة للمباراة، اتجاه بعض اللاعبين إلى جانب الملعب لتناول التمر والماء.

تزايد اللاعبين المسلمين يعيد طرح قضية الصيام في المباريات

الحقيقة أن القضية ليست جديدة تماماً. فمع تزايد عدد اللاعبين المسلمين في البطولات الأوروبية، أصبحت مسألة الصيام جزءاً من النقاش الدائم حول التوازن بين المعتقد الديني ومتطلبات الأداء الرياضي.

فبعض اللاعبين يختارون الاستمرار في الصيام حتى أثناء المباريات، فيما يفضل آخرون الإفطار قبل اللقاءات التي تقام في وقت مبكر. وهناك أيضاً حلول وسط، مثل الإفطار السريع أثناء التوقفات القصيرة في اللعب.

فتوى الأزهر في شأن إفطار لاعبي كرة القدم في رمضان

ووسط هذه الأزمة التي تواجه بعض اللاعبين المسلمين المحترفين خارجياً وبخاصة في فرنسا، أفتى الجامع الأزهر بعدم جواز إفطار اللاعبين بسبب المشاركة في المباريات، إذ قال مركز الأزهر للفتوى "يشترط لوجوب الصيام على المسلم الإقامة، فلا يجب الصيام على المسافر"، مستشهداً بقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام آخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون".

وأضاف المركز، في فتواه، أنه "لا يجوز للاعبي كرة القدم الإفطار، إذا نووا الإقامة في سفرهم أربعة أيام فأكثر، ويمكن أن يجروا تمريناتهم ومبارياتهم في الليل ليسهل عليهم الأمر".

وتابع "إن لم يتمكنوا من إقامة التمرينات أو المباريات بالليل، وصاموا وشق عليهم الصيام مشقة بالغة لم يمكنهم تحملها، ففي هذه الحالة يجوز لهم الفطر للمشقة، ولا يجوز لهم الفطر ابتداءً لتوقع المشقة، فلا يجب التهاون بحرمة الشهر الكريم بل يجب تعظيمه، استشهاداً بقوله تعالى "ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب".

اختلاف الفتاوى حول إفطار الرياضيين في البطولات الكبرى

سبق وتزامن حلول شهر رمضان المبارك مع موعد انطلاق دورة الألعاب الأولمبية لندن 2012، مما أثار عاصفة من الجدل بمختلف الدول العربية حول السماح للرياضيين المشاركين في المنافسات بالإفطار.

وتباينت الآراء وقتها حول أحقية منح رخصة شرعية للرياضيين المسلمين تبيح لهم الإفطار، نظراً إلى صعوبة التدرب واللعب في ظل الامتناع عن الطعام والشراب.

في المغرب أجازت هيئة الإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى، إفطار الرياضيين المشاركين في دورة لندن 2012، إذ أصدرت فتوى تعطي رخصة للاعبين بالإفطار.

أما في مصر، فأجاز مفتي الديار علي جمعة، في ذلك الوقت، الإفطار خلال شهر رمضان للاعبات واللاعبين المشاركين في الأولمبياد أيضاً، موضحاً أن الله منح رخصة الإفطار في حالتي السفر أو المرض.

وفي كأس العالم 2018 بروسيا، صرح رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم آنذاك عادل عزت بأن "المنتخب السعودي حصل على رخصة للإفطار خلال مبارياتهم بالمونديال".

وأشار عزت، حينها، إلى أن "المعسكر الذي سيعقدونه قبل البطولة كان سبباً في تلك الرخصة، إذ سيخوض اللاعبون خلاله تدريبات بدنية قوية".

الأمر متروك للاعبين

من جانبه، قال مدرب منتخب مصر السابق أسامة نبيه لـ"اندبندنت عربية"، "في المنتخب كنا نترك الحرية للاعبين سواء بالصيام أو الإفطار، لأن هناك عدداً من اللاعبين كانوا يرفضون الإفطار، على رغم أننا كنا نحصل على فتوى قبل السفر إلى البلدان الأفريقية لمواجهة منتخباتها تجيز للاعبين الإفطار، إلا أن الموضوع كان متروكاً للاعبين".

لاعبون يصومون ومدربون غاضبون

وشهدت الأعوام الأولى من احتراف اللاعبين المسلمين في الأندية الأوروبية الكبرى جدلاً واسعاً بسبب الصيام نظراً إلى صعوبة تقبل المدربين للأمر، ولعل أبرزهم اللاعب الغاني علي سولي مونتاري لاعب إنتر ميلان الإيطالي في موسم (2009 - 2010)، إذ أخرجه مدربه البرتغالي جوزيه مورينيو بعد 28 دقيقة فقط من عمر المباراة أمام باري في أغسطس (آب) 2009، ودفع المدرب بالإيطالي ماريو بالوتيللي بدلاً منه، معللاً الأمر بقوله "أخرجته لأنه لا يملك الطاقة بسبب الصيام".

ولم يعتمد المدرب البرتغالي على مونتاري في المباراة التالية، إذ خرج بتصريح مثير قال فيه "رمضان لم يأت في الوقت المناسب بالنسبة إلى لاعب كرة القدم".

وبالعودة إلى كأس العالم 2024 أعلن اللاعب الألماني ذو الأصول التركية مسعود أوزيل، أنه لن يصوم شهر رمضان بسبب مشاركة منتخب بلاده في المونديال، قائلاً "من المستحيل بالنسبة إلي أن ألتزم بالصوم هذا العام، لأنني أعمل وسأواصل عملي".

جدل مستمر ونقاشات متجددة سنوياً

الآن وبعد أعوام من احتراف وتألق اللاعبين المسلمين في الملاعب العالمية لم يعد صوم رمضان جديداً لكنه لا يزال محل جدل في بعض الدول، والجدل حول إفطار اللاعبين خلال المباريات يبدو في ظاهره مسألة تنظيمية بسيطة، لكنه في الواقع يعكس نقاشاً أوسع حول هوية كرة القدم الأوروبية. فالملاعب اليوم تضم لاعبين من ثقافات وديانات مختلفة، والجماهير نفسها أصبحت أكثر تنوعاً من أي وقت مضى.

ولهذا يرى كثير من المسؤولين أن التوقف لدقيقة واحدة عند غروب الشمس ليس مجرد تسهيل ديني، بل إشارة إلى أن كرة القدم تحاول التكيف مع واقعها الجديد.

لكن في المقابل، ما زالت هناك أصوات تعتقد أن اللعبة يجب أن تبقى منفصلة تماماً عن الاعتبارات الدينية أو الثقافية، وبين هذين الموقفين تستمر القضية في العودة كل رمضان تقريباً.

اقرأ المزيد

المزيد من رياضة