Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تحمي شبكة الأنفاق المعقدة في طهران النظام من السقوط؟

تتوزع مداخلها ومخارجها عبر نقاط مختلفة من المناطق الحيوية في العاصمة الإيرانية وخصوصاً قرب المراكز العلاجية والتعليمية

 افتتح نفق "توحيد" عام 2009 وهو يربط الطريق السريع شمران في الشمال بالطريق السريع نواب في الجنوب (مواقع التواصل الاجتماعي)

ملخص

بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً، أعلنت إدارة مدينة طهران في ليال عدة إغلاق مداخل بعض الأنفاق مثل "نيايش" و"أمير كبير" و"شهداء غزة" بحجة إجراء أعمال صيانة، غير أن هذه الإغلاقات أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت هناك تحركات أو عمليات نقل تجري عبر ممرات سرية خلال تلك الفترات.

كشفت الغارة الجوية التي استهدفت في الخامس من مارس (آذار) الجاري مجمع القيادة المعروف باسم "بيت رهبري" عن تفاصيل جديدة تتعلق بالمخبأ الذي يعتقد أنه مخصص للمرشد الإيراني علي خامنئي، وتشير المعلومات إلى أن هذا المخبأ ليس مجرد منشأة تحت الأرض بل شبكة واسعة تشبه مدينة كاملة تحت باطن العاصمة، تتوزع مداخلها ومخارجها في نقاط مختلفة من المناطق الحيوية في طهران، وخصوصاً قرب المراكز العلاجية والتعليمية.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي جرى الكشف عن حفر نفق بطول 5 آلاف متر تحت سوق طهران الكبير، وقد نسبت السلطات البلدية عملية الحفر إلى حفارين مجهولين وادعت أن الغرض منها إنشاء مستودعات أسفل المتاجر، في محاولة لاحتواء القضية وإغلاق ملفها سريعاً.

 

وخلال حرب الـ12 يوماً تسربت معلومات تفيد بأن اجتماع "المجلس الأعلى للأمن القومي" الإيراني الذي عقد في موقع تحت الأرض غرب طهران تعرض للاستهداف، وبحسب تقديرات استندت إلى موقع الضربة الجوية الإسرائيلية فيعتقد أن هذا الموقع يقع تحت الطريق السريع "خرازي"، مع وجود مخرج طوارئ يؤدي إلى مجمع "إيران مول" التجاري الضخم، وكانت قد ترددت خلال الأعوام الماضية أيضاً أحاديث عن وجود أنفاق ومنشآت تحت الأرض في منطقة مصلى طهران وكذلك في منطقة لويزان، ومن غير المستبعد أن تكون هذه الأنفاق مرتبطة ببعضها ضمن شبكة واحدة، إذ يبدو أنها جزء من مشروع طويل الأمد تعود جذور القسم الأكبر منه لفترة تولي محمد باقر قاليباف منصب عمدة طهران لمدة 12 عاماً، فخلال تلك المرحلة وتحت شعارات من قبيل الإدارة الجهادية وبغطاء مشاريع المترو والمشاريع العمرانية الكبرى، انطلقت عملية بناء واحدة من أكثر المدن الأمنية تحت الأرض تعقيداً في قلب العاصمة الإيرانية.

شعار "الإدارة الجهادية"

تعود بداية هذه القصة لعام 2005 حين تولى محمد باقر قاليباف منصب عمدة طهران بعد خسارته في الانتخابات الرئاسية، وقد جرى انتخابه من قبل مجلس بلدية طهران الثاني ثم جرى تثبيته في منصبه مجدداً خلال الدورة الثالثة لمجلس المدينة بين عامي 2007 و2013 من دون أن يواجه معارضة جدية.

وبحسب القوانين المعمول بها في نظام الجمهورية الإسلامية، ولا سيما المادة (35) من قانون تنظيم عمل المجالس الصادر عام 1989، لا يجوز لأي شخص أن يشغل منصب العمدة لثلاث دورات متتالية، غير أن هذا القيد القانوني لم يطبق في حال قاليباف وجرى تجاوز القانون بدعم واضح من رئيس مجلس المدينة مهدي جمران، إضافة إلى مساندة علي لاريجاني الذي كان يتولى آنذاك رئاسة البرلمان الإيراني، وهكذا جرى الإبقاء على قاليباف في منصبه عام 2013 لولاية ثالثة.

شبكة أنفاق طهران

خلال أعوام إدارته لبلدية طهران رفع قاليباف مجموعة من الشعارات الأساس وأبرزها "الإدارة الجهادية" وشعار "محطة مترو كل 30 يوماً"، وإضافة إلى هذه الشعارات أبدى اهتماماً ملاحظاً بالمشاريع التي تتعلق بالحفر في أعماق الأرض وإنشاء الأنفاق، وخلال فترة توليه المنصب شيدت أنفاق كبرى عدة في طهران تحت عناوين رسمية مثل تخفيف الازدحام المروري أو ربط شمال المدينة بجنوبها وشرقها بغربها، ومن أبرز هذه الأنفاق "توحيد" و"نيايش" و"أمير كبير"، وقد افتتح نفق "توحيد" عام 2009، وهو يربط الطريق السريع شمران في الشمال بالطريق السريع نواب في الجنوب، أما نفق "نيايش" الذي يشكل جزءاً من مشروع "صدر-نيايش" فقد افتتح عام 2013 ويربط الطريق السريع "نيايش" غرباً بالطريق السريع "صدر" شرقاً، ماراً تحت مناطق "ونك" و"بارك" و"ي" و"إلهيه"، وأنجز نفق "أمير كبير" خلال الأعوام الأخيرة من ولاية قاليباف ليربط الطريق السريع "الإمام علي" بالطريق السريع "الشهيد محلاتي" ومناطق مركزية أخرى في المدينة.

وخلال تنفيذ هذه المشاريع الضخمة التي استهلكت موازنات هائلة واصل قاليباف الترويج لشعار "الإدارة الجهادية"، وقد أشاد علي خامنئي مراراً بهذا النموذج الإداري واعتبره مثالاً يحتذى به لبقية المسؤولين، غير أن عدداً من خبراء التخطيط الحضري أشاروا إلى أن بعض هذه المشاريع لم يكن له تأثير حقيقي في تخفيف الازدحام المروري، وأن بلدية طهران فضلت الاستثمار في مشاريع تشجع استخدام السيارات بدلاً من تعزيز النقل العام، وهو ما برز بوضوح في الانتقادات الموجهة إلى مشروع "صدر-نيايش".

حفر الأنفاق تحت غطاء مشاريع المترو

لم يقتصر اهتمام قاليباف بالحفر على الأنفاق المرورية وحسب بل امتد أيضاً إلى مشاريع مترو طهران، فخلال عهده جرى تشغيل خطي المترو الثالث والسابع إضافة إلى توسعات في خطوط أخرى، مثل تطوير الخط الرابع وإنشاء فرع مطار "مهرآباد" وكذلك فرع الخط الأول الذي يصل إلى مدينة آفتاب ومطار "الإمام الخميني".

وقد أثار تركيز قاليباف المفرط على الحفر تحت شعار "محطة مترو كل شهر" انتقادات حتى من داخل منظومة المترو نفسها، فاعتبر الرئيس السابق لشركة "مترو طهران"، محسن هاشمي، أن البلدية كانت تركز على حفر الأنفاق وصب الخرسانة لرفع الأرقام الإحصائية، في حين لم تخصص موارد كافية لشراء القطارات والعربات، وأدى هذا النهج إلى فترات انتظار طويلة للركاب، وكان المسافرون في بعض الخطوط الجديدة ينتظرون ما بين 45 و50 دقيقة لوصول القطار، بينما كانت بعض الخطوط تعمل ساعات محدودة فقط خلال اليوم، وتبين لاحقاً أن بعض المحطات افتتحت قبل اكتمال تجهيزها بالكامل، فقد كشف نائب عمدة طهران لشؤون النقل بعد انتهاء فترة قاليباف، محسن بور سيد آقائي، أن القطارات في الخط السابع أنزلت بواسطة الرافعات عبر فتحات الحفر فقط من أجل افتتاح الخط، على رغم عدم وجود مستودعات صيانة أو بنى تشغيلية مكتملة، وإضافة إلى ذلك كانت هناك مشكلات أخرى مثل نقص مخارج الطوارئ، وضعف أنظمة التهوية وعدم اكتمال نظام الإشارات، مما اضطر المشغلين إلى تسيير القطارات أحياناً عبر توجيه يدوي باستخدام أجهزة الاتصال اللاسلكي.

دور مقر "خاتم الأنبياء" في المشاريع العمرانية

بدأ دخول "الحرس الثوري" الإيراني إلى المشاريع العمرانية الكبرى في طهران منذ تسعينيات القرن الماضي، إلا أن هذا الدور توسع بصورة كبيرة منذ العقد الأول من القرن الـ 21، خصوصاً خلال فترتي رئاسة بلدية محمود أحمدي نجاد ثم محمد باقر قاليباف، وخلال هذه المرحلة تحول الذراع الاقتصادي لـ "الحرس الثوري"، وهو مقر "خاتم الأنبياء" للبناء، إلى أحد أبرز المتعاقدين في المشاريع الحضرية الكبرى وفي كثير من الأحيان المقاول الحصري لها، فقد أُسندت إليه مشاريع واسعة النطاق شملت الطرق السريعة والأنفاق وخطوط المترو ومشاريع بنية تحتية أخرى، ويرى منتقدون أن كثيراً من هذه العقود منحت مباشرة للمقر من دون المرور بإجراءات المناقصات القانونية المعتادة،  وبقيت الأبعاد المالية لهذه الصفقات غامضة لأعوام إلى أن كشف عضو مجلس مدينة طهران محمد جواد حق‌ شناسن عام 2021 عن جانب من هذه الشبكة المالية، موضحاً أن البلدية أبرمت عقوداً سرية مع مقر "خاتم الأنبياء" تجاوزت قيمتها الموازنة السنوية للبلدية، مشيراً إلى عقدين عرفا باسم "فاينانس-1" و"فاينانس-2" جرى توقيعهما خلال العقد الماضي بصفة سرية، وبموجب هذه الاتفاقات جرى تمويل المشاريع من خلال بيع حقوق البناء ورفع الكثافة العمرانية، أي عبر ما يعرف محلياً بسياسة بيع المدينة، مؤكداً أن كثيراً من هذه العقود وصفت بالسرية مما حد من قدرة مجلس المدينة نفسه على مراقبتها، إذ إن تفاصيلها لم تكن معروفة سوى لقاليباف ونائبه عيسى شريفي.

ضابط سابق في "الحرس الثوري" يدير المترو

وإضافة إلى دور مقر "خاتم الأنبياء" كمقاول رئيس، فقد تولى إدارة شركة تشغيل مترو طهران شخص يدعى هابيل درويشي، وهو أيضاً من خلفية عسكرية في "الحرس الثوري"، وبذلك تشكل مثلث إداري ضم قاليباف ودرويشي ومقر "خاتم الأنبياء"، مما أتاح تنفيذ مشاريع الحفر تحت الأرض في ظل قدر كبير من السرية، وقد كان درويشي الذي تولى منصبه بين عامي 2010 و2017 يظهر في كثير من الأحيان داخل الأنفاق مرتدياً ملابس العمل وخوذة السلامة، وخلال فترة إدارته افتتحت خطوط رئيسة عدة من مترو طهران.

ومن أبرز الأدوات المستخدمة في تلك المشاريع آلات الحفر العملاقة المعروفة باسم "تي بي إم"، وهي آلات ضخمة بقطر يقارب التسعة أمتار، قادرة على حفر الأنفاق وتركيب الجدران الخرسانية في الوقت نفسه، مما يسمح بإنجاز النفق بسرعة كبيرة قد تصل إلى 15 أو 20 متراً يومياً، وعلى رغم العقوبات الدولية المفروضة على إيران خلال العقد الماضي، تمكنت بلدية طهران من استيراد عدد من هذه الآلات وقطعها الاحتياطية بحجة استخدامها في مشاريع المترو، لكن استخدام هذه المعدات الثقيلة لم يخل من الأخطار، وأدت عمليات الحفر في بعض الحالات إلى تسربات مياه الصرف الصحي أو اهتزازات في المباني القديمة، بخاصة في الأحياء المركزية مثل "منيرية" و"مولوي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أبعاد مشروع الأنفاق تحت العاصمة

عند جمع هذه المعطيات معاً تتضح صورة مشروع واسع النطاق لحفر الأنفاق تحت العاصمة، فآلات الحفر المتطورة المستخدمة قادرة على العمل في أعماق أكبر من تلك المطلوبة عادة لشبكة المترو، وهو ما يفتح المجال لإنشاء طبقات إضافية تحت المدينة قد تستخدم كممرات أو مرافق دعم أو حتى ملاجئ إستراتيجية، وكذلك فإن الإصرار على إبقاء قاليباف في منصبه لولاية ثالثة قد يكون مرتبطاً بالحاجة إلى استمرار هذا المشروع من دون تغيير في القيادة أو تسريب للمعلومات، فالمشاريع التي تحمل أبعاداً أمنية حساسة تتطلب مستوى عالياً من السرية والاستقرار الإداري لأن تغيير القيادة قد يؤدي إلى كشف تفاصيل فنية أو خرائط سرية.

الامتداد الجغرافي المحتمل للأنفاق

حتى الآن تشير المعلومات المتاحة إلى وجود ثلاثة مواقع رئيسة لأنفاق أو ملاجئ تحت الأرض في طهران، الأول منشأة تحت الأرض مرتبطة بالمجمع المعروف باسم "بيت القيادة"، والثاني نفق بطول خمسة كيلومترات تحت سوق طهران، والثالث منشأة تحت الأرض غرب المدينة قرب مجمع "إيران مول" التجاري والطريق السريع المعروف باسم خرازي، ويُعتقد أن بعض هذه المواقع قد تكون مرتبطة عبر ممرات سرية وربما تمتلك مخارج طوارئ عدة، وترد تقارير عن منشآت أخرى محتملة تحت تلال عباس آباد قرب مصلى طهران، إضافة إلى مواقع في لويزان وموقع "مجدة"، فضلاً عن احتمال وجود ممرات تربط بعض خطوط المترو بمراكز حكومية أو ثكنات عسكرية أو مستشفيات تابعة للمؤسسة العسكرية.

تداعيات أمنية وبيئية

أثارت عمليات الحفر الواسعة تحت طهران عدداً من الحوادث التي طرحت تساؤلات حول طبيعة هذه المشاريع ومن أبرزها حادثة شهران عام 2016، حين أدى انفجار خط غاز إلى تشكل حفرة ضخمة في الأرض، وتبيّن أن بعض أعمال الحفر كانت تجرى في مناطق لا تظهر في خرائط شبكة الغاز الرسمية، وكذلك أثرت عمليات الحفر العميق في البيئة الحضرية للمدينة وأدى تدمير مئات القنوات المائية التقليدية إلى تغييرات في البنية الجيولوجية للمدينة.

ويحذّر خبراء من أن الجمع بين الحفر العميق والاستنزاف المفرط للمياه الجوفية أسهما في ارتفاع معدلات هبوط الأرض في طهران، وتشير بعض التقديرات إلى أن معدل الهبوط في بعض مناطق المحافظة تجاوز 25 سنتيمتراً سنوياً، وهو من أعلى المعدلات المسجلة عالمياً، وإضافة إلى ذلك فقد يؤدي وجود منشآت عسكرية أو أمنية تحت مناطق مأهولة بالسكان إلى أخطار إضافية في أوقات الأزمات أو النزاعات، إذ يمكن أن يتحول المدنيون إلى دروع بشرية تحيط بأهداف حساسة.

أسئلة بلا إجابات

بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً أعلنت إدارة مدينة طهران في ليال عدة إغلاق مداخل بعض الأنفاق مثل "نيايش" و"أمير كبير" و"شهداء غزة" بحجة إجراء أعمال صيانة، غير أن هذه الإغلاقات أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت هناك تحركات أو عمليات نقل تجري عبر ممرات سرية خلال تلك الفترات، ولا توجد حتى الآن إجابات قاطعة حول هذا السؤال، لكن من المرجح أن تكشف الوثائق أو الشهادات التي قد تظهر مستقبلاً مزيداً من التفاصيل حول ما يجري في العالم الخفي الممتد تحت شوارع العاصمة الإيرانية.

 نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير