Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فيضانات تهدد غزة و912 موقع نزوح مهددة بالغرق الكامل

تعمل الأمم المتحدة وبلديات القطاع على خطة طوارئ للمساعدة وخبراء يعتقدون أن كل الحلول لمواجهتها غير مناسبة

 في غزة 1500 مركز إيواء مدرجة ضمن كشوفات "أوتشا" و912 من هذه المعسكرات في مناطق منخفضة تغرق وتتحول المياه فيها إلى فيض (أ ف ب)

ملخص

في غزة لا يبلل المطر الثياب فقط بل يقتلع المأوى، والفيضانات تتحول إلى كابوس، فما السبيل للخلاص؟

تهطل الأمطار بغزارة على خيمة نداء، وفجأة لم يعد الشتاء مجرد زخات بل تحول إلى كابوس عندما اقتحم الماء باب الخيمة وانفجرت الأرض من تحت فراش العائلة بالوحل ومياه الصرف الصحي، وكأن الفيضان وحش يلتهم العائلة.

لم تجد الأمطار أي مجرى لها فتراكمت المياه وتحولت إلى فيضان يغرق عائلة نداء، وفي داخل الخيمة صرخات الأطفال تملأ المأوى وأطرافهم ترجف برداً، أما أغراض الأسرة فبدأت تتحرك مع الفيضانات، وحينها جلبت الأم حبلاً وربطت صغارها خوفاً من أن تجرفهم المياه ويغرقون في عتمة الليل.

تعيل نداء ثلاثة صغار وحدها، وكإجراء احتياطي من الفيضان حملتهم لزاوية مرتفعة، أما هي فوقفت سنداً لهم والماء يحيط بركبتيها تنظر وتتحسر بصمت على ملابسهم وأغطيتهم وهي تغرق في الأمطار الغزيرة التي تحولت لجرف فيضاني لا يرحم، وقالت "فجأة ارتفع منسوب الماء وكان الفيضان يحدث بسرعة ولم يترك لي مجالاً لإنقاذ شيء، فكل ما كنا نملكه غرق أمام أعيننا ولا أحد يستطيع تقديم المساعدة، فجميع النازحين في الإيواء مشغولون وكأننا ننتظر معجزة، وعندما جف الفيضان فقدنا المأوى وضاع مع السيول ما بقي من كرامة وخصوصية".

 

ربع سكان غزة تجرفهم الفيضانات

تعيش نداء في واحد من 912 موقع نزوح أفاد "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" (أوتشا) بأنها معرضة لخطر الغرق والفيضانات، وحدوث ذلك يشكل كارثة إنسانية من الصعب التعامل معها.

وفي غزة 1500 مركز إيواء مدرجة ضمن كشوف "أوتشا"، 912 منها في مناطق منخفضة تغرق وتتحول المياه فيها إلى فيضانات، مما يترك نحو 900 ألف شخص في حال يرثى لها، بخاصة أن مواد إصلاح المأوى غير متوافرة في غزة، والأمر الخطر أن الـ 912 موقعاً تشكل 60 في المئة من إجمال المعسكرات، وهو ما يعني خسارة كبيرة للمأوى لن تستطيع منظمات الإغاثة توفير بديل عنها في ظل القيود الإسرائيلية على المعابر، أما الأمر المحزن في الفيضانات فهو أن سكان هذه المواقع يشكلون حوالى 40 في المئة من سكان القطاع.

ولن يجد النازحون من سكان هذه المعسكرات أي مكان يحتمون فيه من الفيضانات، لا في شمال القطاع ولا جنوبه، فالمواقع الـ 912 موزعة على جميع المحافظات، وفي خان يونس جنوباً الضرر الأكبر حيث تستضيف المدينة وحدها 214 معسكر نزوح مهددة بالغرق ويعيش فيها نحو 391 ألف نازح، أما في محافظة دير البلح ومحيطها وسط القطاع فهناك 94 موقعاً يتعرض للفيضانات ويعيش فيها نحو 96 ألف فرد، وفي مدينة غزة المركزية التي تضم 32 موقع نزوح يعيش فيها 24 ألف نازح فنجدها مهددة بصورة مباشرة، وعلى طول الساحل هناك نحو 13 موقعاً تعرض للفيضانات ويواجه سكان المعسكرات فيها خطر ارتفاع أمواج البحر والرياح الشديدة التي تقتلع الخيم.

أسباب الفيضانات

قبل الحرب لم تكن غزة تغرق بالأمطار ولا فيضانات فيها لكن بعد الإبادة تغير كل شيء، وقال نائب رئيس اتحاد بلديات غزة علاء البطة إن "السبب في تشكل الفيضانات هو فقدان القدرة على تصريف مياه الأمطار بسبب الحرب التي أدت إلى تدمير حوالى 85 في المئة من شبكات الصرف الصحي، مما جعل مياه الأمطار تتجمع في الشوارع لعدم وجود قنوات تصريف عاملة"، مضيفاً أن "تراكم الأنقاض أدى إلى سد مجاري الوديان والشوارع مما غيّر المسارات الطبيعية للمياه وأدى إلى غرق المناطق المجاورة، ومن بين الأسباب المهمة تدمير السواتر في وادي غزة وهو ما أدى إلى فيضان الوادي وإغراق خيم النازحين، وكذلك تسببت الانفجارات المستمرة وعمليات التجريف بضغط التربة وتغيير تضاريسها مما قلل من قدرتها على امتصاص المياه وزاد سرعة الجريان السطحي نحو المناطق المنخفضة".

أخطار الفيضانات

وتابع البطة أن الفيضانات "تتسبب في غرق وتدمير الخيم وتلف الأمتعة والملابس ووسائل التدفئة البسيطة وتؤدي إلى ضرر واسع النطاق، فمنخفض جوي واحد قد يطاول تأثيره أكثر من ربع مليون نازح، وقد تسجل بينهم خسائر في الأرواح"، موضحاً أنه "بسبب الفيضانات التي اختلطت مياهها مع الصرف الصحي انتشرت الأوبئة وأدت إلى انهيار التربة وأجزاء من المباني المتضررة أصلاً أو انزلاقات طينية".

ونتيجة الفيضانات غرق عريس رفقة زوجته ليلة زفافهما في غزة، حيث أقيم الفرح بين أزقة الخيم الموحلة، وبينما كانت عبارات التهنئة تتردد في أرجاء معسكر الإيواء بدأت الأمطار المصحوبة بالرياح تضرب خيمة العريس محمد وزوجته هديل، وتحول ضحك العروسين إلى سباق مع الزمن، فالرياح الشديدة مزقت سقف الخيمة وبدأت الأمطار تنهمر بغزارة لتغرق كل من بداخلها، وقالت الزوجة "نعيش في خيمة صغيرة جمعت فيها أغطية ووسائد بسيطة غاصت في الطين، وبدلاً من أن أقضي ليلتي الأولى في هدوء انتهت ليلة الزفاف ولم نجد أي سقف نقضي تحته ليلتنا".

وقد خسرت غزة نتيجة الفيضانات 17 شخصاً وتسببت في حالات وفاة رضع داخل الخيم التي تحولت إلى مستنقعات مائية، ودمرت ما لا يقل عن 42 ألف خيمة مع انهيار 25 مبنى سكنياً، وأصيب نحو ربع مليون نازح بالأمراض.

أساليب المراوغة لا تجدي نفعاً

يحاول أهل غزة ابتكار وسائل بسيطة لحماية أنفسهم من الفيضانات، فمع اقتراب أي منخفض جوي يضعون داخل الخيم طبقة سميكة من الرمل والحصى لرفع الفراش عن مستوى الأرض، ويحفرون قنوات صغيرة لتصريف مياه الأمطار ويعززون الخيمة من الخارج بطبقات إضافية من النايلون المقوى ويحرصون على تثبيت أوتادها بإحكام، ومع ذلك تبقى هذه التدابير محدودة وهشة وغالباً ما تعجز عن الصمود أمام الأمطار الغزيرة والسيول.

ولا يمكن لجميع العائلات تنفيذ تدابير للحماية من الفيضانات، إذ تتطلب هذه الإجراءات توفير مستلزمات شتوية أساس تفتقر إليها السوق حالياً بسبب إغلاق المعابر، وقال المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل إن "النازحين يحتاجون إلى الشوادر والألواح الخشبية وأكياس الرمل، إضافة إلى الملابس الشتوية والبطانيات الحرارية لتعويض ما يتلف نتيجة الغرق، فضلاً عن وسائل تدفئة آمنة نظراً إلى خطورة إشعال النار داخل الخيم المبللة، وهناك حاجة ماسة إلى مطافئ حريق صغيرة".

ولمواجهة كارثة الفيضانات تعمل "وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" (أونروا) على شفط المياه من مراكز الإيواء والمخيمات المزدحمة وتوزيع الخيم والشوادر البلاستيكية والبطانيات، ويساعدها في ذلك "مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية" الذي يقود نظام الاستجابة السريعة المشترك لإنذارات الفيضانات، والدفاع المدني الفلسطيني وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني والبلديات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جهات التدخل عاجزة

مع ذلك تبقى قدرة هذه الجهات محدودة في مواجهة الفيضانات، وذكر المتحدث باسم "أونروا" عدنان أبو حسنة أن "الطواقم تعمل بإمكانات محدودة جداً وأدوات بدائية نتيجة نقص الوقود والمعدات الثقيلة، وتتركز جهودها في التعامل مع الفيضانات على تنفيذ عمليات الإنقاذ والإجلاء وفتح مسارات لتصريف المياه والتعامل مع الانهيارات الجزئية للمباني التي تضعفها الأمطار الغزيرة، إضافة إلى تحذير المواطنين من الاقتراب من المنشآت الآيلة للسقوط".

ورأى الدفاع المدني أن جميع الإجراءات تظل ترقيعية وغير كافية لمواجهة حجم الكارثة، وشرح محمود بصل أن "معظم الخيم الموجودة حالياً استخدمت لفترات طويلة وتآكلت بفعل الشمس، والخيم في حال مهترئة والبنية التحتية مدمرة، وحتى لو حفر النازحون قنوات فإن المياه لا تجد مكاناً تذهب إليه"، مضيفاً أن "نقص الوقود والمعدات والاكتظاظ الشديد وعدم وجود مبان كافية لاستيعاب مئات آلاف الأشخاص الذين تضررت خيمهم تعد جزءاً من عقبات هائلة تجعل السيطرة على الفيضانات أمراً شبه مستحيل".

خطة الطوارئ ومبررات إسرائيل

تعمل الأمم المتحدة وبلديات غزة على خطة طوارئ لإخلاء النازحين من نقاط الغرق الساخنة، إذ حددوا ثمانية مواقع موقتة لدعم الانتقال الطوعي، لكن هذه المعسكرات قليلة وغير كافية لأن هناك 912 مركز إيواء تتعرض للفيضانات، ويعتقد خبراء الأمم المتحدة أن جميع الحلول في غزة لمواجهتها غير مناسبة ولم تعد تجدي نفعاً، فيما يضعون ثلاث خطوات جذرية لإنقاذ النازحين من الغرق المتكرر، وقال المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في المياه والصرف الصحي بيدرو أروجو أغودو إنه "يجب الإخلاء الاستباقي لمخيمات النزوح الواقعة في المناطق المنخفضة إلى مناطق محمية، ثم إدخال وحدات الإيواء الجاهزة والبدء فوراً باستبدال الخيم القماشية والنايلون بكرفانات وغرف سكنية جاهزة قادرة على عزل المياه والرياح وتحمّل الظروف الجوية القاسية، وترميم عاجل لأحواض تجميع الأمطار".

وترفض إسرائيل الاستجابة لمطالب غزة مبررة ذلك بأسباب كثيرة، وقال رئيس قسم التنسيق المدني في وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية أفياتار أشنكازي "إن النايلون المقوى والمواسير الضخمة والأخشاب وبعض المواد العازلة يمكن أن تستخدمها الفصائل المسلحة لبناء وترميم الأنفاق أو في أغراض عسكرية، أما تقنين كميات وقود الديزل الداخلة للبلديات والدفاع المدني فبسبب الخشية من استيلاء حركة 'حماس' عليه واستخدامه لتشغيل آليات عسكرية أو تهوية الأنفاق، بدلاً من استخدامه في تصريف مياه الأمطار".

اقرأ المزيد

المزيد من الشرق الأوسط