Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فاتورة حرب إيران تثير صدمة الاضطرابات الاقتصادية

من الإنفاق العسكري إلى قفزة النفط واضطراب الشحن وسلاسل الإمداد يتعزز الصراع الدائر

مليارات تنفق عسكرياً ونفط يقترب من 100 دولار، وتأمين وشحن يقفزان بأضعاف، والأسواق تعيد تسعير الأخطار الجيوسياسية (أ ف ب)

ملخص

تتحدث تقديرات متداولة في واشنطن عن أن كلفة العمليات قد تصل إلى نحو مليار دولار يومياً، وهو رقم يعكس طبيعة المواجهة التي تعتمد بدرجة كبيرة على أنظمة قتالية مرتفعة الكلفة وسريعة الاستهلاك.

لم تبدأ فاتورة الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران من شاشات أسعار النفط، بل من الكلفة العسكرية المباشرة نفسها، فمنذ الساعات الأولى للعمليات، بدأت التداعيات الاقتصادية تتشكل سريعاً، مع تقديرات أولية تشير إلى خسائر بمليارات الدولارات خلال الأيام الأولى فقط من المواجهة.

ومع انطلاق الضربات على طهران خلال الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، ثم الرد الإيراني وما تبعه من اتساع دائرة التوتر في الخليج، لم يعد العالم يتابع تصعيداً عسكرياً محصوراً في جغرافيا ضيقة، بل صدمة جيوسياسية تتسع طبقاتها تباعاً، تبدأ بكلفة عسكرية مباشرة، ثم تنتقل إلى اضطراب أسواق الطاقة، وقفزة في كلفة التأمين البحري والشحن، قبل أن تمتد آثارها إلى التضخم وأسعار الفائدة وتوقعات النمو العالمي.

وبحلول السابع من مارس (آذار) الجاري دخلت الحرب يومها الثامن، وعلى رغم قصر المدة زمنياً فإنها كانت كافية لدفع الأسواق العالمية إلى إعادة تسعير جزء واسع من الاقتصاد العالمي، من الطاقة إلى التجارة والتمويل.

خلفيات التصعيد

تعود جذور التصعيد الحالي إلى سلسلة ضربات عسكرية متبادلة بدأت مع استهداف مواقع إيرانية أواخر فبراير الماضي، قبل أن ترد طهران بهجمات صاروخية وطائرات مسيرة، مما دفع التوتر في الخليج إلى واحدة من أكثر مراحله حساسية خلال الأعوام الأخيرة.

وخلال أيام قليلة فحسب، تجاوزت المواجهة إطارها العسكري المحدود لتتحول إلى أزمة جيوسياسية أوسع، مع تصاعد المخاوف من امتداد الصراع إلى الممرات البحرية الحيوية في المنطقة، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يمثل شرياناً رئيساً لتدفقات الطاقة والتجارة العالمية.

ومع اتساع العمليات، بدأت الحكومات والشركات والأسواق المالية متابعة تطورات الأزمة بدقة، ليس فقط بسبب أبعادها العسكرية بل أيضاً لما تحمله من تداعيات مباشرة على حركة الطاقة والتجارة العالمية.

الكلفة العسكرية

لا يمكن قراءة الأثر الاقتصادي للحرب من خلال الأسواق وحدها، إذ تبدأ الفاتورة الفعلية من الكلفة العسكرية المباشرة للعمليات، وتشير تقديرات مراكز أبحاث دفاعية وتقارير متابعة للإنفاق العسكري الأميركي إلى أن الكلفة الأولية للعمليات خلال الأيام الأولى من المواجهة بلغت نحو 11 مليار دولار، نتيجة الاستخدام المكثف للصواريخ الاعتراضية وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة والذخائر الدقيقة، إضافة إلى نشر قطع بحرية وتنفيذ طلعات جوية مكثفة في المنطقة.

وتتحدث تقديرات متداولة في واشنطن عن أن كلفة العمليات قد تصل إلى نحو مليار دولار يومياً، وهو رقم يعكس طبيعة المواجهة التي تعتمد بدرجة كبيرة على أنظمة قتالية مرتفعة الكلفة وسريعة الاستهلاك.

وبحسب تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، بلغت كلفة أول 100 ساعة من العمليات العسكرية الأميركية نحو 3.7 مليار دولار، أي ما يقارب 891 مليون دولار يومياً، نتيجة الاستخدام الواسع للذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية والانتشار البحري والجوي المكثف.

ولا تشمل هذه الأرقام فقط كلفة العمليات المباشرة، بل تمتد أيضاً إلى النفقات المرتبطة بالتحشيد العسكري ونشر حاملات الطائرات وأنظمة الدفاع في الخليج، إذ يكلف تشغيل حاملة طائرات أميركية واحدة ما يقارب 10 ملايين دولار يومياً.

وتكبد الجيش الأميركي خسائر إضافية بعد سقوط ثلاث مقاتلات من طراز "أف-15" في الكويت، وهي خسارة تقدر بنحو 300 مليون دولار، في ظل كلفة تصل إلى نحو 90 مليون دولار للطائرة الواحدة.

وتشير تقديرات أكاديمية، من بينها مشروع "كلفة الحروب" في جامعة براون، إلى أن العمليات المرتبطة بإيران كلفت بالفعل ما بين 2 و2.25 مليار دولار خلال عام 2025 وحده، قبل اندلاع المواجهة الحالية.

ويرى محللون اقتصاديون أن الكلفة المباشرة للحرب قد تصل إلى ما بين 40 و95 مليار دولار على دافعي الضرائب الأميركيين، تبعاً لمدة الصراع واتساع نطاقه، فيما قد ترتفع الخسائر الاقتصادية الإجمالية إلى ما بين 50 و210 مليارات دولار نتيجة تأثير الحرب في التجارة وأسواق الطاقة.

الكلفة في إسرائيل

في المقابل، تواجه إسرائيل ضغوطاً اقتصادية متزايدة نتيجة التصعيد العسكري، إذ تشير تقديرات وزارة المالية الإسرائيلية إلى أن الخسائر الاقتصادية قد تتجاوز 9 مليارات شيكل (2.9 مليار دولار) أسبوعياً.

وتعود هذه الخسائر إلى القيود الأمنية المشددة التي تشمل إغلاق المدارس وتقييد الحركة واستدعاء قوات الاحتياط، إضافة إلى تعطل جزء كبير من الأنشطة الاقتصادية.

وتقدر الحكومة الإسرائيلية أن هذه الخسائر قد تنخفض إلى نحو 4.3 مليار شيكل (1.4 مليار دولار) أسبوعياً إذا جرى تخفيف القيود الأمنية، بما يسمح بعودة تدريجية لبعض الأنشطة الاقتصادية.

وعلى رغم أن الاقتصاد الإسرائيلي حقق نمواً بنحو 3.1 في المئة خلال عام 2025، فإن التوقعات التي كانت تشير إلى نمو يتجاوز خمسة في المئة عام 2026 أصبحت الآن موضع مراجعة، في ظل استمرار التوترات العسكرية.

ويكمن التحدي الأكبر أمام الحكومة في كيفية تمويل هذه النفقات العسكرية الطارئة ضمن موازنة 2026، خلال وقت تشير تقديرات رسمية إلى احتمال ارتفاع العجز المالي إلى أكثر من 3.9 في المئة.

ورفعت وزارة المالية بالفعل مخصصات الدفاع بنحو 9 مليارات شيكل إضافية (2.9 مليار دولار) فوق 112 مليار شيكل (35 مليار دولار)، كانت مرصودة سلفاً، مما يعني أن موازنة الدفاع قد ترتفع إلى ما لا يقل عن 121 مليار شيكل (39.5 مليار دولار).

خسائر إيران في الحرب

تكشف المؤشرات الأولية أن إيران دفعت ثمناً باهظاً خلال الأيام الأولى من الحرب، ليس فقط على المستوى العسكري بل أيضاً على الصعيدين الاقتصادي والبشري، في واحدة من أعنف المواجهات التي تشهدها المنطقة منذ أعوام.

على المستوى البشري، تشير تقديرات أولية إلى مقتل أكثر من 1300 شخص داخل إيران خلال الأيام الأولى من الضربات الجوية والهجمات المتبادلة، بينهم مدنيون وأطفال، نتيجة استهداف مواقع عسكرية ومناطق حضرية في عدد من المدن الإيرانية.

أما على الصعيد العسكري، تعرضت بنية تحتية عسكرية وأمنية حساسة لضربات مكثفة، شملت قواعد لـ"الحرس الثوري" ومراكز قيادة ومنشآت مرتبطة بالبرنامج الصاروخي.

أسفرت الضربات عن مقتل عدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين وتدمير أو تضرر منشآت عسكرية رئيسة، وهو ما اعتبره محللون ضربة مباشرة لقدرات القيادة والسيطرة العسكرية في البلاد.

اقتصادياً، تبدو الخسائر أكثر تعقيداً وأطول أثراً، فإيران تعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط كمصدر رئيس للإيرادات، لكن الصراع أدى إلى اضطراب كبير في حركة التصدير وارتفاع الأخطار في الخليج. وتشير تجارب الصراعات السابقة إلى أن مثل هذه المواجهات قد تؤدي إلى تراجع حاد في صادرات النفط وفقدان عشرات ملايين الدولارات يومياً من الإيرادات النفطية.

وتتحمل طهران كلفة عسكرية مرتفعة نتيجة إطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيرة خلال عمليات الرد، إذ يمكن أن تصل كلفة الترسانة المستخدمة إلى عدة مليارات من الدولارات وفق تقديرات عسكرية، نظراً إلى ارتفاع كلفة الصواريخ الباليستية وأنظمة الطائرات المسيرة.

إلى جانب ذلك، طاولت الخسائر البنية التحتية والاقتصاد المدني، إذ تعرضت مبان حكومية ومنشآت صناعية ومناطق سكنية لأضرار كبيرة في طهران ومدن أخرى، بينما أدت إجراءات أمنية مثل قطع الإنترنت وتعطل الخدمات الرقمية إلى خسائر إضافية في الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية.

ويرى محللون أن الخسارة الأكبر قد لا تكون في الأضرار المباشرة فحسب، بل في الضغوط الاقتصادية طويلة المدى، فإيران تعاني أصلاً من عقوبات دولية وأزمة استثمار مزمنة، وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن البلاد تحتاج إلى أكثر من 500 مليار دولار لتحديث بنيتها التحتية، وهو رقم مرشح للارتفاع مع الأضرار التي خلفتها الحرب.

وبين الخسائر البشرية وتدمير البنية العسكرية وتعطل جزء من الاقتصاد، تبدو إيران أمام فاتورة حرب معقدة قد تستمر آثارها لأعوام، حتى لو توقفت العمليات العسكرية خلال وقت قريب.

قفزة النفط

لكن فاتورة الحرب لا تقف عند حدود الإنفاق العسكري المباشر، فمع اتساع المواجهة داخل منطقة تمثل قلب إمدادات الطاقة العالمية، بدأت التداعيات تنتقل سريعاً إلى أسواق النفط والغاز، لتتحول الأزمة من كلفة عسكرية إلى صدمة طاقة تهدد بإعادة تسعير الاقتصاد العالمي.

وخلال أيام قليلة فقط ارتفع خام "برنت" قرب 93 دولاراً للبرميل مسجلاً زيادة أسبوعية تقارب 28 في المئة، فيما صعد خام "غرب تكساس" الوسيط إلى نحو 90.90 دولار للبرميل بارتفاع يقارب 36 في المئة خلال الأسبوع نفسه، وهي واحدة من أكبر القفزات الأسبوعية في سوق النفط منذ ثمانينيات القرن الماضي.

ولم يعد هذا الارتفاع يعكس مجرد توتر سياسي، بل انتقال السوق إلى تسعير احتمال تعطل الإمدادات نفسها، وهو تحول يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد للطاقة والتضخم.

مضيق هرمز في قلب المشهد

يبدأ المعنى الاقتصادي للحرب من الجغرافيا السياسية، ففي قلب المشهد يقف مضيق هرمز، الممر البحري الأكثر حساسية في تجارة الطاقة العالمية.

ووفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية يمر عبر المضيق يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية، أي ما يقارب خمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية ونحو ربع تجارة النفط البحرية في العالم.

وتمر عبر المضيق كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال المتجه إلى آسيا وأوروبا، وتشير الوكالة إلى أن البدائل اللوجيستية المتاحة لنقل النفط بعيداً من المضيق محدودة، إذ إن خطوط الأنابيب خارج هرمز لا تستطيع تعويض سوى جزء صغير من التدفقات التي تعبره يومياً.

الغاز الطبيعي المسال

ولا يقتصر تأثير الأزمة على النفط وحده، بل يمتد أيضاً إلى سوق الغاز الطبيعي المسال، فدول الخليج وعلى رأسها قطر تعد من أكبر مصدري الغاز المسال في العالم، إذ تمثل وحدها نحو 20 في المئة من التجارة العالمية لهذا الوقود.

ويعني أي اضطراب في الملاحة عبر الخليج احتمال تعطل جزء من شحنات الغاز المتجهة إلى أوروبا وآسيا، وهو ما قد يعيد الضغوط إلى أسواق الطاقة الأوروبية التي ما زالت تعاني آثار أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الاقتصادات الآسيوية الكبرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي المسال القادم من الخليج، مما يجعل استمرار التوتر في المنطقة عاملاً قد يدفع أسعار الغاز العالمية إلى مستويات أعلى ويزيد كلفة الطاقة في تلك الاقتصادات.

تحول السوق

مع اتساع الأخطار على حركة السفن في الخليج بدأت المؤسسات المالية الكبرى تتعامل مع الأزمة باعتبارها اضطراباً فعلياً في الإمدادات.

وضمن هذا السياق نقلت شبكة "سي أن بي سي" عن ناتاشا كانيفا رئيسة قسم أبحاث السلع العالمية في بنك "جيه بي مورغان" قولها ضمن مذكرة بحثية إن السوق "تتحول من تسعير الأخطار الجيوسياسية البحتة إلى التعامل مع اضطرابات تشغيلية حقيقية في الإمدادات".

وأوضحت أن تعطل الملاحة في مضيق هرمز قد يؤدي إلى انخفاض الإمدادات العالمية بما يصل إلى 6 ملايين برميل يومياً.

تقديرات البنوك

مع اتساع القلق في الأسواق دخلت بنوك الاستثمار العالمية بثقلها إلى المشهد، إذ حذر بنك "غولدمان ساكس" ضمن مذكرة بحثية من أن استمرار تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز قد يدفع أسعار النفط إلى تجاوز 100 دولار للبرميل خلال فترة قصيرة.

وقدر البنك أن وصول النفط إلى هذا المستوى قد يقتطع نحو 0.4 نقطة مئوية من النمو العالمي ويرفع التضخم العالمي بنحو 0.7 نقطة مئوية.

وفي تحليل منفصل قال بنك "مورغان ستانلي" إن صدمة الطاقة الناتجة من الحرب قد تبقي التضخم مرتفعاً في الاقتصادات المتقدمة، أما بنك "باركليز" فأشار إلى أن استمرار الصراع قد يدفع خام "برنت" إلى 120 دولاراً للبرميل.

تحليل الأخطار

تدعم هذه القراءة أيضاً تحليلات شركات إدارة الأخطار في أسواق الطاقة، إذ نقلت صحيفة "فايننشال تايمز" عن كبير المحللين في شركة "غلوبال ريسك مانغمنت" آرني راسموسن قوله، إن الأسواق قد تكون ما زالت تقلل من تقدير المدة المحتملة للحرب وتأثيرها الحقيقي في سوق النفط العالمية.

وأوضح أن ما يحدث في الأسواق حالياً يعكس إلى حد كبير رد فعل سريعاً على الأخطار الجيوسياسية المباشرة، لكنه لا يعكس بعد السيناريوهات الأكثر تعقيداً التي قد تظهر إذا استمر الصراع لفترة أطول أو اتسعت دائرة التوتر في الخليج، مشيراً إلى ما وصفه بتأثير كرة الثلج في تسعير الأخطار.

التأمين والشحن

مع تصاعد الأخطار الأمنية في الخليج قفزت كلفة التأمين البحري ضد أخطار الحرب بأكثر من 1000 في المئة ضمن بعض الحالات، وهذا الارتفاع الكبير يعني عملياً زيادة كلفة نقل النفط والغاز والسلع عبر الخليج.

اتساع الفاتورة

ولا تتوقف فاتورة الحرب عند الطاقة والشحن فحسب، بل تمتد أيضاً إلى التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، فكل ارتفاع في كلفة النقل والتأمين ينعكس مباشرة على أسعار المواد الخام والسلع المصنعة، وفي عالم يعتمد على الطاقة والتجارة العابرة للحدود، يمكن لصراع واحد في الخليج أن يعيد تسعير الاقتصاد العالمي بأكمله.

اقرأ المزيد