Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دونالد ترمب على وشك أن يجعل الأميركيين وغيرهم أكثر فقرا

إذا كنتم تعتقدون أن الأزمة الراهنة لغلاء المعيشة سيئة، فانتظروا حتى تضرب "صدمة إيران" جيوبكم

لا يستطيع ترمب تحمل خسارة السيطرة على الكونغرس في انتخابات نوفمبر المقبلة (رويترز)

ملخص

تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران يهدد بدفع العالم إلى موجة غلاء جديدة، مع ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق، مما قد يفاقم التضخم ويضغط على مدخرات الأميركيين ويضعف فرص ترمب سياسياً، فيما يخشى كثر أن يقود الصراع إلى ركود تضخمي عالمي جديد.

إن حرباً تشن من دون أهداف واضحة ومن غير خطة محددة لما سيحدث "بعد انتهائها"، لا تعد نذير شؤم فقط على الذين يخوضونها، بل أيضاً على الناس في الداخل الأميركي. فمثل هذه الصراعات غالباً ما تكون أقل قابلية للحسم وإعلان الانتصار، وتميل إلى الاستمرار لفترة أطول بكثير، ثم تنتهي من دون نتيجة واضحة.

هكذا كانت حرب فيتنام التي دامت 10 آلاف يوم، وأيضاً معظم الحروب التي وقعت في القرن الـ21 في منطقة الشرق الأوسط، لا بل حتى الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. وفي حال - على أمل ألا يحدث ذلك - اتسع نطاق الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، وتحول إلى صراع جديد بلا نهاية، فإن آثاره لن تكون جيوسياسية فحسب، بل ستشمل الجوانب الاقتصادية أيضاً.

ليس من المبالغة القول إن آثار هذه التطورات ستطاول تقريباً كل عائلة وكل شركة على وجه الأرض - بما في ذلك أسرتكم. وهذا بدوره ستكون له تداعيات على مسار الحرب في إيران نفسها. وبصورة مبسطة، إذا وجد الأميركيون - الذين لا يبدون أساساً حماسة كبيرة للفكرة - أن هذه الحرب ستجعلهم أكثر فقراً، فإنهم سيطيحون الحزب [الجمهوري] والإدارة الأميركية المسؤولين عنها.

هذا يعني عملياً نهاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سنكتشف قريباً أنه لم يجعل أميركا عظيمة مرة أخرى، كما وعد. بل على العكس، هو على وشك أن يجعل مواطنيه الأميركيين، ومعهم بقية العالم، أكثر فقراً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

آلية هذه الكارثة تنتقل عبر مسارين واضحين يمكن تتبعهما بسهولة. الأول - كما حدث في فترات الاضطراب السابقة في الشرق الأوسط، وكذلك بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا الذي شنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل أربعة أعوام - ترتفع معه أسعار النفط والغاز بصورة حادة. وقد بدأ ذلك يحدث بالفعل، بحيث حلقت أسعار الغاز الطبيعي صعوداً بنحو 50 في المئة أو أكثر، لأن جزءاً كبيراً منه ينتج في قطر ويتم تصديره عبر مضيق هرمز الذي تسيطر عليه إيران.

أسعار النفط ارتفعت هي الأخرى لكن بدرجة أقل - نحو 10 في المئة تقريباً - لكن حقول النفط السعودية وغيرها، إضافة إلى خطوط الأنابيب والموانئ، تبقى عرضة لهجمات، حتى لو كانت بدائية أو غير احترافية، من جانب إيران ووكلائها الإرهابيين. وفي مثل هذا السيناريو تبرز مزايا طائرة "شاهد" المسيرة، فهي من حيث التصنيع رخيصة الكلفة، ومن حيث الأداء يصعب رصدها، وتعد فعالة للغاية في استهداف البنية التحتية. أما إسقاطها، فهو مكلف جداً عند استخدام طائرات مقاتلة تقليدية.

هذا ما رأيناه يحدث مراراً في أوكرانيا. فاقتصادات دول الخليج ستتلقى ضربة قاسية جراء هذه الحرب (وعلينا أيضاً أحتساب الأضرار التي قد تلحق بالصادرات الإيرانية الخاضعة أصلاً للعقوبات، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات في إمدادات النفط العالمية).

في غضون أسابيع، وفي حال ما لم يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار، ستنعكس مجمل هذه التطورات ارتفاعاً حاداً في فواتير الطاقة بالنسبة إلى الأسر والشركات، وفي أسعار البنزين في المحطات. وهذا يعني موجة جديدة من التضخم، في وقت بدأ فيه العالم المتطور يتعافى من موجة التضخم التي سبق أن أشعلتها حرب أوكرانيا (علماً أنها أثرت أيضاً بصورة مباشرة في أسعار المواد الغذائية العالمية بالجملة، من خلال ارتفاع زيت دوار الشمس والقمح).

هذا الواقع سينعكس سلباً على أرباح الشركات وفرص العمل التي توفرها من جهة، كما سيؤدي إلى تصاعد الضغوط التضخمية التراكمية من جهة أخرى مما سيصعب تالياً على البنوك المركزية مواصلة خفض أسعار الفائدة.

استطراداً ستؤثر حال عدم اليقين سلباً في ثقة الشركات والاستثمار، وكذلك في ثقة المستهلكين وطريقة إنفاقهم. سنشعر بأننا أصبحنا فعلاً أكثر فقراً مما كنا سنكون عليه لو لم تبدأ حرب إيران، وستطغى علينا موجة أخرى من الركود التضخمي. وستكون لذلك تداعيات سياسية واضحة، ولا سيما على ترمب والحزب "الجمهوري" مع اقترابهما من الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة. وقد يؤدي ذلك إلى انقسام داخل حركة "ماغا".

هذا يقودنا إلى التأثير الثاني، وهو انعكاس ما يحصل على أسواق الأسهم وثروات الناس بدلاً من دخلهم المتاح للإنفاق. فقد حققت الأسهم أداء جيداً مدفوعاً بأسهم شركات التكنولوجيا المتقدمة و"الذكاء الاصطناعي"، غير أن المشكلة الجديدة الآن تتمثل في مدى ارتباطها الوثيق بكلفة الطاقة. فمراكز البيانات و"الذكاء الاصطناعي" والعملات المشفرة تستهلك كميات هائلة من الطاقة، مما يجعلها شديدة التأثر بأسعار الطاقة العالمية.

وفي حين أن الاقتصاد العالمي بدأ يقلل تدريجاً من اعتماده على الوقود الأحفوري بعد أزمتي النفط الأولى والثانية في العامين 1973 و1979 (اللتين اندلعتا نتيجة توترات الشرق الأوسط وإيران)، إلا أن التقنيات الحديثة، التي تشهد استثمارات ونشاطاً واسع النطاق، أعاقت هذا التقدم إلى حد ما، من خلال زيادة الطلب مجدداً على الطاقة.

مصادر الطاقة المتجددة تسهم بلا شك في التخفيف من حدة المشكلة، لكن الخطر الذي يهدد هذه القطاعات الجديدة شديدة الاستهلاك للطاقة يبدو واضحاً. وبما أن كثيراً من المكاسب الهائلة الأخيرة في أسواق الأسهم كانت مدفوعة بتطورات "الذكاء الاصطناعي"، فإن أسواق رأس المال ستتأثر بدورها بأي شعور باندلاع صراع طويل الأمد جديد في الشرق الأوسط. وسيؤدي ذلك إلى الإضرار بمدخرات الناس وخطط تقاعدهم، كما سينعكس على قيمة العقارات، مما يضعف الثقة لدى المستثمرين والأسر وقطاع الأعمال على حد سواء.

في ما يتعلق بالأميركيين، عندما يتلقون كشوفات حسابات التقاعد الخاصة بهم المعروفة باسم 401(k) خلال أسابيع قليلة، سيكون بإمكانهم أن يحتسبوا بدقة حجم الكلفة التي ستتحملها مدخراتهم نتيجة حرب إيران التي اختار ترمب خوضها (والتي قد تصل إلى آلاف الدولارات). هذا قبل أن يتوجهوا إلى محطات الوقود لملء خزانات سياراتهم، أو يلاحظوا ارتفاع الأسعار مجدداً في متاجر مراكز التسوق، بما فيها أسعار المواد الغذائية.

بالطبع، قد لا يحدث أي مما سبق ذكره. فقد تبادر "الجمهورية الإسلامية في إيران" إلى الاستسلام سريعاً، وتدعو ابن الشاه إلى العودة من المنفى لتشكيل ديمقراطية ليبرالية علمانية، في إطار ملكية دستورية، تضمن حرية التعبير والحرية الدينية للجميع.

في هذه الحال، قد تتحول إيران إلى محرك قوي للنمو الاقتصادي على مستوى العالم أجمع، إذ إنها تمتلك بالفعل هذا المقدار الهائل من الإمكانات البشرية والموارد. من ناحية أخرى، قد تصبح الأوضاع أكثر فوضوية واضطراباً، من دون وجود منتصر واضح، مع التصدع وزعزعة استقرار الحكومات في مختلف أنحاء المنطقة. غير أن الجانب الإيجابي، إلى حد ما، هو أن هذا المسار هو غير مستدام عسكرياً واقتصادياً، وبصورة حاسمة وقاطعة، سياسياً.

إذا كانت الحرب مع إيران ستنتهي قريباً، فمن المحتمل أن يكون ذلك بسبب رغبة الناخبين الغربيين - أي في الولايات المتحدة - في إيقافها. هكذا انتهت حروب فيتنام وأفغانستان والعراق.

لحسن الحظ، المؤشرات كلها تدل على أن هذا هو بالضبط ما سيحدث في شأن إيران، عاجلاً وليس آجلاً، لأن دونالد ترمب الذي يخشى مسألة العزل قبل أي شيء آخر، لا يستطيع حقاً تحمل خسارة السيطرة على الكونغرس في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) المقبلة. وفي الوقت المناسب، سيعلن أن أهدافه غير المحددة قد تحققت "على نحو لم يسبق له مثيل"، ثم ينسحب من الصراع ويعود إلى فتح قنوات التواصل مع الإيرانيين، وهو ما كان لا يزال مستعداً للقيام به قبل نحو أسبوع. ونأمل في أن يكون ذلك هو المسار الذي ستسلكه الأمور.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل