ملخص
تنعكس حرب إيران على المملكة المتحدة ضغوطاً سياسية وأمنية واقتصادية، تخشاها حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر، وتحاول احتواءها تجنباً لمزيد من التدهور في شعبية "العمال" لمصلحة أحزاب أخرى.
تتردد أصداء الحرب على إيران في الداخل البريطاني على مستويات عدة، تزيد في مجملها الضغوط على حكومة لندن العمالية للتحول من الموقف الدفاعي إلى الهجومي في الصراع المشتعل بمنطقة الشرق الأوسط منذ نحو أسبوع وما زالت نهايته غير واضحة الملامح.
ثمة أصوات معارضة لموقف حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر إزاء الحرب على إيران، تطالب بأكثر من الدفاع عن مصالح ورعايا بريطانيا في المنطقة، ومساعدة الدول الحليفة لها في الشرق الأوسط لصد الهجمات الإيرانية التي باتت توصف بالعشوائية وغير المبررة.
زعيمة المعارضة المحافظة كيمي بادينوك، تتهم ستارمر بالتخاذل في حماية مصالح المملكة المتحدة والبريطانيين في الشرق الأوسط، وتقول إن حزبها لو كان في السلطة "سيضع الأمن القومي في أول اعتباراته في التعامل مع إيران، ويدخل مع الحلفاء في الحرب".
لا يفضل ستارمر حتى الآن الانتظام في تلك الحرب إلى جانب أميركا وإسرائيل، لأنه كما يقول "لا يؤمن بإسقاط الأنظمة من السماء"، كذلك يأخذ العبر من حرب العراق التي انضمت فيها المملكة المتحدة إلى الولايات المتحدة عام 2003 ثم تبين بطلان أسبابها لاحقاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تداعيات سياسية
يرفض ستارمر الانضمام للحرب من دون مبرر في القانون الدولي، لكن رفضه هذا يجعله بنظر بعض المتابعين "متخاذلاً" عن حماية البلاد، وقد شبهه تقرير صحافي محلي بإثيلريد، ملك إنجلترا بين 978 إلى 1016، الذي رشى "الفايكنغ" بدلاً من محاربتهم عندما غزوا بريطانيا.
ثمة انقسام داخل حزب العمال الحاكم إزاء الحرب على إيران، يبدأ من الحكومة ويتسع إلى دوائر أكبر، وقد كشف تسريب لاجتماع أمن قومي عقد قبل أيام، عن انقسام الوزراء حتى في شأن السماح للقوات الأميركية باستخدام القواعد العسكرية البريطانية في المنطقة.
نائب رئيس الحكومة ووزير العدل ديفيد لامي، طالب بفتح تحقيق فوري في تسريب مضمون الاجتماع السري والمحمي بموجب القانون، في سابقة مشابهة حدثت عام 2019 خلال عهد رئيس الوزراء السابق تيريزا ماي، أقيل وزير الدفاع غافين ويليامسون نتيجة لذلك.
وللانقسام إزاء الحرب أسباب عدة على رأسها ضغوط تيار اليسار المتشدد في الحزب على ستارمر ليتجنب أي مواقف تزيد من نفور أنصار هذا التيار وبخاصة المسلمون، من الحكومة، بعد خسارة "العمال" انتخابات برلمانية فرعية في منطقة تشكل الجالية أكثرية فيها.
ومنطقة "غورتن ودينتون" كانت أحد المعاقل التاريخية لحزب العمال منذ قرن، لكن سكانها منحوا أصواتهم قبل أيام لمرشحة حزب الخضر إلى البرلمان هانا سبنسر، التي وقفت تدعو الناس إلى انتخابها وهي ترتدي كوفية فلسطينية وتتحدث عن "الإبادة الجماعية" في غزة.
لم يشف "العمال" بعد من تداعيات حرب غزة، وقد أقامت المساجد في المملكة المتحدة قبل أيام وقفات حداد على المرشد علي خامنئي بعد اغتياله في إيران، مما زاد تردد ستارمر إزاء المشاركة في صراع وصلت نيرانه إلى القاعدة العسكرية البريطانية في قبرص.
جواسيس إيران
القلق من الحرب يتجاوز السياسة إلى الأمن داخل بريطانيا، فكثيراً ما كانت إيران مصدر تهديد للبلاد، ويقول جهاز الاستخبارات الداخلية (أم آي 5) إنه والشرطة، استجابا بين عامي 2022 و2024 إلى 20 مؤامرة لاختطاف أو قتل بريطانيين أو مقيمين اعتبرتهم طهران تهديداً.
وألقت الشرطة اليوم الجمعة القبض على أربعة أشخاص للاشتباه في تجسسهم لمصلحة إيران، وذكر المحققون أن أحد الرجال إيراني الجنسية، في حين يحمل ثلاثة آخرون الجنسيتين البريطانية والإيرانية، أما مهمتهم فكانت مراقبة مواقع وأفراد الجالية اليهودية.
وأفادت الشرطة أن الاعتقالات كانت جزءاً من "تحقيق طويل الأمد"، وقالت إن أعمار الرجال الأربعة المحتجزين تراوح ما بين 22 و55 سنة، وقد جرى اعتقالهم في بارنيت في شمال لندن وواتفورد، وهي بلدة تقع على بعد 24 كيلومتراً شمال العاصمة البريطانية.
يحذر المشرعون وأجهزة الاستخبارات المحلية منذ أعوام من التهديد الإيراني داخل بريطانيا، وقال نائب رئيس الوزراء ووزير العدل ديفيد لامي رداً على الاعتقالات "إن إيران هي أكبر دولة راعية للإرهاب على مستوى العالم، وللأسف هذا ينعكس على مجتمعنا أيضاً".
ألقي القبض أيضاً على ستة آخرين يعتقد أنهم ساعدوا الجناة، وبينما يستمر البحث حذر ستارمر من "الذين يستغلون الصراع الإيراني في المنطقة لتقسيم البلاد"، وقال إن "الحكومة تتواصل مع الجاليات في أنحاء المملكة المتحدة لتوفير الحماية الأمنية المناسبة لهم".
في العام الماضي ألقت الشرطة البريطانية القبض أيضاً على خمسة، أربعة منهم إيرانيون، للاشتباه في تورطهم في مؤامرة لاستهداف مواقع محددة، وذكرت وسائل إعلام بريطانية أن السفارة الإسرائيلية في لندن كانت بين الأهداف التي يعمل عليها جواسيس طهران.
وذكرت تقارير مختصة أن بريطانيا سجلت ارتفاعاً بنسبة 4 في المئة بحوادث معاداة السامية عام 2025، مما يجعله ثاني أسوأ عام في السجلات، وفي هذا السياق قتل رجلان في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 خلال هجوم على كنيس يهودي في مانشستر شمال إنجلترا.
مخاوف اقتصادية
ثمة تداعيات اقتصادية للصراع في الشرق الأوسط يخشى منها أيضاً سكان المملكة المتحدة، فالمنطقة تؤدي دوراً رئيساً في إمدادات الطاقة العالمية وطرق الشحن، مما يثير مخاوف من ارتفاع أسعار كل شيء على البريطانيين، من فواتير الطاقة إلى التسوق اليومي.
تسببت الحرب في ارتفاع فوري بأسعار الوقود، إذ تباطأ أو توقف إنتاج ونقل النفط والغاز في جميع أنحاء المنطقة، ومع استمرار امتدادات الصراع زمنياً ومكانياً، ارتفع متوسط سعر ليتر البنزين في المملكة المتحدة حتى الآن بمقدار ثلاثة بنسات والديزل بخمسة بنسات.
كذلك تضاعفت أسعار الغاز في بريطانيا تقريباً منذ السبت الماضي، فوصل سعر الثرم إلى أكثر من 165 بنساً قبل أن يتراجع إلى 138 بنساً الثلاثاء، وهناك مخاوف حقيقية من أن أزمة إيران قد يكون لها تأثير مماثل لغزو روسيا لأوكرانيا في هذا القطاع.
وأدى توقف حركة المرور عبر مضيق هرمز إلى تقطع السبل بنحو 200 ناقلة نفط، وارتفاع كلف الوقود قد يدفع شركات النقل إلى زيادة أسعارها عالمياً، والطامة الكبرى أن زيادة أسعار الواردات في الموانئ يتراكم في البقالات تدريجاً ويصل إلى ذروته بعد 12 شهراً.
في سياق المخاوف الاقتصادية أيضاً، ثمة خشية من صعود أسعار الأسمدة التي تعد جزءاً من عملية إنتاج الغذاء، إذ يعتمد عليها المزارعون لتزويد المحاصيل بالمغذيات التي تحتاج إليها، والشرق الأوسط منتج رئيس لمكونات الأسمدة الأساسية المستخدمة في بريطانيا.
وعلى ضوء صعود أسعار سلع مختلفة، هناك مخاوف من أن الحرب على إيران قد تعكس الاتجاه العام لانخفاض معدلات التضخم، وإذا حدث ذلك فقد تقل احتمالية قيام البنوك المركزية في أنحاء العالم، ومن بينها بريطانيا، بخفض أسعار الفائدة في الأشهر المقبلة.