ملخص
صحيح أن اتفاق غزة يمر بمرحلة انتقالية حرجة ومهدد بالانهيار، لكن "مجلس السلام" حقق تطورات كبيرة في خطة السلام والازدهار، إذ كانت هناك تصورات متطورة حول آليات نزع سلاح الفصائل، وكذلك فإن إدارة التكنوقراط كانت جاهزة لتسلم غزة مدنياً بعيداً من حكم "حماس"، ووضعت جداول وخرائط لمناطق عمل قوة الاستقرار الدولية.
في وقت كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يضع اللمسات الأخيرة لمهمات وصلاحيات "مجلس السلام" ويفرض خططه في غزة، انطلقت الصواريخ الإسرائيلية إلى قلب إيران لتقلب الطاولة، وشكلت الضربة الأمريكية - الإسرائيلية المشتركة تحولاً في الاهتمامات، فهل تطيح الحرب الإقليمية بآمال خطة السلام والازدهار؟ أم أنها تشكل المحرك الفعلي لإنجاز اتفاق غزة؟
قبل اندلاع التصعيد بين أميركا وإسرائيل وإيران، كانت خطة السلام والازدهار تحظى بزخم دبلوماسي قوي لإنجاز تقدم في ملف اليوم التالي في غزة، لكن الضربة العسكرية لإيران أدت إلى تحويل الانتباه مما جعل اتفاق غزة أكثر هشاشة ومهدداً بالانهيار أو التجميد الطويل، وكل ذلك بحسب ما سينقشع عنه غبار الحرب.
غزة إلى الظل
يمر اتفاق غزة بمرحلة انتقالية حرجة ومهدد بالانهيار، لكن "مجلس السلام" كان قد حقق تطورات كبيرة في خطة السلام والازدهار، إذ كان هناك تصورات متطورة حول آليات نزع سلاح الفصائل، وكذلك فإن إدارة التكنوقراط كانت جاهزة لتسلم غزة مدنياً بعيداً من حكم "حماس"، ووضعت جداول وخرائط لمناطق عمل قوة الاستقرار الدولية، لكن صواريخ الـ 28 من فبراير (شباط) الماضي قلبت الساحة تماماً وحملت اتفاق غزة إلى الظل، إذ يتفق المراقبون السياسيون أنه منذ لحظة وقوع الضربة على طهران دخلت خطة السلام والازدهار مرحلة الجمود التكتيكي، إذ عُلق العمل بها لانتظار نتائج الحرب، ولكن الأهم من ذلك أن إسرائيل استغلت الانشغال العالمي بملف تغيير النظام في إيران لتحقيق رغباتها في غزة.
وحدة ساحات بصبغة إسرائيلية
يقول الباحث السياسي فؤاد شاهين إن "من الطبيعي أن يؤثر التصعيد العسكري ضد إيران بصورة مباشرة ومعقدة في اتفاق غزة ومسارات تنفيذه، إذ جاءت هذا الحدث العسكري هبة إستراتيجية للحكومة الإسرائيلية للهرب من استحقاقات خطة السلام والازدهار"، مضيفاً أن "تل أبيب اليوم تتحدث عن وحدة الساحات بصبغة إسرائيلية، وهنا رسالة واضحة مفادها بأنه لا تقدم في اتفاق غزة بينما تخوض الدولة حرباً وجودية ضد طهران، وهذا يعني سياسياً أن الاستفادة الإسرائيلية من الانشغال العالمي وصلت إلى ذروتها، إذ تقوم القوات الإسرائيلية بتثبيت نقاط عسكرية دائمة وتجميد وتأجيل الالتزامات في تنفيذ مراحل أساس من خطة السلام والازدهار، مثل الانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية أو البدء بنشر قوات استقرار دولية"، موضحاً أن إسرائيل اليوم تستطيع فرض شروط أكثر تشدداً في ما يخص نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وقد تستغل انشغال المنطقة لتكثيف عملياتها في غزة بحجة منع استغلال إيران للفراغ، ومشيراً إلى أن نتنياهو يستخدم الجبهة الإيرانية كأداة إستراتيجية تخدم الحكومة الإسرائيلية في ملف غزة.
وتتبنى إسرائيل الآن خطة طوارئ قصوى وتمنح الأولوية الآن للأمن القومي ضد الخطر الوجودي الإيراني كما تروج، مما يمنحها من وجهة نظر الباحث السياسي شاهين فرصة لفرض واقع أمني جديد في غزة من خلال استغلال غياب رقابة الولايات المتحدة، وبالتالي تحصل على نافذة زمنية لتنفيذ عمليات موضعية في غزة.
ويلفت شاهين إلى أن "مجلس السلام" تحول بعد الضربة من أداة للضغط على إسرائيل إلى وسيلة تبرير أفعال تل أبيب، إذ يمنحها غطاء سياسياً لاستمرار العمليات الأمنية تحت مسمى مكافحة النفوذ الإيراني، مما أضعف قدرة الوسطاء الإقليميين وجعل أوراق الحسم بيدهم محدودة، ليصبح اتفاق غزة جزءاً من صفقة إقليمية أوسع.
غزة غير معزولة
وتحول الاهتمام الدولي من جهود متابعة مسار خطة السلام في غزة إلى متابعة المواجهة المتصاعدة بين طهران وواشنطن وتل أبيب، وتعقب على ذلك الباحثة الإستراتيجية فداء البطش بأن "دخول الولايات المتحدة بصورة مباشرة في الحرب يعني عملياً انتقال مركز الاهتمام الأميركي من ملف غزة إلى ساحة المواجهة، مما سيؤدي إلى تباطؤ واضح في الحراك السياسي المتعلق باتفاق التهدئة في غزة، وربما إلى حال من الجمود شبه الكامل، والآن المرحلة الثانية من اتفاق غزة تبدو في حال شلل، بخاصة وأنها تتطلب قرارات حساسة ومفصلية إضافة إلى ترتيبات أمنية معقدة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتضيف البطش أن "غزة ليست ساحة معزولة بل جزء من شبكة توازنات إقليمية، إذ يعيد التصعيد بين إيران وإسرائيل ترتيب الأولويات على مستوى الإقليم مما ينعكس سياسياً على مسار وقف إطلاق النار في القطاع، والنتيجة إبطاء التنفيذ أو إعادة التفاوض تحت ذريعة الظرف الأمني الإقليمي"، موضحة أنه في حال شعرت حركة "حماس" بأن المواجهة الإقليمية لم تكسر موقع محور المقاومة، فقد تميل إلى استثمار ذلك في بعض الملفات، أما إذا بدا أن إيران تتعرض لضغط كبير فقد تضطر الحركة إلى التعامل مع واقع جديد تكون أولوياته تثبيت وقف النار لحماية الجبهة الداخلية في غزة، مشيرة إلى أن "خطة السلام والازدهار" مرتبطة حالياً بإحداث تغيير جوهري في بنية النظام الإيراني، وإذا نجح ترمب في ذلك فهو يستطيع حشد لمبادرته في غزة، أما إذا فشل فقد ينعكس سلباً على صورته كصانع سلام.
الانتصار يعني إنجاز خطة السلام
ومصير غزة معلق حتى انقشاع غبار الحرب، فإذا انتصر المحور الأميركي -الإسرائيلي فقد نرى تنفيذاً متسارعاً لـ "مجلس السلام" بشروط المنتصر، ويقول رئيس مركز الدراسات المستقبلية أحمد عوض "في تلك الحال يغيب الدعم الإقليمي النشط عن الفصائل الفلسطينية مما يدفعها نحو مرونة أكبر في قبول شروط نزع السلاح أو الاندماج في اللجنة الوطنية الانتقالية لضمان بقائها السياسي، وضمان تدفق أموال الإعمار"، مضيفاً أن "انتصار إسرائيل في الحرب يعني وجود حال من الاستقرار الإقليمي يشجع الدول المانحة على ضخ الأموال المخصصة للإعمار، والتي كانت معلقة بسبب أخطار توسع الصراع، وكذلك استكمال الصفقة الكبرى، وهي التطبيع، بما يسهم في استدامة السلام في غزة وتحويل القطاع إلى منطقة تجارية حرة".
مواقف الأطراف من تشتت جهود غزة
وفي الميدان ترفض إسرائيل التحليلات السياسية التي تفيد بأنها منشغلة بمعنى الإهمال عن اتفاق غزة، وتقدم خطاباً يربط بين الجبهتين كجزء من معركة واحدة، فيقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن "غزة جزء من التغيير الإقليمي، فالضربات ضد إيران تهدف إلى إزالة تهديد وجودي يغذي الجبهات الأخرى، بما فيها غزة، وإضعاف طهران هو بوابة السلام التي ستجعل حل ملفات المنطقة، بما فيها غزة، أكثر سهولة واستدامة".
وأيضاً في أميركا ينفون تشتت الجهود، فيقول الرئيس دونالد ترمب إن "العمليات العسكرية ضد إيران تسلي الفصائل في غزة، ظهيرها القوي، وتجبرها على المرونة، ولن نسمح للصراع الإقليمي بتقويض خطة السلام في غزة، وعلى جميع الأطراف الانتقال سريعاً إلى المرحلة الثانية".
من جانبه يقول وزير الخارجية ماركو روبيو إن "الأولوية القصوى حالياً هي حماية المصالح الأميركية وتدمير قدرات إيران البالستية، في وقت تكون واشنطن على اتصال وثيق مع الشركاء الإقليميين لضمان عدم انهيار التهدئة في غزة، فالضربات القاسية الموجهة لإيران رسالة ردع لكل من يحاول خرق اتفاق غزة أو عرقلة مسار مجلس السلام".
ولا يبدو أن "حماس" جاهزة لأي رد عسكري لمساندة إيران أو حتى إعادة ملف غزة للواجهة وتكتفي بالتصريحات فقط، ويقول متحدث الحركة سامي أبو زهري إن "العدوان على إيران هو محاولة يائسة للاستفراد بالمنطقة وتصفية القضية الفلسطينية عبر ضرب عمقها الإستراتيجي، وإسرائيل تحاول استغلال انشغال العالم بالتصعيد الإقليمي للتهرب من استحقاقات اتفاق غزة"، مضيفاً "لن نقبل بجعل 'محور فيلادلفي' أو المعابر ثمناً لصفقات إقليمية، والانسحاب الكامل هو الممر الوحيد لأي استقرار، فالمقاومة في غزة ثابتة ومستمرة، وإضعاف حلفائنا لن يدفعنا للاستسلام أو التنازل عن شروطنا لمصلحة مطالب مجلس السلام، ولا نفاوض بحسب المتغيرات الخارجية وإنما بحسب مصالح شعبنا".