ملخص
من هو مجتبى خامنئي الأوفر حظاً لخلافة والده في المنصب؟ سؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الحالة الإيرانية أقرب إلى لغز سياسي مغلق بإحكام. الغموض في حياته ليس صدفة، بل يبدو جزءاً من استراتيجية توازنات السلطة، حيث يصبح الغياب أداة نفوذ لا يُرى، لكنه يُحس.
لم يُسمع صوته في خطاب عام طوال ثلاثة عقود، ولم يظهر على المسرح السياسي إلا في صور نادرة من بيت القيادة أو في مناسبات عامة محدودة. يشبه والده إلى حد كبير ويعتمر العمامة السوداء كدلالة على أنه من السادة، أي أن لعائلته نسباً للنبي محمد.
إنه الظل الذي يتحرّك حين يهدأ الضوء.
غيابه الطويل لم يمنع اسمه من التحول إلى أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل في معادلة الخلافة داخل النظام الإيراني. رجل يُقال إنه يحكم من خلف الستار، وتُنسب إليه خيوط نفوذ تمتد من الحرس الثوري إلى مكاتب الاستخبارات، من دون أن يتقلّد منصباً رسمياً واحداً يمكن الإشارة إليه أو محاسبته عليه. فالسلطة الحقيقية، كما يبدو، لا تحتاج دائماً إلى لقب.
من هو مجتبى خامنئي الأوفر حظاً لخلافة والده في المنصب؟ سؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الحالة الإيرانية أقرب إلى لغز سياسي مغلق بإحكام. الغموض في حياته ليس صدفة، بل يبدو جزءاً من استراتيجية توازنات السلطة، حيث يصبح الغياب أداة نفوذ لا يُرى، لكنه يُحس.
بعد اغتيال علي خامنئي، لم يعد السؤال نظرياً: هل تمهد إيران لأول انتقال موروث للسلطة منذ قيام الجمهورية الإسلامية؟ الجمهورية التي أسسها روح الله الخميني على مبدأ رفض التوريث، قد تجد نفسها أمام اختبار بنيوي غير مسبوق.
النصوص الدستورية تمنح مجلس الخبراء سلطة اختيار المرشد، لكن النفوذ الحقيقي داخل النظام يعتمد على شبكة مؤسساتية مترسخة، تحالفات غير معلنة، وقوى أمنية صلبة، ما يجعل الغموض أحياناً أكثر فاعلية من الوضوح.
في هذه اللحظة الحرجة، يطفو مجتبى على السطح، ليس كخيار طبيعي بقدر ما هو احتمال يفرض نفسه في صمت. الرجل الذي لم يخض تجربة سياسية رسمية، والذي غاب صوته عن المجال العام، قد يجد نفسه فجأة أمام معادلة صعبة: تولي أعلى منصب في إيران.
هنا تتقاطع العناصر: الشرعية الفقهية، القبول داخل المؤسسة الدينية، القوة الأمنية، والتوازن مع مختلف مراكز النفوذ، كلها عوامل ستحدد إن كان الغموض سيصبح قوة أم نقطة ضعف.
لم يُسمع صوته في خطاب عام طوال ثلاثة عقود، ولم يظهر على المسرح السياسي إلا في صور نادرة من بيت القيادة أو في مناسبات عامة محدودة. يشبه والده إلى حد كبير ويعتمر العمامة السوداء كدلالة على أنه من السادة، أي أن لعائلته نسباً للنبي محمد.
المفارقة القاسية تكمن في أن النظام الذي طالما ندّد بالملكية الوراثية قد يجد نفسه على أبوابها مجدداً، بصيغة دينية هذه المرة. وفي قلب هذا الفراغ الذي خلفه موت الأب، لا يُقاس مستقبل مجتبى فقط بما سيملؤه من سلطة، بل بكيفية ملئه لهذا الفراغ، والثمن الذي سيدفعه النظام إن اختار الطريق الأسهل، والأكثر خطورة في آن واحد.
عندما زار الراحل علي خامنئي ضريح الرضا عام 2022، وهو موقع مقدس شيعي في مدينة مشهد الإيرانية، أخبر المسافرين معه، أنها قد تكون آخر رحلة له من هذا النوع. وقريباً سيتعين على مجلس خبراء القيادة أن يعينوا مرشداً أعلى جديداً. لكن الرجل لم يكشف على الملأ عن اسم وريثه المفضل.
التحول الأبرز جاء مطلع خريف 2024، حين ظهر مجتبى في مقطع فيديو منخفض الجودة، معلناً إنهاء درسه في "خارج الفقه" في حوزة قم، في خطوة بدت مفاجئة، بخاصة أن الصف كان يضم مئات الطلاب. الأهم في تصريحه، تأكيده أن والده، المرشد الأعلى علي خامنئي، لم يكن على علم بالقرار. هذه الواقعة أعادت طرح تساؤلات قديمة بصيغة أكثر إلحاحاً: هل يتحرك مجتبى خارج المسار التقليدي تمهيداً لدور أكبر؟
ويقول كسرى أعرابي، رئيس فريق أبحاث الحرس الثوري في منظمة (متحدون ضد إيران النووية)، وهي منظمة سياسات مقرها الولايات المتحدة "لديه قاعدة قوية ودعم داخل الحرس الثوري، ولا سيما بين الأجيال الأصولية الشابة".
ويضيف "إذا كان مجتبى على قيد الحياة ونجا من الغترة التي استهدفته، فهناك احتمال كبير أن يخلف (والده)"، واصفاً مجتبى بأنه يعمل بالفعل بصفته "الزعيم الأعلى المصغر".
ما هو دور الزعيم الأعلى؟
يعود تاريخ الحكم الديني في إيران إلى ثورة عام 1979 التي أطاحت بالشاه. أدخل آية الله روح الله الخميني، قائد الثورة، نظام حكم جديداً يقوم على مبدأ ولاية الفقيه.
ويعني هذا المبدأ أنه إلى حين عودة الإمام الثاني عشر للشيعة، الذي اختفى في القرن التاسع، يجب أن تُمارس السلطة على الأرض من قبل رجل دين كبير. وهذا يعني أن من يتولى منصب الزعيم الأعلى، المخول دستورياً بالسلطة العليا التي توجه الرئيس المنتخب والبرلمان، يجب أن يكون من كبار رجال الدين.
في عهد الخميني، الذي توفي عام 1989، وخامنئي، الذي حكم منذ ذلك الحين حتى اغتياله، كان للزعيم الأعلى الكلمة الفصل في جميع شؤون الدولة. لكن أي قائد جديد سيضطر إلى ترسيخ سلطته في وقت يتسم بانقسام عميق.
من سيختار خليفة خامنئي؟
ينص الدستور على وجوب اختيار قائد جديد في غضون ثلاثة أشهر. حتى ذلك الحين، سيتولى مهام القيادة مجلس قيادة موقت يضم الرئيس مسعود بزشكيان، وعضو مجلس صيانة الدستور آية الله علي رضا أعرافي، ورئيس السلطة القضائية آية الله غلام حسين محسني أجئي.
يعرف تفاصيل الأمور أفضل من أبيه، وهو على ارتباط مع مجموعة من رجال الأمن الذين يهيمنون على الحكومة ومجلس النواب والاقتصاد والشأن السياسي
وتقع مسؤولية اختيار الزعيم الجديد على عاتق مجلس الخبراء، وهو هيئة تضم نحو 90 من كبار رجال الدين الذين يُنتخبون كل ثماني سنوات، لكن مع استمرار الضربات، يبقى من غير الواضح كيف أو متى سيتمكنون من الاجتماع.
لم يعلن خامنئي قط عن خليفة مفضل، ومن المرجح أن يتخذ القرار كبار الشخصيات في الجمهورية الإسلامية الذين مارسوا السلطة في عهد خامنئي لسنوات طويلة. ويجب بعد ذلك أن يوافق مجلس الخبراء على الخليفة المُقترح.
ويعتقد أن وصول مجتبى خامنئي إلى منصب ولي الفقيه قد يثير جدلاً واسعاً حول تحويل ولاية الفقيه إلى سلطنة وراثية، وهذا الجدل كان قد أثير بعد وفاة مؤسس النظام روح الله الخميني، إذ كان أحمد الخميني الذي لعب أدواراً تشبه أدوار مجتبى خامنئي أيام حياة والده، قرر الابتعاد من الساحة وأفسح المجال أمام خامنئي بعد وفاة والده.
وربما كان قبول أحمد الخميني الابتعاد من الساحة يعود لظنه بأنه سيكون شريكاً لخامنئي ورفسنجاني بعد تمهيدهما لوصوله إلى منصب ولاية الفقيه، لكن مجتبى خامنئي تلقى هذا الدرس من والده، ويعرف أن السلطة المطلقة لا يمكن أن تأتي عبر "الشراكة"، ومن يصل إلى رأس هرم السلطة بإمكانه القضاء على الآخرين بجرة قلم مثلما فعل والده في التعامل مع شركائه، وربما يشكل هذا الأمر مفتاحاً لفهم إلغاء المنافسين لمجتبى خامنئي من الساحة وموتهم واحداً بعد الآخر.
سلطوي
يمارس مجتبى، رجل الدين البالغ من العمر 56 سنة، سلطة سياسية كبيرة، ويتلاعب بالانتخابات لمساعدة مرشحيه المفضلين. وكان حلفاء خامنئي الأب يروجون لمجتبى بوصفه الزعيم الذي تحتاج إليه البلاد. فقد أشادوا به كفقيه ومفكر إسلامي متميز. وأشاروا في الوقت نفسه إلى أنه رجل حداثة قادر على القضاء على الفساد، وإصلاح الاقتصاد الراكد في البلاد، وتهدئة عامة الناس الغاضبين.
يعرف تفاصيل الأمور أفضل من أبيه، وهو على ارتباط مع مجموعة من رجال الأمن الذين يهيمنون على الحكومة ومجلس النواب والاقتصاد والشأن السياسي، ويتمتعون بقدر من القوة حيث لا يمكن لخامنئي التحرك من دون إرادتهم.
ولا شك في أن خامنئي الأصغر يتمتع بخبرة في السياسة الإيرانية، بيد أن تدخلاته فيها كانت على الدوام تقريباً تصب في مصلحة المتشددين. فعندما فاز الإصلاحي محمد خاتمي بمنصب الرئاسة عام 1997، قاوم مجتبى الرئيس الجديد بكل ما أوتي من قوة.
وبالتعاون مع حلفائه في الحرس الثوري الإيراني، نجح في منع خاتمي من رفع القيود السياسية والاجتماعية. فأغلقوا الصحف الإصلاحية، وسجنوا الناشطين والمعارضين، بل إن خاتمي احتج علناً على تصرفاتهم، قائلاً "حكومتي تواجه أزمة مختلقة كل تسعة أيام".
يقول الدستور الإيراني أن الحكم لله ومن بعده للرسول فأئمة الشيعة ثم يناط الحكم بولي الفقيه. ومن هنا يصف النظام المعارضين لحكمه بالمحاربين لحكم الله.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي بعض الأحيان كان مجتبى أكثر تطرفاً من والده. ففي الانتخابات الرئاسية لعام 2005 دعم خامنئي الأكبر ودائرته الداخلية ترشيح علي لاريجاني، وهو أحد أركان النظام. إلا أن مجتبى وشركاءه نجحوا في ترجيح كفة الانتخابات لمصلحة أحمدي نجاد. ولتحقيق ذلك عمدوا إلى تزوير الأصوات، بما في ذلك تقديم بطاقات اقتراع مزورة.
ويتمتع مجتبى خامنئي بسيطرة متعددة الأوجه على المؤسسات الأمنية والعسكرية في النظام الإيراني. ومع تأسيس استخبارات الحرس الثوري في عام 2009، أصبحت لديه منظمة استخباراتية وأمنية تحت تصرفه، وتمكنت من تهميش دور وزارة الاستخبارات "اطلاعات" إلى حد كبير.
من "ابن المرشد" إلى السيد
دخل اسم مجتبى خامنئي المجال السياسي بشكل لافت عام 2005، عندما اتهم زعيم المعارضة السابق مهدي كروبي المرشد الأعلى بأن نجله دعم مرشحاً رئاسياً. يومها، ردّ خامنئي بعبارة لافتة: "هو السيد، لا ابن السيد"، في محاولة واضحة لنزع الطابع الوراثي عن موقع نجله.
غير أن هذه العبارة، بدلاً من إخماد الجدل، كرّست حضور مجتبى كفاعل سياسي غير معلن، يتحرك في الظل أكثر مما يظهر في العلن.
على رغم التحاقه بالحوزة العلمية وتحوله إلى رجل دين، فإن المسار الديني لم يُفهم يوماً بمعزل عن السياق السياسي. فالتدرج في مراتب الفقه، وصولاً إلى تدريس "خارج الفقه والأصول"، يُعد أحد الشروط غير الرسمية لأي مرشح محتمل لقيادة النظام.
وفي هذا السياق، جاء تقديمه لاحقاً بلقب "آية الله" ليعزز فرضية أن مسيرته العلمية لم تكن مجرد خيار شخصي، بل جزءاً من مسار تأهيلي أوسع.
شبكة النفوذ الصامتة
بعيداً من الألقاب الدينية، تشير شهادات من داخل النظام إلى دور فعلي لمجتبى في دوائر القرار. فقد تحدث محمد سرافراز، الرئيس السابق لهيئة الإذاعة والتلفزيون، عن شبكة علاقات تجمعه بشخصيات أمنية بارزة، على رأسها حسين طائب، الرئيس السابق لاستخبارات الحرس الثوري.
وبحسب هذه الشهادات، شارك مجتبى في اجتماعات سياسية حساسة منذ أواخر التسعينيات، لا سيما بعد فوز محمد خاتمي، حيث ناقشت تلك اللقاءات كيفية التعامل مع التيار الإصلاحي، وكان مجتبى ينقل خلاصاتها إلى المرشد. هذا النمط من العمل، أي التأثير من دون موقع رسمي، يمنحه هامشاً أوسع للحركة، ويجعل دوره أقل عرضة للمساءلة، وأكثر فاعلية في الوقت ذاته.
على رغم النفي المتكرر لفكرة التوريث، فإن مواقف بعض الشخصيات الدينية والسياسية داخل إيران بدت كأنها تمهد لهذا الاحتمال. في المقابل، حذر معارضون بارزون، مثل مير حسين موسوي، من انزلاق النظام نحو نموذج "شبه ملكي"، متسائلين عن سبب غياب نفي حاسم لهذا السيناريو.
أما مجلس خبراء القيادة، الجهة المخولة دستورياً اختيار المرشد، فقد رفض هذه الاتهامات، مؤكداً أن معيار الاختيار هو الكفاءة، لا النسب.
تصفية المنافسين
في موازاة صعود اسم مجتبى، شهدت الساحة الإيرانية تراجعاً لافتاً في عدد من المرشحين المحتملين للخلافة. فقد توفيت شخصيات دينية مؤثرة، بينما خرج آخرون من دائرة النفوذ، أو تعرضوا لتهميش سياسي.
هذا الانكماش في دائرة المنافسة يعزز، موضوعياً، فرص أي شخصية تحظى بدعم داخل "بيت القيادة"، حتى وإن لم تُعلن ترشيحها بشكل رسمي.
قرار مجتبى المفاجئ بوقف درسه الديني أعاد تسليط الضوء على شخصيته، لكن من دون أن يقدّم إجابات واضحة. فبين من يفسره كخطوة أمنية، أو انعكاس لتحولات داخلية، أو حتى خيار روحي، تبقى الحقيقة غامضة.
مشكلة صحية
كشفت وثيقة استخباراتية أميركية مسربة أن مجتبى خامنئي، خضع لعدة زيارات علاجية في مستشفيات خاصة في بريطانيا بسبب مشكلة في العقم، وفق ما أوردته صحيفة "ديلي ميل" البريطانية.
وذكرت الصحيفة أن الوثيقة، وهي عبارة عن إحاطة سرية أرسلتها وزارة الخارجية الأميركية إلى السفارة الأميركية في لندن عام 2008 وكُشف عنها لاحقاً ضمن تسريبات موقع "ويكيليكس"، أفادت بأن مجتبى خامنئي تلقى علاجاً طبياً خلال زيارات متكررة إلى مستشفيات في العاصمة البريطانية.
وبحسب ما نقلته "ديلي ميل" عن الوثيقة الاستخباراتية، فإن خامنئي، واجه ضغوطاً عائلية لإنجاب وريث، الأمر الذي استدعى خضوعه لسلسلة من العلاجات الطبية امتدت على أربع زيارات إلى المملكة المتحدة.
وأشارت المعلومات إلى أن هذه الزيارات شملت مستشفيي ويلينغتون وكرومويل في لندن، حيث أمضى خلال الزيارة الأخيرة فترة علاج استمرت نحو شهرين. وذكرت الوثيقة أن زوجته حملت بعد عودته إلى إيران، وأنجب لاحقاً ابناً سُمّي علي تيمناً بوالده المرشد الأعلى آنذاك.
ووفق التقرير ذاته، فإن مجتبى خامنئي تزوج عام 2004 في سن متأخرة نسبياً، وهو ما ربطته الوثيقة بالمشكلة الصحية التي خضع بسببها للعلاج.
إمبراطورية عقارية عالمية؟
أوردت وكالة "بلومبيرغ" ضمن تقرير بعنوان "كيف شيد نجل المرشد الإيراني إمبراطورية عقارية عالمية"، أنه في شارع تحفه الأشجار والمساحات الخضراء شمال لندن، المعروف بـ"شارع المليارديرات"، تنتشر مجموعة من القصور الفخمة، ومعظمها خالٍ، خلف أسوار مرتفعة وبوابات سوداء مغلقة. وبينما يمر تلاميذ المدارس بمحاذاة هذه المنازل، يقوم حراس خاصون بدوريات خارجها على متن سيارات رباعية الدفع داكنة اللون.
وخلف الواجهات الفاخرة لهذه المنازل في شارع "بيشوبس أفينيو" (Bishops Avenue)، تمتد شبكة من المصالح من طهران إلى دبي وفرانكفورت. وتعود الملكية النهائية لهذه الأصول، عبر طبقات من الشركات الوهمية، إلى مجتبى خامنئي الابن الثاني للمرشد الإيراني علي خامنئي.
يتمتع مجتبى خامنئي بسيطرة متعددة الأوجه على المؤسسات الأمنية والعسكرية في النظام الإيراني. ومع تأسيس استخبارات الحرس الثوري في عام 2009، أصبحت لديه منظمة استخباراتية وأمنية تحت تصرفه، وتمكنت من تهميش دور وزارة الاستخبارات "اطلاعات" إلى حد كبير.
ووفقاً لمصادر مطلعة وتقييم صادر عن إحدى أبرز وكالات الاستخبارات الغربية، فإنه يشرف على إمبراطورية استثمارية واسعة النطاق. ويقول هؤلاء إن مجتبى يتجنب تسجيل الأصول باسمه مباشرة، لكنه لعب دوراً مباشراً في هذه الصفقات التي يعود تاريخ بعضها إلى عام 2011 في الأقل.
وبحسب هذه المصادر، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها لدواعٍ أمنية أو عدم امتلاكها تصريحاً للتصريح العلني، فإن نفوذه المالي يمتد من قطاعات الشحن في الخليج العربي إلى حسابات مصرفية في سويسرا، وصولاً إلى عقارات فاخرة داخل بريطانيا تتجاوز قيمتها 100 مليون جنيه استرليني (138 مليون دولار).
وساعدت هذه الشبكة من الشركات مجتبى خامنئي على نقل أموال تُقدر، وفق بعض التقديرات، بمليارات الدولارات إلى الأسواق الغربية، على رغم العقوبات الأميركية التي فرضت عليه عام 2019.
وتشمل هذه الأصول عقارات من الدرجة الأولى داخل بعض أكثر أحياء لندن حصرية، من بينها منزل جرى شراؤه عام 2014 مقابل 33.7 مليون جنيه استرليني، إضافة إلى فيلا فاخرة في منطقة تعرف بـ"بيفرلي هيلز دبي"، وفنادق راقية داخل مواقع أوروبية عدة من فرانكفورت إلى مايوركا.
ووفقاً لوثائق اطلعت عليها "بلومبيرغ" وإفادات أشخاص مطلعين، جرى تحويل الأموال اللازمة لهذه الصفقات عبر حسابات في بنوك بريطانية وسويسرية وفي ليختنشتاين ودولة الإمارات العربية المتحدة. وبحسب هذه المصادر، فإن الجزء الأكبر من هذه الأموال جاء من عائدات بيع النفط الإيراني.
لم تسجل أي من الوثائق التي اطلعت عليها وكالة "بلومبيرغ" ملكية الأصول مباشرة باسم مجتبى خامنئي. وبدلاً من ذلك، سجل عدداً من هذه المشتريات باسم تاجر إيراني يدعى علي أنصاري، الذي فرضت عليه المملكة المتحدة عقوبات خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025.
وتشير "بلومبيرغ" إلى أن الغضب الشعبي من الفساد الاقتصادي وسوء الإدارة على المستويات العليا في الحكومة غالباً ما يتجه نحو ما يُعرف بـ"آقازاده ها"، وهو مصطلح تحقيري يطلق على أبناء المسؤولين والنخب السياسية، الذين يُتهمون بجمع ثروات ضخمة عبر العلاقات السياسية لعائلاتهم.
حياته ونشأته
ولد مجتبى في السابع من سبتمبر (أيلول) 1969 في مدينة مشهد وهو الابن الثاني لعلي خامنئي، ويعرف بأنه أكثر الرجال غموضاً في حلقة ولي الفقيه والحرس الثوري والأجهزة الأمنية.
وتلقى مثل بقية أبناء المرشد التعليم في مدرسة "علوي"، وبعد أخذ شهادة "دبلوم" انتقل إلى قم ليتقرب من رجال دين مبشرين مثل محمد تقي مصباح يزدي وآهنكر خورم أبادي وآية الله صافي ومكارم شيرازي المعروف بهيمنته على تجارة السكر في إيران.
ووردت تقارير عن مشاركته في جبهات القتال بين إيران والعراق في الثمانينيات إلى جانب محسن هاشمي الابن الأكبر للرئيس الإيراني السابق أكبر هاشمي رفسنجاني. وطبقاً لهذه التقارير كان مجتبى بعمر 17 سنة عندما توجه إلى الحرب لينضم إلى كتيبة "حبيب بن مظاهر" التابعة لـ"جيش محمد رسول الله".
وكان أبناء المسؤولين الإيرانيين يبدون اهتماماً للانضمام إلى هذه الكتيبة. ففي الواقع الانضمام إلى هذه الكتيبة يضمن مستقبلهم إذا ما بقوا أحياء بعد الحرب، وأصبح عدد من أعضاء هذه الكتيبة في ما بعد من أبرز الشخصيات الأمنية في النظام الإيراني ويعملون في الوقت الحاضر لدى مجتبى خامنئي ويتولون مناصب عسكرية وسياسية رفيعة في النظام.
وروجت وسائل الإعلام التابعة للنظام أن مجتبى شارك في عمليات حربية مثل "بيت المقدس 2 و3 و4" و"الفجر"، وقد ورد أنه طلب من الجميع حينها أن ينادوه باسم "الحسيني".
ويحاول بعض قادة الحرب مثل نور علي شوشتري أن يصفوا مجتبى بأنه كان مقاتلاً شجاعاً أثناء الحرب، إذ قال "كنا نخوض القتال في عملية القدس 3، عندما كنت منهمكاً بالحديث إلى الآخرين ذهب مجتبى إلى الخط الأمامي للقتال. كلما فعلت لم أستطع منعهم، إذ ذهب بصحبة آخرين من المقاتلين. اتصلت بقادة فرقتهم وطلبت منهم أن ينتبهوا لكيلا يشارك مجتبى ومن معه في الخط الأمامي".
وفي وقت يتسم أبناء رجال الدين بعادات مثل التكبر والفساد كان مجتبى قد تولى منذ وصوله العقد الثالث من عمره مهاماً كبيرة في مكتب والده لتقديم الاستشارة إلى والده. وقد طلب خامنئي من غلام علي حداد عادل الإشراف على تعليم مجتبى مما مهد ليصبح مجتبى صهراً لحداد عادل ويتزوج ابنته زهراء. وقد نقلت روايات كثيرة عن كيفية الزواج بين مجتبى وابنة حداد عادل.
ففي عام 1998 كانت زهراء حداد في الصف الرابع في الثانوية عندما تقدمت زوجة المرشد، خوجسته باقرزادة لطلب يدها لابنها. وقال حداد عادل، اتصلت بنا ذات يوم، وطلبت منها زوجتي أن تعرف نفسها فردت عليها: أنا زوجة مقام القائد المعظم.
وأضاف عادل أن الحديث عن الزواج تقرر تأجيله إلى بعد انتهاء دراسة زهراء "في ذلك الوقت حصلت ابنتنا على شهادة الدبلوم. وبعد التمهيدات قدم الابن ووالدته إلى منزلنا وقدما قطعة قماش كهدية للعروس، ثم تحدثنا عن السيد مجتبى وبعد اللقاء سألنا زهراء عن رأيها فقالت إنها مستعدة للزواج منه".
وتوجه بعدها حداد عادل ومجتبى إلى منطقة "كريم خان" في طهران لشراء هدايا العرس. ويقول حداد إن مجتبى اختار أرخص ساعة في المحل، وكان سعر خاتم الزواج لم يتعد 600 ألف تومان (14 دولاراً).
وأقيم حفل زواج مجتبى وزهراء في منزل والد العروس. كان ذلك خلال تولي محمد خاتمي رئاسة البلاد. وكان معظم الضيوف من عائلة العروس لأن العريس لم يكن له كثر من الأقارب في طهران عدا ثلاثة من الأعمام وعائلاتهم. وللزوجين ثلاثة أولاد (ابنان وابنة) وقد وردت إشاعات كثيرة عن مكان وكيفية ولادة الابن الأول لهما.
ولمجتبى نفوذ واسع في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، ويعرف مديرو هذه المؤسسة التي يعين خامنئي القائمين عليها أن الطرف المعني بعملهم هو نجل المرشد وليس المرشد نفسه. وعلى سبيل المثال قال الرئيس السابق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون محمد سرأفراز في كتابه إن مجتبى جمع منذ عام 2009 عدداً من المديرين الأمنيين في بيت المرشد، وهذه المجموعة تعمل كدولة داخل هيكل الدولة الرسمية، وكان أول اختبار لهم التعامل مع أزمة استمرت تسعة أيام بين بيت المرشد ومكتب محمد خاتمي.
كذلك تحدث كبار المسؤولين في الحرس الثوري عن الدعم المباشر والخاص لمجتبى في الشؤون العسكرية والأمنية. على سبيل المثال تحدث قائد مؤسسة الصناعات الصاروخية التابعة للحرس الثوري في وثيقة مسربة عن لقاء بعض قادة الحرس مع علي خامنئي عن المساعدات الخاصة لمجتبى، لتزويد الصناعات الصاروخية والطائرات المسيرة التابعة للحرس الثوري بمصادر مالية.
وقال فريد الدين حداد عادل شقيق زوجة مجتبى أخيراً "الرؤية واليقظة لديه تنطبق تماماً على صفات القائد لذلك نشعر بالراحة والاطمئنان".
في المقابل، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على مجتبى عام 2019 قائلة إنه يمثل الزعيم الأعلى "بصفة رسمية على رغم أنه لم ينتخب أو يعين في منصب حكومي قط"، باستثناء عمله في مكتب والده.
وأفاد الموقع الإلكتروني للوزارة بأن خامنئي فوض بعض مسؤولياته إلى مجتبى الذي قالت إنه يعمل بصورة وثيقة مع قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري و"الباسيج"، وهي قوة مسلحة عقائدية تتبع الحرس الثوري، "لتعزيز طموحات والده الإقليمية المزعزعة للاستقرار وأهدافه القمعية في الداخل".