ملخص
يحلّ رمضان في غزة هذا العام فوق ركام المنازل وغياب الأحبة، بعد عامين من القصف والدمار الواسع، فيتحوّل من موسم فرح واجتماع إلى زمن حزن وصمود ومحاولة للعيش بكرامة وسط الفقد والجوع. وبين نقص الغذاء، وتراجع عمل المنظمات الإغاثية، وهشاشة وقف إطلاق النار، يتمسك السكان بالشعائر والدعاء بوصفهما آخر ما تبقى من مظاهر الحياة الطبيعية.
"قبل الحرب، كان لرمضان في قطاع غزة طابعٌ من السكينة والدفء"، هذا ما قاله ابراهيم ياغي البالغ من العمر 23 سنة لـ "اندبندنت"، من قلب مدينة غزة.
ويستعيد هذا الشاب ذكرياته قائلاً: "أتذكر الوهج الدافئ الذي كانت تضفيه الفوانيس المعلقة في الأزقة الضيقة، ورائحة الخبز الطازج قبل صلاة المغرب، وصوت الأطفال وهم يضحكون بعد صلاة التراويح. كانت العائلات تجتمع بأعدادٍ كبيرة، وأبواب المنازل مفتوحة، والزيارات لا تنقطع. كان الليل نابضاً بالحياة".
لكن بعد عامين من القصف الإسرائيلي المتواصل، قُتل أكثر من 72 ألف شخص من سكان القطاع، ولا يزال أكثر من 11 ألفاً في عداد المفقودين.
90 في المئة من منازل غزة تعرضت للدمار، في وقتٍ ينتظر نحو 18 ألف فلسطيني من سكانها إجلاءهم لتلقي العلاج الطبي. وتنتشر في معظم أنحاء القطاع مخيماتٌ واسعة تفتقر في معظمها للمياه الجارية والوقود وأبسط مقومات الحياة اليومية.
"برنامج الأمم المتحدة الإنمائي" UNDP قال هذا الأسبوع إن الغالبية العظمى من سكان غزة ما زالوا يعيشون في ملاجئ بدائية، مع حاجة لنحو 300 ألف وحدة سكنية إضافية لإيوائهم. وبعد زيارة استمرت ثلاثة أيام إلى غزة والضفة الغربية، قال رئيس البرنامج ألكسندر دو كرو إن ظروف المعيشة هي الأسوأ التي رآها في حياته، وإن إزالة الركام وحدها قد تستغرق سبع سنوات.
في ظل هذا المشهد القاتم يحل رمضان هذه السنة. فالشهر الكريم هو للمسلمين زمن تأمل وزهد وتكافل. وفي غزة، هو الأول منذ بدء سريان وقف إطلاق نار هش في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عقب صراع دامٍ استمر نحو عامين مع إسرائيل.
يقول إبراهيم: "الأجواء مختلفة هذه السنة. التجمعات أصغر، بعض الوجوه غائبة، وبعض البيوت لم تعد قائمة. الأحاديث باتت تدور حول الأمان والفقدان أكثر من الاحتفال بالمناسبة. الشوارع أهدأ، وعلى رغم أن الفرح بالشهر الفضيل ما زال موجوداً لكنه يحمل حزناً في داخله. لقد تغير رمضان… فقد أصبح أشد وطأةً وأكثر حميمية".
كثيرون فقدوا أحبة خلال العامين الماضيين، وفي وقت تجتمع العائلات، سيكون غيابهم أشد حضوراً.
وتقول أماني الناعوق، العاملة في "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" من دير البلح وسط غزة: "إنه رمضان حزين لأهالي غزة، لأن كثيرين ما زالوا يفتقدون أحباءهم. بعضهم قُتلوا، وآخرون فُقدوا أو تم اعتقالهم. ستكون هناك كراسٍ وطاولات فارغة لا يجلس حولها من اعتادوا مشاركتهم الإفطار".
وعلى رغم أن المسلمين يصومون نهاراً ويتناولون السحور قبل الفجر والإفطار بعد الغروب، فإن استمرار مشكلات إمدادات الغذاء والمساعدات في غزة يعني أن كثيرين سيكافحون حتى لتأمين هذه الوجبات.
"برنامج الأغذية العالمي" WFP أوضح لـ "اندبندنت" أن "عائلاتٍ في قطاع غزة تستقبل الشهر الفضيل، وهي تكاد تفتقر للقدرة على دفع ثمن أغذيةٍ أساسية، حتى عندما تكون متوافرة على رفوف المتاجر".
نتيجة لذلك، سيتم تقديم مساعداتٍ مالية لأكثر من 90 ألف أسرة لتمكينها من شراء حاجاتها، ودعم الأسواق المحلية. وتقوم مطابخ مجتمعية تابعة لـ"برنامج الأغذية العالمي" بتأمين نحو 360 ألف وجبة ساخنة في اليوم.
ويقول متحدث باسم البرنامج: "لهذا السبب تُعد المساعدات الإنسانية ضروريةً للغاية، وغالباً ما تكون الوسيلة الوحيدة التي تمكن الناس من الإفطار بكرامة. وبالنسبة إلى الأسر التي تصوم في ظل هذه الظروف، فإن الوصول المنتظم والمستقر للمساعدات الإنسانية إلى غزة عبر جميع المعابر، هو السبيل الوحيد لتمكين السكان من تجاوز هذا الشهر بكرامة".
كما توفر منظمة "وورلد سنترال كيتشن" WCK أكثر من 60 في المئة من الوجبات الساخنة في مختلف أنحاء القطاع، وتوزع يومياً نحو مليون وجبة.
وخلال شهر رمضان ستوزع المنظمة 100 ألف طرد، يحتوي كل منها على 70 وجبة، لمساعدة العائلات على اجتياز الشهر، على أمل أن يتيح ذلك لها "الاعتماد على نفسها من السحور إلى الإفطار بكرامة".
لكن بعد أن حظرت إسرائيل 37 منظمة إغاثية من العمل في القطاع، بينها "أطباء بلا حدود"، يجد موظفو "وورلد سنترال كيتشن" أنفسهم أمام طلبات متزايدة في ظل تقلص الدعم.
ويقول وضاح الحبيشي مدير الاستجابة في المنظمة: "بعض المنظمات غير الحكومية مهددة بفقدان ترخيصها، وهذا يخلق بيئة تتزايد فيها الأعباء علينا، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً بالنسبة إلينا".
تجدر الإشارة إلى أنه على رغم دخول وقف إطلاق النار - الذي تم التوصل إليه بوساطةٍ من الولايات المتحدة - حيز التنفيذ، إلا أن خسارة الأرواح مستمرة، بحيث تفيد تقارير عن مقتل ما لا يقل عن 600 فلسطيني منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وتقول أماني الناعوق من "اللجنة الدولية للصليب الأحمر": "صحيح أن هناك وقفاً لإطلاق النار، لكن الناس ما زالوا معرضين للموت ولأخطار عدة، ولا سيما عند وقوع قصف أو إطلاق نار".
تحظى دور العبادة بمكانةٍ روحية خاصة خلال شهر رمضان، لكن عدداً كبيراً من المساجد في غزة تحول إلى أنقاض، ما اضطُر المصلين إلى التكيف مع الواقع وإعادة ترتيب أوضاعهم بما تيسر.
ويوضح أمير أبو العمرين مدير وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في مدينة غزة أنه جرت إعادة تأهيل لـ 430 مصلى، بعضها تم باستخدام أغطيةٍ من البلاستيك جُلبت من بيوت الزراعة المحمية، وبعضها شُيد من ألواح الخشب، فيما أُنشئت مواقع صلاة أخرى بأقمشة الخيام".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على رغم التحديات الكثيرة، ما زال الفلسطينيون يحاولون إحياء شعائر شهرهم الأقدس بما تيسر لهم. ويقول إبراهيم ياغي: "كان رمضان يحل علينا ضيفاً مُكرماً، ويُستقبَل بالفوانيس والحلويات وقوائم التسوق الطويلة. أما هذه السنة، فقد جاء بصورةٍ مختلفة، تسلل بهدوء فوق الركام، ودخل منازل تعلمت التعايش مع واقع غياب أحبائها".
ويختم بالقول: "موائدنا هذه السنة متواضعة، لكن صلواتنا مثقلةٌ بما تحمله قلوبنا من هموم. نفطر بما هو متاح لدينا، ونرفق الإفطار بالدعاء. ما زلنا نستقبل الشهر الكريم، ليس لأن الحياة سهلة، بل لأنها لا بد أن تستمر".
© The Independent