ملخص
تأتي خطوة تقديم الخدمات القنصلية لعشرات آلاف المستوطنين الذين يحملون الجنسية الأميركية، ضمن مبادرة شملت تقديم الخدمات للفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الأميركية في قرى الضفة الغربية.
على رغم إصرار الإدارة الأميركية على أن بدء السفارة الأميركية لدى إسرائيل تقديم خدماتها القنصلية للمستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية لا يمثل تغييراً في السياسة الأميركية، فإن الإسرائيليين والفلسطينيين أنفسهم اتفقوا على رفض ذلك.
فكلا الجانبين يعتبر أن هذه الخطوة غير المسبوقة منذ بدء الاحتلال الإسرائيلي الضفة الغربية قبل 68 سنة تشكل فرضاً لأمر واقع يمنع إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967.
فرض واقع على الأرض
تسارع إسرائيل الخطى لفرض وقائع على الأرض وتتخذ إجراءات قانونية وإدارية لضم الضفة الغربية على رغم تجنبها إعلان الضم الرسمي وفرض السيادة الإسرائيلية عليها، إضافة إلى أن الولايات المتحدة الأميركية بخطوتها الإدارية هذه تكون قد منحت الشرعية للمستوطنات الإسرائيلية التي تجمع دول العالم وقرارات الأمم المتحدة على عدم شرعيتها ومخالفتها للقانون الدولي. من هنا جاء ترحيب وزارة الخارجية الإسرائيلية بـ"القرار التاريخي للسفارة الأميركية لدى القدس عبر توسيع الخدمات القنصلية للمواطنين الأميركيين في يهودا والسامرة (التسمية التوراتية للضفة الغربية)".
في المقابل اعتبرت "منظمة التحرير الفلسطينية" الخطوة الأميركية "محاولة مرفوضة لتشريع الاستيطان، وخرقاً متعمداً للتفاهمات القائمة بين الإدارات الأميركية المتعاقبة والسلطة الفلسطينية منذ عشرات السنين".
وتأتي خطوة تقديم الخدمات القنصلية لعشرات آلاف المستوطنين الذين يحملون الجنسية الأميركية، ضمن مبادرة شملت تقديم الخدمات للفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الأميركية في قرى الضفة الغربية.
ومنذ نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس عام 2018، وإغلاق القنصلية الأميركية بالمدينة، أصبح الفلسطينيون يتعاملون مع السفارة الأميركية لدى القدس أو مكتبها في تل أبيب.
اعتراف تدريجي
ولم يتردد مراقبون في وصف الخطوة الأميركية بأنها "اعتراف تدريجي بالسيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية تشبه الضم التدريجي الذي تقوم به إسرائيل عبر إجراءاتها لتعزيز سيطرتها على الضفة".
وبحسب منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية فإن إسرائيل تؤسس "بنية تحتية ضخمة تهدف إلى ترسيخ سيطرتها على الضفة الغربية".
ولا يخفي المسؤولون الإسرائيليون نيتهم من وراء هذه الإجراءات، فهي تهدف إلى "تغيير الواقع على الأرض، وفرض سيادة فعلية، وهي اغتيال متعمد لفكرة الدولة الفلسطينية"، بحسب وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش.
واعتبر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية تهدف إلى إحداث "تغيير ديموغرافي دائم، مما يثير مخاوف من التطهير العرقي".
إلغاء مفهوم الدولة الفلسطينية
في السياق رأى الباحث السياسي جهاد حرب أن بدء تقديم الخدمات القنصلية الأميركية للمستوطنين في الضفة الغربية "يأتي بعد نقل السفارة الأميركية من تل أبيب القدس بهدف إلغاء مفهوم الدولة الفلسطينية"، وبحسب حرب فإن مقر السفارة الأميركية "أصبح المكان الذي تقدم فيه جميع الخدمات للمستوطنين والفلسطينيين والإسرائيليين في داخل إسرائيل"، واعتبر أن القرار الإداري للسفارة الأميركية "يتوج الفكرة الرئيسة لدى الإدارة الأميركية في شأن إلغاء إمكان إقامة دولة فلسطينية على أراضي عام 1967".
وفي خصوص نفي واشنطن إجراء تغييرات في سياستها تجاه الضفة الغربية، أشار حرب إلى أن "التغيير هنا يأتي من القاعدة إلى القمة، بمعنى فرص أمر واقع للتعامل معه كما يفعل الإسرائيليون في الاستيطان"، وأضاف أن "واشنطن تقوم بما تفعله إسرائيل، تغيير إداري لكي يتحول إلى قرار سياسي، بالتالي يصبح أمراً واقعاً عدم إمكان إقامة دولة فلسطينية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
رؤية أميركية
واعتبر الباحث في الشؤون الإسرائيلية سهيل دياب أن الخطوة القنصلية للسفارة الأميركية تأتي "ضمن الرؤية الأميركية الشاملة وتصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي التي قال فيها إن المنطقة كلها هي وعد رباني لليهود"، وأبدى دياب استغرابه من رد فعل البيت الأبيض "الخجول على تصريحات هاكابي في شأن قضية مصيرية ومركزية مثل هذه". وأوضح دياب أن ما يجري يأتي ضمن "المقايضة الأميركية الإسرائيلية بعد وقف إطلاق النار في غزة، والتي تقوم على وضع غزة في عهدة أميركية على أن تقوم إسرائيل بكل ما تريده في الضفة الغربية عدا الإعلان الرسمي عن الضم"، وأضاف أنه منذ ذلك الوقت "نرى الارتفاع في التوحش الإسرائيلي في الضفة، وفرض قوانين جديدة، والهجوم الكاسح للمستوطنين على الفلسطينيين في أنحاء الضفة الغربية".
خطة عمل ترمي إلى تطبيق ضم الضفة الغربية
ورأى الباحث في الشؤون الإسرائيلية أنطوان شلحت، من ناحيته، أن "الحكومة الإسرائيلية تعمل منذ بدء ولايتها في أواخر سنة 2022 وفق خطة عمل ترمي إلى تطبيق ضم الضفة الغربية، لكن من دون إعلان رسمي"، وأشار شلحت إلى أن "وتيرة تنفيذ هذه الخطة تصاعدت بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) سنة 2023 وحرب الإبادة على قطاع غزة"، وبحسب شلحت فإن خطة الضم "تستمد زخمها من وجود الإدارة الأميركية الحالية التي تعلن في الظاهر أنها ضد الضم، لكنها في الواقع العملي لا تمارس ما يلزم لكبح هذا الضم".