Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

على تخوم الحرب في أوكرانيا... سكان يرفضون مغادرة مدنهم

حياة في ظل انقطاع التيار الكهربائي وعرض أوبرا تحت أنوار خافتة وملجأ مهجور. بعد 4 أعوام من الحرب، يظهر الأوكرانيون قدرة مدهشة على الصمود

"بعثة التمكين العالمي" - وهي منظمة إغاثة في حالات الكوارث - توزع مساعدات في أوكرانيا ("بعثة التمكين العالمي")

ملخص

وسط برد وانقطاع مستمر للكهرباء وتقدم روسي متسارع، يواصل الأوكرانيون صمودهم المذهل. من مدارس تحت الأرض تركت مهجورة، إلى جدات يعشن قرب الجبهات وحدهن، وأطفال ينتظرون الهدايا إلى جانب بقايا الصواريخ، تبقى الحياة أقوى من الحرب وإرادة البقاء لا تنكسر.

بعد ثلاثة أيام من بدء الغزو الروسي، وصلت إلى أوكرانيا منظمة الإغاثة في حالات الكوارث "بعثة التمكين العالمي" Global Empowerment Mission (GEM). وبعد ثلاثة أسابيع، لحقت بها. اليوم، ومع حلول الذكرى الرابعة للحرب في أوكرانيا، عدت إليها مجدداً بعدما قمت بزيارتها تسع مرات.

أعمل مع هذه المؤسسة منذ عام 2019، وأتولى في الوقت الراهن عضوية مجلسها التنفيذي، لكنني أحرص أيضاً على أن أكون موجودة في الميدان. تركز منظمتنا الخيرية على الاستجابة السريعة للكوارث والإغاثة في الأزمات، ونعمل على ثلاث مراحل: أولاها، الاستجابة الفورية التي تقضي بتوزيع الغذاء والمياه ومستلزمات النظافة والإمدادات الطبية على المتضررين من الكوارث. والثانية، الإغاثة قصيرة الأمد، عبر تأمين الحاجات الأساسية للأفراد، وإيجاد مأوى موقت لهم، والمساندة اللوجيستية. أما المرحلة الثالثة، فهي التعافي طويل الأمد المتمثل في إعادة بناء المنازل، وترميم البنية التحتية، وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود.

بعد أربعة أعوام على انطلاق الغزو الروسي، ما زالت "بعثة التمكين العالمي" متجذرة بعمق في مختلف أنحاء أوكرانيا. وينشط برنامجها بعنوان "من المزرعة إلى الخطوط الأمامية" Farm to Frontline في نقل المواد الغذائية مباشرة من المزارع المحلية إلى المجتمعات الأكثر تضرراً، ما يختصر فترات الانتظار، ويضمن وصول الإمدادات بسرعة وكفاءة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يشار إلى أنه في شهر يناير (كانون الثاني) هذه السنة، شنت روسيا مئات الهجمات الجوية بعيدة المدى، مستهدفة على وجه التحديد البنية التحتية للطاقة في البلاد. ونتيجة لذلك، فقدت أوكرانيا أكثر من نصف قدرتها على إنتاج الطاقة، فيما طاولت انقطاعات طارئة للتيار الكهربائي نحو 80 في المئة من مناطقها. وجاء ذلك في فصل شتاء هبطت فيه درجات الحرارة إلى ما يزيد على 15 درجة مئوية تحت الصفر.

كذلك تتولى "بعثة التمكين العالمي" إدارة برنامج حيوي لإصلاح نوافذ المنازل، يهدف إلى مساعدة الأوكرانيين على ترميم منازلهم المتضررة وتأمينها، عبر استبدال النوافذ التي حطمتها ضربات صاروخية قريبة، بما يمكن العائلات من البقاء في بيوتها. وقد تأكد لي في كل مرة أذهب إلى هناك، أمر أصبح جلياً، وهو أن الأوكرانيين يتمسكون بالبقاء في ديارهم.

ربما الأهم من ذلك أن فرق "بعثة التمكين العالمي" تقوم بتوزيع حزم حاجات أسرية، تحوي أغذية ومياه ومواد نظافة ومستلزمات أساسية، على امتداد ما يقارب 1000 كيلومتر من خط المواجهة. وتصل شاحناتنا إلى مناطق يصعب الوصول إليها، حيث قد يضطر سكانها للبقاء أشهراً من دون أي دعم.

خلال زيارتي الأخيرة، التقيت بجدة تعيش في منزل صغير لا يزال عرضة لتهديدات القصف الصاروخي اليومي. وما إن احتضنتها حتى انهمرت دموعها، وقالت لنا أن منظمتنا هي بمثابة شريان حياة لها.

قبل نحو ستة أشهر - عندما قمت بآخر زيارة لي للعاصمة كييف - كان لا يزال هناك بعض من الأمل لدى الأوكرانيين، ينساب بهدوء تحت سطح الحياة اليومية. لكن يبدو أنه قد تلاشى هذه المرة.

فبعدما خلفت الضربات الروسية أضراراً بالغة في محطتين لتوليد الكهرباء بالطاقة الحرارية، واستهدفت محطات تحويل رئيسة، بات السكان يحصلون على التيار الكهربائي بضع ساعات غير منتظمة في اليوم. وكما أخبرتني صديقتي أولغا، فإن "أحداً لا يعلم متى تعود الكهرباء. وفي حال عودة التيار في منتصف الليل، يجب النهوض من الفراش لغسل الملابس".

هذه المرأة تنام في ظلام دامس وفي درجات حرارة ما دون الصفر، مرتدية ثلاثة معاطف، فيما تبقى أمهات أخريات مستيقظات وهن يراقبن أنفاس أطفالهن، ويقمن بعدها بقلق، خائفات من عدم القدرة على إبقائهم دافئين حتى الصباح.

محطات التدفئة في أنحاء المدينة، أصبحت ملاذات آمنة للناس، توفر لهم الدفء والشاي وإمكان شحن البطاريات، لا بل حتى عقد الاجتماعات. وفي عاصمة تتعلم كيف تواصل العيش في ظل البرد والظلام، تحولت هذه المحطات إلى ملاذات صغيرة، لكنها بالغة الأهمية.

أثناء وجودي هناك، جلست مع جدات وطلاب جامعيين، وأمهات شابات وآباء مسنين. لعبت مع أطفال فقدوا والديهم، وتحدثت مع أسر تمزقت بفعل الاحتلال أو المنفى أو الموت. وقد تحدث خريجون شباب عن الشعور بأنهم عالقون في فراغ، فهم متعلمون وطموحون ومفكرون، إلا أن حياتهم، على رغم ذلك، تبدو وكأنها متوقفة. فكيف يمكن التخطيط لحفل زفاف، أو تخيل إنجاب أطفال، عندما يبدو الأفق نفسه غير مستقر؟

أحد الرجال روى كيف عاش تحت الاحتلال الروسي لمدة 142 يوماً، بعدما قام بمساعدة جيرانه على الفرار. وعندما سأله إبني كونراد، الذي قدم معي للتطوع، عن تجربته، قال إنه عندما نظر في عيني جندي روسي، رأى أمامه "كائناً خالياً من الرحمة يحدق فيه". أما صديقه، الذي حاول هو الآخر مساعدة آخرين، فقد جرى أسره وتعريضه للتعذيب، بحيث سكب معقم مُؤذٍ على يديه، وأدخلت أدوات معدنية تحت أظافره. وقد عرض علينا صوراً توثق ذلك.

إحدى الجدات قالت لنا إنها أصبحت وحيدة الآن بعدما مات الجميع من حولها. هذه الأحاديث تروى ببساطة ومن دون مبالغة درامية، وهي حقائق مجردة تنقلها أصوات منهكة.

ذهبت برفقة أولغا إلى دار الأوبرا. قد يبدو ذلك أمراً غريباً في زمن الحرب، لكن صديقتي تقول إن الناس يرغبون في الخروج متى استطاعوا، ويرفضون البقاء في منازلهم غارقين في الاكتئاب. كانت دار الأوبرا مضاءة بصورة جزئية فحسب، توفيراً لطاقة ثمينة. أما طاقم العرض فكان بوضوح أكبر سناً من المعتاد، لأن كثيراً من الشبان نقلوا إلى خطوط المواجهة للقتال. مع ذلك، حافظ أفراد الجمهور على أناقتهم، والنساء وضعن أحمر الشفاه، ونفضت المعاطف بعناية، وكانت أصوات الكعوب تسمع وهي تطأ بلاط دار الأوبرا.

الحفاظ على المظهر الطبيعي للحياة، حتى في ظل هذه الظروف، كان أمراً مهماً للغاية بالنسبة إلى أولغا وأصدقائها. وقد أخبرتني أيضاً بمدى شعورها بالإرهاق بعد أعوام من الحرب. وقالت: "عندما تتساقط الصواريخ، أهرع حاملة أطفالي الباكين إلى ملاجئ تحت الأرض. إنهم لا يفهمون معنى الخطر، ولا يعرفون سوى أنهم يريدون العودة إلى أسرتهم".

بعد انتهاء العرض، استغرق الوصول إلى المنزل وقتاً أطول مما كان متوقعاً. فقد جرى تعطيل إشارات "نظام تحديد المواقع" (جي بي أس) GPS لأن القوى العسكرية كانت تستعد لهجمات محتملة في تلك الليلة، بحيث إنه حتى التنقل كان غير مؤكد. مع ذلك، تواصل كييف الصمود.

من العاصمة، توجهنا بالسيارة إلى زابوريجيا، مروراً بخنادق حفرت حديثاً وشقت الأرض المتجمدة، وصفوف من العوائق الأسمنتية المضادة للدبابات، المنتشرة في انتظار أي آليات قد تتقدم.

حققت القوات الروسية تقدماً ميدانياً كبيراً منذ زيارتي الأخيرة، إلى درجة أن المدرسة التي أقيمت في ملجأ تحت الأرض - والتي قمنا بزيارتها بعدما بنيت بأمل كبير كي يتمكن الأطفال من العودة إلى دروس حضورية آمنة تحت تهديد الصواريخ - أصبحت اليوم مهجورة. وهي تبدو جديدة للغاية، فأضواء الفلوريسنت ما زالت تعمل، ومقاعد الطلاب مصطفة، لكن بلا أطفال. المدرسة شيدت من أجل الأمان، ثم أفرغت بسبب الخطر ذاته الذي صممت لمواجهته.

أتذكر الدهشة التي تملكتني عندما زرناها، إذ رأيت الصبيان والبنات يتعلمون التعامل مع الأسلحة ويطلقون النار، طفولة اختزلت في تدريب على البقاء.

توجهت مرات عدة إلى عمق الشرق الأوكراني، إلى مناطق كنا نسمع فيها الصواريخ وهي تعبر فوق رؤوسنا، ونشعر باهتزاز الأرض تحت أقدامنا. كنا مجهزين بحماية كاملة من الرصاص، وهو أمر بدا لي غير عادل، ونحن نمضي وقتاً مع أناس عزل بلا أي حماية.

قطعناً مسافات شاسعة، متتبعين شاحنات ضخمة ذات ثماني عشرة عجلة، تنقل الغذاء والمولدات والملابس والبطانيات وحزم البطاريات والمصابيح اليدوية. أحياناً يكون من الخطر بمكان إدخال شاحنات الإمداد إلى مناطق قريبة من نقاط المواجهة، فيتم تفريغ الحمولة في شاحنات صغيرة يمكنها الوصول إلى وجهتها بصورة أكثر حذراً وأقل لفتاً للانتباه.

حتى في المناطق المهجورة التي تحولت إلى مدن أشباح، ما زال هناك بشر. معظمهم من الكبار في السن، الذين لم يستطيعوا المغادرة أو رفضوا الرحيل. ويعد هؤلاء بالمئات في المدن الكبيرة، أما في الأرياف فهناك القليل منهم. الجميع يعيشون في حال يأس، لكنهم ممتنون.

بعض الليالي يخيم عليها الصمت، لكن تسمع في معظمها أصوات صفارات الإنذار. وفي تلك المناطق النائية، يحرق الأوكرانيون المنصات الخشبية والصناديق التي وصلت فيها المساعدات إليهم، لمجرد تدفئة أنفسهم. مع ذلك، تبقى عزيمتهم صلبة. وهم يقولون: "لن نكون مواطنين روساً على الإطلاق".

التقينا مرة أخرى بصديقنا الجنرال، الذي تحدث عن الدور المتسارع للطائرات المسيرة في ساحات القتال. فبعضها هو عبارة عن أجهزة صغيرة بنظام الرؤية المباشرة، جرى تعديلها عن نماذج تجارية، وتستخدم للاستطلاع أو لتنفيذ ضربات دقيقة. أما بعضها الآخر فهو بمثابة ذخائر جوالة تحلق وتنتظر الهدف قبل أن تنقض عليه. وهناك مسيرات تطلق عليها تسمية "النوادل"، بحيث تهبط وتبقى ساكنة على الأرض للحفاظ على طاقة بطاريتها، ولا تنشط إلا عند اقتراب مركبة منها. إنها ساحة معركة تجمع بين الخنادق والرقائق الإلكترونية، وبين الوحل والخوارزميات.

في أحد مراكز إيواء العائلات النازحة داخلياً، أحضرنا هدايا لأطفال أجبروا على مغادرة منازلهم. اصطفوا بأدب إلى جانب بقايا فوارغ قذائف وشظايا صواريخ وأجزاء مدفعية معطلة، تم جمعها من مكان قريب. بالنسبة إلى هؤلاء الصغار، تكاد هذه الأشياء تبدو مألوفة، كما أن واقع الحرب ماثل أمامهم كأنه متحف للبقاء.

مع كل عام يمضي، تتفاقم الأزمة الإنسانية في أوكرانيا. فقد أصبح القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة حال ثابتة لكثيرين. الحاجات تتزايد بوتيرة أسرع من قدرة المساعدات على الوصول، فيما يتحول اهتمام العالم إلى أماكن أخرى. في الأسابيع الأولى التي تعقب أي كارثة، تنزل منظمات الإغاثة إلى الميدان بطاقة وعزم كبيرين، لكن مع مرور أشهر تميل بعض هذه المنظمات إلى تقليص حضورها، بحيث ينفد التمويل، وتتراجع الحماسة، وتندلع كوارث جديدة.

برأيي، إن المنظمات الإنسانية الجديرة بأن توصف بأنها بطولية، هي تلك التي تبقى لفترة طويلة بعد مغادرة وسائل الإعلام، وتحول أنظار العالم عن الأزمة. لكن في البلدان التي تخدمها منظمتنا، "بعثة التمكين العالمي"، نحن باقون على المدى الطويل.

ما أحمله معي إلى الوطن ليس مشاهد الدمار وحدها في أوكرانيا، بل الصمود أيضاً المتمثل في الأم التي تنظم حياتها اليومية ما بين ساعات انقطاع التيار الكهربائي، وعرض الأوبرا التي يؤدى تحت أنوار خافتة، وذلك المتطوع الذي يحمل الشاحنات قبل بزوغ الفجر، والطفل الذي ينتظر بصبر إلى جانب بقايا الصواريخ.

إن الله حاضر في كل مكان في أوكرانيا. الناس مؤمنون ويصلون. الكنائس ومظاهر الإيمان قائمة وسط أنقاض الحرب، والقبب الذهبية تلمع تحت الضوء، وعندما يسأل الناس: "ماذا يمكن أن نحضر لكم، ما الذي تحتاجون إليه؟"، تكون الإجابة دائماً: "نحتاج إلى أن يمنحنا الله السلام".

في جميع أرجاء أوكرانيا، يستمر الصمود، حتى وسط الظلام.

© The Independent

المزيد من تقارير