ملخص
تحت القصف الروسي وانهيار البنية التحتية، تعيش عائلات كييف يوميات من الظلام والبرد والخوف، حيث يتعلم الأطفال التكيّف مع صفارات الإنذار والمسيّرات بدل الطفولة الطبيعية. تُظهر تجربة أولكسندر ميريزكو أن استهداف المدنيين والطاقة يهدف إلى كسر الإرادة الأوكرانية وفرض تنازلات سياسية، لكنه يعمّق الصمود الداخلي ويرفض أي استسلام.
الروتين اليومي البائس من بردٍ وعتمة وخوف، الذي ينهك الروح البشرية: تلك هي الاستراتيجية التي يتبعها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في استهداف المدنيين في مختلف أنحاء أوكرانيا، والتي قد تفضي إلى كسر إرادة البلاد في مواصلة القتال. لكن ذلك يبدو مستبعداً.
استحمامٌ في الظلام، وحلاقةٌ كل صباح بماءٍ بارد، وطفلتان صغيرتان تعلمان أن الرئيس الروسي يسعى إلى قتلهما، ثم الانطلاق مع بزوغ الفجر إلى أحد الأكشاك على جانب الطريق لشراء القهوة والكاكاو - وهما المحفز الوحيد لبدء يومٍ جديد - هذه هي تفاصيل الحياة اليومية لسكان العاصمة الأوكرانية كييف مثل أولكسندر ميريزكو الذي يدرك أنه، على رغم كل شيء، محظوظ.
الابنة الصغرى لأولكسندر التي تُدعى صوفيا، تبلغ من العمر أربع سنوات، وهو ما يعادل تقريباً المدة التي انقضت منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. أما الابنة البكر ليليان، فقد بلغت سن السابعة، ولذلك لم تعرف أيّ منهما يوماً عالماً لا تقاتل فيه قوات روسية داخل بلدهما.
يمكن لصوفيا أن تميز بين انطلاق صاروخٍ من بعيد وهجوم طائرةٍ مسيرة من طراز "شاهد" آتية نحوهم. تذهب الطفلة إلى روضة الأطفال، لكن عندما تدوي صفارات الإنذار وتهتز الأجواء بما تسميه الأسرة طنين "النحل" - أي هدير المسيرات الآتية - تمسك بيد شقيقتها الكبرى التي تعاني من صعوباتٍ في التعلم.
ثم تقود شقيقتها إلى الأمان في ملاجئ من الحقبة السوفياتية خارج شقتهما القديمة في الطابق الأرضي، التي لم تطلها الضربات حتى الآن، حيث تتواصل الدراسة.
يقول والدهما أولكسندر إن "هذا الواقع يُعد بالنسبة إليهما أمراً عادياً. فهما لا يمكنهما تخيل حياتهما من دونه. تعرفان أنه عندما تذهبان إلى روضة الأطفال، لا تكون لدينا كهرباء في الشقة، وعندما تعودان إليها تكون الكهرباء ما زالت مقطوعة. لقد تعلمتا كيف تلعبان في ضوء أنوارٍ قليلة، وكيف تمضيان وقتهما في العتمة. أعتقد أن الأطفال لديهم القدرة على التكيف أكثر من البالغين، وهما لا تتذمران على الإطلاق".
قبل نحو أسبوعين، اصطدمت طائرةٌ مسيرة - يُعتقد أنها من طراز "شاهد" - بالطوابق العليا من المبنى المجاور، فأشعلت النار في شقتين وأصابت ثلاثة أشخاص بجروح، ضمن الحملة المتواصلة التي يقودها الكرملين ضد أوكرانيا. ولا تزال الشظايا وقطع من البلاستيك والرغوة الصفراء من حطام تلك الطائرة ذاتية التوجيه، والمصممة في إيران، والمحملة بنحو 40 كيلوغراماً من المتفجرات، متناثرةً على الثلج خارج المبنى الذي يقيم فيه هذا العضو في البرلمان الأوكراني مع أفراد أسرته منذ نحو أربعة أعوام.
ويقول أولكسندر ميريزكو الذي يتولى رئاسة لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوكراني: "كنا على وشك شراء شقةٍ في البرج السكني الجديد، لكن السعر كان أعلى من قدرتنا المادية، فاشترينا بدلاً من ذلك - ولحسن حظنا - شقةً في الطابق الأرضي من المبنى المجاور، وذلك قبل الغزو الشامل في فبراير (شباط) عام 2022 بقليل".
هذا المحامي السابق في مجال حقوق الإنسان، المتزوج من أكاديمية، يستطيع إحضار الطعام الساخن لطفلتيه الصغيرتين من مقصف البرلمان. أما الموقد في منزله فهو كهربائي، ومن غير المرجح أن تحصل الأسرة على الطاقة الكهربائية لأكثر من ساعتين في اليوم، وغالباً بعد منتصف الليل.
يُشار إلى أن نحو نصف قدرة البلاد على توليد الطاقة قد دُمرت بفعل الهجمات الروسية. وقد وقعت معظم هذه الهجمات منذ أن أوقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب منح المساعدات العسكرية لأوكرانيا العام الماضي - تحديداً في الشهر السادس والثلاثين من الغزو الشامل الذي شنته روسيا على جارتها. كذلك تراجعت ثلثا القدرة النووية للبلاد، ومن المتوقع أن يتكبد ناتجها المحلي الإجمالي خسارةً بنسبة 3 في المئة.
يقول ميريزكو واصفاً حاله: "بدأتُ أنزلق إلى اكتئاب ولا مبالاة؛ فعندما يشتد البرد ولا تستطيع طوال اليوم حتى تسخين طعامك، ويكون الظلام دامساً والبرد قارساً، يصبح العبء النفسي ثقيلاً عليّ، وعلى كثيرين غيري".
ويضيف وهو يدفئ يديه بكوبٍ من الشاي الأخضر: "بدا الأمر وكأن لا نهاية له، كما تعلم، بلا نهاية على الإطلاق. ثم جاء كل شيءٍ دفعةً واحدة: هذا الطقس البارد الذي لم نشهده منذ أعوام بعد بدء الغزو الشامل، وهذا الظلام الدامس".
عندما يعود التيار الكهربائي - في العادة ما بين الساعة الأولى فجراً والثانية - يرغب أولكسندر في أن يبقى مستيقظاً وجميع أنوار المنزل مضاءة، وذلك كي يجدد طاقته النفسية. ويمر ملايين الأوكرانيين الآخرين بالتجربة نفسها كل ليلة، وهم مستمرون على هذا المنوال منذ أشهر.
جميعهم سئموا من العبارات "الطنانة" عن "صلابة" الأوكرانيين الشجعان، التي يصفها أولكسندر بـ "التكيف الذي فُرض علينا". وقد بات واضحاً لماذا يعتقد هذا الرجل بأن بوتين ركز بشدة على استهداف المدنيين وشبكات الطاقة.
ويقول: "لقد أدرك أنه لا يستطيع الانتصار في ساحة المعركة. فقرر التركيز على بنيتنا التحتية الحيوية، وخلق ظروفٍ تجعل الحياة غير قابلةٍ للعيش".
ويمضي النائب، وهو عضو في حزب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الحاكم، "خادم الشعب" Servant of the People Party قائلاً: "هذا هو هدف بوتين: كسر مقاومتنا لجعلنا أكثر خضوعاً وتقبلاً لخطة سلامه".
ويتابع قائلاً إن خطة الزعيم الروسي لن تحقق أهدافها لأن "التاريخ أثبت فشل هذا النوع من الخطط. فإذا ما أخذتَ مثال الغارات الجوية على بريطانيا، الـ’بليتز’، نجد أنها لم تنجح. وإذا أخذت ساراييفو كمثال، لا يمكنك فرض ذلك بالقصف وقتل السكان المدنيين. لا يمكنك جعل الناس أكثر قابلية للقبول بالاستسلام بهذه الطريقة".
معلومٌ أن الولايات المتحدة في عهد دونالد ترمب تمارس ضغوطاً على كييف لقبول خسارة جميع الأراضي التي تسيطر عليها روسيا الآن في أوكرانيا، أي نحو 20 في المئة من مساحة البلاد.
أما موسكو فتصر على أنها لن تنظر في اتفاقٍ لا يمنحها سيطرةً إضافية على كامل مقاطعة دونيتسك و"حزام الحصون" فيها Fortress Belt (يضم مدناً محصنة مثل كراماتورسك وسلوفيانسك) الذي كبح الهجمات الروسية لأكثر من عام، والذي يقدّر حلف شمال الأطلسي أن أكثر من 400 ألف روسي قُتلوا أو أُصيبوا فيه.
وقد زعمت كل من روسيا والولايات المتحدة - على نحوٍ خاطئ - أن زيلينسكي يفتقر لتفويضٍ ديمقراطي من مواطنيه، وطالبتا بإجراء انتخاباتٍ جديدة لإعادة انتخابه.
ويُعد تركيز فلاديمير بوتين على استهداف المدنيين في أوكرانيا، محاولةً واضحة لدفع كييف نحو قبول اتفاقٍ تراه أوروبا والمملكة المتحدة وكندا وعددٌ من الحلفاء الآخرين، استسلاماً.
ويرى أولكسندر أن مطالبة روسيا والولايات المتحدة لكييف بالتخلي عن أراضٍ أوكرانية ليست سوى مناورةٍ واضحة لإحداث انقسامات داخلية، إذ يعارض كثير من الأوكرانيين بشدة أي تنازلات، فيما يرفض الجميع التخلي عن خط دفاعهم.
ويقول النائب في البرلمان الأوكراني: "القيام بذلك قد يمزقنا من الداخل"، مشيراً إلى أن التنازلات الإقليمية ليست من صلاحيات الحكومة أو البرلمان، إذ تتطلب استفتاءً وطنياً وفق القانون الأوكراني.
تجدر الإشارة إلى أن عدداً من عناصر الاستخبارات في "حلف شمال الأطلسي" قد نبهوا إلى أن التحدي الفوري الذي يواجه أوكرانيا هو اجتياز فصل الشتاء بأمان.
وقدّر "معهد كيل" أن قيمة المساعدات الأوروبية لأوكرانيا، بما فيها مساعدات المملكة المتحدة، تبلغ نحو 380 مليار يورو، شاملة جميع التعهدات، مقارنةً بمساهمة الولايات المتحدة التي تزيد قليلاً على 115 مليار يورو — أي أقل بكثير من ادعاء إدارة ترمب المضلل بشأن 350 مليار يورو.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشير تقديراتُ استخبارات "حلف شمال الأطلسي" إلى أن روسيا ستحتاج لسنواتٍ عدة كي تتمكن من السيطرة على الأراضي الإضافية التي تطالب بها، في إطار آخر "عملية سلام" تتوسط فيها الولايات المتحدة.
ويقول أولكسندر: "منطق بوتين يقوم على معاهدة سلام أولاً ثم وقفٍ لإطلاق النار. وهكذا، بينما نتفاوض، يستطيع تدمير البلاد ومواصلة تدمير بنيتها التحتية الحيوية".
ويضيف: "وقد وافق ترمب على هذا المنطق، ولهذا السبب لن ينجح. لن ينجح. بالنسبة إلينا، أكبر قضية لدينا - وخطنا الأحمر المطلق - هي سحب قواتنا من دونيتسك".
ويختم قائلاً: "لن نوافق على ذلك أبداً. لا يمكننا ببساطة. هذا أمر مستبعد تماماً".
© The Independent