ملخص
كشفت دراسة متخصصة عن أن الهجرة باتت تؤثر كثيراً في خطب نواب البرلمان البريطاني خلال الأعوام الأخيرة، فاحتلت القضية نسبة تزيد على خمسة في المئة من إجمال المداخلات بحلول عام 2023، والسبب الرئيس يعود إلى الخشية من اتساع شعبية حزب "ريفورم" وضغطه على الحزبين الرئيسين لتبني نهج أكثر تشدداً إزاء ضبط الحدود.
أظهر تحليل لـ100 عام من الخطب البرلمانية تحولاً حاداً نحو اليمين في قضية الهجرة، مع أكبر تحول للأحزاب من المواقف الإيجابية إلى السلبية خلال الأعوام الخمسة الماضية، ويحذر الخبراء من أن نواب الحزبين الرئيسين "العمال" و"المحافظين" يتنافسان في مدى صرامتهم تجاه اللجوء والهجرة منذ صعود حزب "ريفورم" بقيادة نايجل فاراج.
التحليل أجرته "الغارديان"، وقال المتخصص في مجال العلوم السياسية بجامعة مانشستر روب فورد، إن هناك "حالة تشدد واضحة من حيث المبدأ، ما رأيناه خلال العامين الماضيين تحول سلبي غير مسبوق تاريخياً في المواقف تجاه الهجرة"، ويظهر تقرير الصحيفة البريطانية ذلك بصورة واضحة من خلال مقارنة لغة النواب تجاه الهجرة اليوم مع العقود السابقة.
قامت "الغارديان" بتحليل المناقشات التي جرت داخل مجلس العموم منذ عام 1925، وصنفت نحو 238 ألف مقطع من الخطب المتعلقة بالهجرة ثم رصدت "صداها شعبياً"، وتبين أن العقدين الماضيين كانا فترة استثنائية من التقلبات في المواقف تجاه الهجرة، خلال عام 2018 بلغت المشاعر الإيجابية أعلى مستوياتها على الإطلاق، لكن تلاها انخفاض حاد.
يبدو أن استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي خفف من حدة الجدل حول الهجرة، وتزامنت هذه الفترة أيضاً مع دعم ضحايا "فضيحة ويندراش" التي اتهم فيها آلاف البريطانيين السود زوراً، بالوجود في المملكة المتحدة بصورة غير قانونية. لكن المشاعر تراجعت بعد ذلك في أعقاب طفرة في الهجرة مع نظام جديد وضعه رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون، والمناقشات الحادة حول عبور القناة وفنادق اللجوء، فقد بلغ صافي الهجرة ذروته عام 2023 بـ944 ألف شخص، قبل أن ينخفض إلى 204 آلاف خلال يونيو (حزيران) 2025.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
سجلت القيم الأكثر سلبية ضد المهاجرين خلال العقود الأخيرة بين عامي 2011 و2012، حين احتدم الجدل حول عدد العمال القادمين إلى المملكة المتحدة من القارة العجوز بعد توسعات الاتحاد الأوروبي، أما قبل ذلك فالمرة الوحيدة التي تراجع فيها تأييد المهاجرين إلى ما دون الصفر فكانت عام 1927، حين تأثرت المشاعر بعدم الاستقرار بعد الحرب العالمية، وانتشر الخوف من الشيوعية والبطالة، وبينما قدمت المساعدة إلى البريطانيين في الهجرة إلى أقاليم أخرى كانت تتبع الإمبراطورية، قام السياسيون في الداخل بتقييد الهجرة.
طوال قرن من الزمن، حافظ حزب "العمال" بصورة عامة على موقف إيجابي تجاه الهجرة، ولكن هذا الموقف تراجع بصورة حادة خلال الفترات الأخيرة من الحكم، فيما كان موقف "المحافظين" سلبياً خلال معظم الفترة منذ التسعينيات، ووصل الآن إلى أدنى مستوى له على الإطلاق في ظل التهديد الذي يشكله حزب "ريفورم"، والذي على رغم أن عدد الخطب التي ألقاها سياسيوه في البرلمان محدود جداً، فإن إشاراتهم إلى الهجرة كانت في المتوسط أكثر سلبية بكثير من أي حزب آخر مر على مجلس العموم على مدار قرن كامل.
وكانت مساهمات حزب الخضر التي سجلت فقط عام 2025 الأكثر إيجابية تجاه الهجرة، أما تاريخياً فقد أبدى "الديمقراطيون الليبراليون" موقفاً جيداً تجاه القضية عموماً منذ أن بدأت المناقشات السلبية حولها عام 2005، وفي ما يخص حزبي "الوطني الاسكتلندي" و"الاتحاد الديمقراطي"، فقد كانت مساهماتهما في هذا الملف متسقة ومتوازنة طوال عقد كامل.
يظهر تحليل الصحيفة أيضاً كيف تغيرت اللغة بمرور الوقت، إذ كان يشار إلى المهاجرين عادة بـ"الأجانب" بعد صدور قوانين تنظم وجودهم وقدومهم بداية القرن، وبعد الحرب العالمية الثانية عادت قضية الهجرة إلى قلب المناقشات البرلمانية، وبعد أعوام صدر القانون الخاص بالمهاجرين من دول الكومنولث عام 1962.
لم يكن هناك سوى خمسة أعوام أثناء قرن كامل أبدى فيها نواب "المحافظين" إيجابية أكثر من نظرائهم "العمال" في شأن الهجرة، وكانت جميعها بين عامي 1943 و1952. أما الاختلاف الواضح بين الحزبين فقد نشأ منذ بداية الستينيات، وخلال عام 1968 ألقى وزير الدفاع في حكومة الظل المحافظة إينوك باول خطابه العدائي، الذي أطلق عليه اسم "أنهار الدم" في برمنغهام، وتفجرت السلبية تجاه الهجرة في البرلمان حتى بلغت سقفها عام 1969.
بعد انتخاب المحافظة مارغريت تاتشر رئيسة للوزراء في بريطانيا عام 1979، بدأ "العمال" و"المحافظين" يتباعدان سياسياً وتتباين خطاباتهما حول الهجرة، وخلال عام 1989 قالت تاتشر إن "إعادة المهاجرين غير الشرعيين إلى بلدانهم الأصلية أمر طبيعي، فإذا سمح لهم بالسفر إلى أي مكان دون إجبارهم على العودة، فستسود الفوضى على الصعيد الدولي".
أواخر التسعينيات، ارتفع عدد طلبات اللجوء داخل المملكة المتحدة بصورة كبيرة، حيث فر الناس من حروب يوغوسلافيا، ثم وصلت إلى أدنى مستوى لها عام 2011، وأصبحت قواعد حرية التنقل في الاتحاد الأوروبي محور نقاش بريطاني شعبياً وسياسياً. تزايد التباعد بين حزبي "العمال" و"المحافظين" مرة أخرى إلى أقصى درجة له خلال القرن الحالي، وأصبح نواب "العمال" أكثر إيجابية تجاه الهجرة بينما كانوا يجلسون على مقاعد المعارضة.
استمرت الحال على ذلك حتى وصل حزب "العمال" إلى السلطة عام 2024، وبدأ موقف الحزب بالتبدل نحو معارضة الهجرة ومكافحتها، ومع تركز النقاش أخيراً على "القوارب الصغيرة" و"الهجرة غير الشرعية" و"السجناء الأجانب"، أصبحت خطابات "العمال" الأكثر سلبية في 100 عام، وبات يستجيب كلا الحزبين الرئيسين لضغوط "ريفورم" في هذا الملف.
يكشف تحليل "الغارديان" أن قضية الهجرة سيطرت على السياسة البريطانية أخيراً، فقد ارتفعت نسبة الخطب المتعلقة فيها بصورة حادة منذ أواخر التسعينيات. قبل مطلع الألفية الجديدة كان واحد في المئة فقط من مداخلات أعضاء البرلمان في مجلس العموم تتعلق بالهجرة، وبحلول عام 2023 وصلت هذه النسبة إلى مستوى قياسي بلغ 5.4 في المئة من مجموع الخطب.