ملخص
قدم فريق بودو غليمت النرويجي معجزة كروية بإقصاء إنتر ميلان والتأهل لدور الـ16 بدوري أبطال أوروبا، متحدياً الفوارق المالية الهائلة ومهدياً القارة درساً نادراً في الإيمان والتخطيط والطموح.
بعدما خيم الصمت على ملعب "سان سيرو"، وقبل وقت طويل من صافرة النهاية، قدم لاعب بودو غليمت ينس بيتر هاوغ خلاصة معبرة لكل ما حدث، إذ قال المهاجم مبتسماً "الأمر يبدو غير حقيقي".
كان يتحدث بطبيعة الحال عن فوزهم على إنتر ميلان الإيطالي بنتيجة إجمالية (5 - 2) في دوري أبطال أوروبا، لكن يمكن تعميم العبارة على القصة بأكملها، وهي الفكرة التي أشار إليها المدرب شيتيل كنوتسن حين قال "هل تصدقون ذلك، فريق صغير من الشمال؟".
إنجاز تاريخي يتجاوز توقعات كرة القدم الأوروبية
إذا كانت الإشارات المتكررة إلى حجم بودو، وسط هذا الكم من الانتصارات الأوروبية، قد توحي بصورة عكسية بأن تقدم النادي أقل ضخامة وأكثر اعتياداً، فإن الحقيقة بعيدة كل البعد من ذلك. إنه إنجاز تاريخي. على الأرجح يعد بلوغ بودو غليمت دور الـ16 من دوري أبطال أوروبا أعظم إنجاز في تجاوز التوقعات على مستوى الأندية الأوروبية، منذ تتويج بورتو بقيادة جوزيه مورينيو باللقب عام 2004، وربما يفوقه.
لقد تراكمت عناصر مختلفة عدة زادت من صعوبة المهمة، إلى درجة أن الرحلة بأكملها إلى هنا كانت ينبغي أن تكون شبه مستحيلة.
فجوة اقتصادية هائلة وتحديات مالية صعبة
أول تلك العناصر هو عدد السكان البالغ 53 ألف نسمة، وهو ما ينعكس على الفجوة الاقتصادية الهائلة. فقد تحدثت وسائل إعلام إيطالية بحدة عن فارق شاسع في قيمة التشكيلتين، إذ بلغت 57 مليون يورو (67.13 مليون دولار) مقابل 666 مليون يورو (784.37 مليون دولار)، وذلك انطلاقاً من موازنة أساس لهذا الهيكل الإداري في بودو غليمت لم تتجاوز 4 ملايين يورو (4.71 مليون دولار) عام 2018، حين نجا الفريق بالكاد من الهبوط.
وكانت تلك الفجوة عاملاً في أن يبدو النادي في البداية كما يُفترض به، مجرد مشارك عابر، إذ لم يكن حقق أي فوز في دوري الأبطال بعد أول ست مباريات في مرحلة الدوري مع مطلع عام 2026. وبدا الاحتمال أقل ترجيحاً عند النظر إلى جدول مبارياته المتبقية، الذي تضمن مواجهتين أمام مانشستر سيتي وأتلتيكو مدريد.
تفوق تكتيكي ولياقة استثنائية أمام إنتر ميلان
ومع ذلك، تجاوز بودو تلك المرحلة ليضرب موعداً مع وصيف الموسم الماضي إنتر ميلان لكنه واجه تحدياً أكبر، إذ كان الفريق دخل فعلياً في عمق فترة توقفه بين الموسمين.
كان من المفترض أن يقلص ذلك أفضلية اللعب على أرضه في الدائرة القطبية الشمالية لكن حدث تطور آخر، فقد أسهمت الشمس فعلياً في مساعدته بعدما أبقته سلسلة من الرحلات إلى إسبانيا في حالة لياقة وانتعاش.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع ذلك، لم يكن يفترض أن يكون هذا كافياً للتغلب على إنتر بنتيجة مذهلة بلغت (5 - 2) في مجموع المباراتين. وبالمثل، ستطرح الآن نقاشات كثيرة حول حال الدوري الإيطالي - لا سيما مع احتمال غياب أي فريق عن دور الـ16 - لكن لا ينبغي أن يكون المستوى انحدر إلى درجة تسمح لنادٍ محدود الموارد بالصعود إلى هذا الحد.
ومع ذلك، لم يكن أي من تلك العوائق بادياً عندما سدد هاكون إيفين بثقة كرة الهدف الخامس الذي مثَّل ذروة المشهد. وبالفعل "يبدو الأمر غير حقيقي".
دروس الاستدامة وتماسك المجموعة في بودو غليمت
هناك بطبيعة الحال دروس عدة يمكن استخلاصها من انتصار بودو غليمت، خصوصاً بعدما تحدث هاوغ عن شعوره بـ"فخر كبير بالمجموعة، وبالطاقم الطبي، فنحن جميعاً في هذا معاً".
وعلى خلاف كثير من الفرق الصاعدة عبر الأعوام، لم يؤد نجاح النادي حتى الآن إلى تفريغه من أصوله بصورة قاتلة، كما حدث حتى لعملاق تاريخي مثل أياكس. فحتى اللاعبين الذين رحلوا لفترة وجيزة، مثل هاوغ، عادوا مجدداً. ويعزو بعضٌ ذلك إلى الطابع المميز لهذا الفريق، فهو يواصل التجدد والنمو.
يدفعك ذلك للتساؤل عما قد يكون ممكناً في كرة القدم الأوروبية لو وجد قدر أكبر من التنظيم والقيود على التدفق المستمر للأموال والمواهب نحو الأندية الأكثر ثراءً.
خلل النظام الأوروبي وهيمنة الدوري الإنجليزي
وهنا أيضاً يكمن درس أوسع للعبة، يتجاوز كيفية إدارة بودو غليمت لهذه المسيرة. فقد جرت بالفعل مقارنة مع بورتو، لكن ربما ثمة عنصر أكثر صلة يتعلق بليستر سيتي.
فبدلاً من رهان الـ5000 مقابل 1 الشهير، يمكن قراءة نسبة تأهل بودو البالغة واحداً في المئة. وكما حدث مع ليستر، يبرز هذا الإنجاز أكثر لأنه غير مرجح إلى حد يكشف خللاً في النظام.
إنها مفارقة مثل هذه اللحظات، فالأسباب ذاتها التي تجعلها جديرة بالاحتفاء تمثل أيضاً مصدر قلق حقيقي.
إنجازات كهذه لا ينبغي أن تكون بهذه الندرة. فقد بلغ روزنبورغ، المنافس النرويجي لبودو غليمت، هذا الدور من دوري الأبطال خلال موسم (1999 - 2000)، وقبل ذلك ربع النهائي موسم (1996 - 1997). بل إن الإنجاز السابق شهد فوزه على ميلان أفضل بكثير من هذا الإنتر، في ملعب "سان سيرو" ذاته.
كان إنجاز روزنبورغ عام (1996 - 1997) إحساساً مدوياً. أما ما يحدث الآن فشيء مختلف، وكان في أمس الحاجة إليه.
ولمعرفة حقيقة ذلك يكفي النظر إلى بقية مشهد دوري الأبطال، فهناك ستة أندية من الدوري الإنجليزي الممتاز في دور الـ16، وهي نسبة مؤسفة قد تستمر خلال الموسم المقبل. ويأتي ذلك أثناء وقت تعاني فيه عدة أندية كبرى أخرى، ويبدو أن أفضل فرصة لأي طرف آخر للفوز باللقب تتمثل في أن تستنزف الفرق الإنجليزية بعضها بعضاً. فالثروة الهائلة تنتصر في نهاية المطاف.
ومن دون الرغبة في إضفاء نبرة متشائمة على إنجاز بودو غليمت، يصعب تجاهل احتمال أن تنتهي القصة بطريقة مشابهة لكأس العالم 2002، حين نفدت طاقة الفرق الصاعدة في الأدوار الإقصائية بصورة باهتة نسبياً، وعلى الأرجح أمام نادٍ إنجليزي.
ويأتي ذلك خلال وقت يتباهى فيه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) والأندية الأوروبية ومشروعهما المشترك "يو سي ثري" بالنجاح المالي لدوري الأبطال، من دون أن يبدو أنهم يدركون ما جعل اللعبة القارية ناجحة تاريخياً. إنه التنوع، لا تكرار الأندية الثرية نفسها مرة تلو الأخرى. فليس من المفترض أن تتوغل ستة أندية من دولة واحدة إلى هذا الحد في المسابقة. هذا ليس جوهر كرة القدم الأوروبية. جوهرها يتمثل في إنجازات مثل إنجاز بودو، لكنها باتت نادرة إلى حد يجعلها ثمينة للغاية.
سيشير بعض أصحاب المصلحة إلى ذلك باعتباره دليلاً على نجاح النظام، لكن الأمر يشبه الاستدلال بيوم بارد لنفي التغير المناخي.
السؤال الأهم هو ما إذا كان أي من القائمين على قمة كرة القدم الأوروبية يفكر فعلاً في هذا الأمر؟ فهل لديهم تصور لشكل دوري الأبطال الذي ينبغي أن يكون عليه، وكيف يمكن رعاية مزيد من أندية مثل بودو غليمت؟ فكل القوى المؤسسية تتجه في الاتجاه المعاكس.
في الوقت الراهن، يمضي الفريق النرويجي في اتجاه واحد فحسب. كان لدى بودو رؤية واضحة، وبات الآن يرى أمامه آفاقاً أوسع بكثير. هذا أمر ينبغي الحفاظ عليه، جزئياً لأنه أصبح أندر بكثير مما ينبغي.
© The Independent