Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إسرائيل تشدد قبضتها الأمنية على مداخل ومخارج القدس

الإجراءات تعرقل وصول المصلين إلى المسجد الأقصى ومتوسط الانتظار عند حاجز قلنديا العسكري 80 دقيقة للمشاة و56 دقيقة للمركبات

حاجز قلنديا تحول إلى مكان لمبنى ثابت تحيطه جدران إسمنتية عالية وكاميرات مراقبة ومسارات منفصلة للمشاة والمركبات (اندبندنت عربية)

ملخص

على رغم أن النظام المعمول به على حاجز قلنديا مُحَوسَبٌ بالكامل ومزود بتقنيات الذكاء الاصطناعي الذي يفترض أن يجعل عملية العبور أكثر سلاسة وسرعة، إلا أنه حوّل على يد الجنود الاسرائيليين لأكثر الحواجز العسكرية صرامة، فهو بحسب كثيرين لا يجرد الفلسطينيين من إنسانيتهم وحسب، بل يجعلُ الحياة أكثر تعقيداً.

منذ الساعة السادسة صباحاً، يقف وليد الزين (40 سنة) في طابور طويل بين الآلاف الفلسطينيين الشباب الحالمين بالدخول لمدينة القدس لأداء صلاة الجمعة في رحاب المسجد الأقصى لا يحمل معه سوى سجادة الصلاة وبطاقته الممغنطة (هوية رقمية) التي أصبحت المفتاح الوحيد الذي قد يمكن أهل الضفة الغربية من شق طريقهم نحو القدس، فعبور حاجز قلنديا العسكري شمال المدينة خلال شهر رمضان يعتبر أمراً شبه مستحيل لمن هم دون 50 سنة من النساء والرجال، خصوصاً في ظل التشديدات الأمنية الإسرائيلية الواسعة على الحاجز بعد أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

قبل الوصول إلى البوابة الثانية المؤدية لساحة الحافلات التي تقوم بنقل المصلين من الضفة الغربية إلى المسجد الأقصى، عليهم اجتياز البوابات الأولى للحاجز لفحص وتدقيق الهويات، والتي غالباً ما يقوم الجنود المتمركزون عليها بإرجاع مئات الفلسطينيين ومنعهم من العبور لعدم امتلاكهم تصريح الصلاة الذي يخولهم الدخول إلى القدس ليوم الجمعة فقط، وحتّى من يحصلون على تصريحٍ ساري المفعول، فمن الممكن أن تتمَّ إعادتهم لأسبابٍ غير معروفة.

وعلى رغم أن النظام المعمول به على الحاجز مُحَوسَبٌ بالكامل ومزود بتقنيات الذكاء الاصطناعي الذي يفترض أن يجعل عملية العبور أكثر سلاسة وسرعة، إلا أنه حوّل على يد الجنود الإسرائيليين لأكثر الحواجز العسكرية صرامة، فهو بحسب كثيرين لا يجرد الفلسطينيين من إنسانيتهم وحسب بل يجعلُ الحياة أكثر تعقيداً، فالحاجز الذي أنشأ عام 2001، كنقطة تفتيشٍ عسكرية موقتة مع قليل من الأسلاك الشائكة أصبح اليوم يتربع على نحو 850 حاجزاً عسكرياً داخل الضفة الغربية، و34 معبراً تفصل بين الضفة وإسرائيل، كأكثر الحواجز ازدحاماً على الإطلاق.

ووفقاً لمعطيات إسرائيلية، فقد شهد حاجز قلنديا خلال النصف الأول من عام 2024 عبور 625 ألف شخص، بمتوسط انتظار بلغ 80 دقيقة للمشاة و56 دقيقة للمركبات.

تحكم كامل

بناءً على تقديرات مراقبين دوليين، إلى جانب مئات الحواجز العسكرية التي تتحكم في حركة الفلسطينيين بين محافظات الضفة الغربية وتمنع الوصول إلى مدينة القدس وإسرائيل، هناك المئات من السواتر الترابية، والمكعبات الأسمنتية والبوابات الحديدية التي يستخدمها الجيش في عزل وإغلاق مداخل البلدات والقرى الفلسطينية، والتي بدت كأداة منهجية للسيطرة والتحكم بحياة الفلسطينيين اليومية، فهي لا تؤدي إلى إعاقة حرية الحركة داخل المحافظة الواحدة وبين المحافظات وعرقلة التواصل الجغرافي بين المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، بل تثقل كاهل أكثر من 3 ملايين فلسطيني بكلفة مادية وزمنية إضافية جراء التنقل. 

 

 

ويرى حقوقيون، أن سياسات الإغلاق والحصار المفروضة على الفلسطينيين تعتبر خرقاً مباشراً للمادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي تنص بشكلٍ واضحٍ وصريح على حظر العقوبات الجماعية، كذلك تعد انتهاكاً صارخاً للمادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 التي تتكفل بحق كل فرد في حرية التنقل والاختيار داخل حدود الدولة، في حين أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 وضمن المادة (13) تضمن على حق كل شخص في حرية التنقل داخل حدود كل دولة.

أزمة شديدة

بعد أربع سنوات من تأسيس حاجز قلنديا كنقطة تفتيش موقتة، تحول المكان لمبنى ثابت تحيطه جدران إسمنتية عالية وكاميرات مراقبة ومسارات منفصلة للمشاة والمركبات، منها ما هو مخصص لمن يحملون هوية القدس، وآخر لحملة هوية الضفة، وفيما يمرّ المقدسيون من مسلكٍ واحد للمشاة وثلاثة للمركبات، أفرزت السلطات الإسرائيلية لسكان الضفة الغربية خمسة مسالك للمشاة فقط، يتحكم الجنود بفتحها وإغلاقها، ويكفي أن يتم إغلاق واحد منها فقط للتسبب في أزمة شديدة وخانقة.

وفي عام 2019 تم تطوير الحاجز أكثر ليشمل مبانٍ حديثة مزودة بأنظمة بيومترية وبوابات إلكترونية، إذ لا يمكن لأي فلسطيني من الضفة الغربية المرور عبره بأي حال من الأحوال إلا وقد أخضع لفحص أمني شامل وإجراءٍ إداري مسبق.

وقبل أحداث السابع من أكتوبر 2023 كان الحاجز يعمل على مدار 24 ساعة، ويعبره يومياً نحو 26 ألف فلسطيني بين مشاة وسائقين، معظمهم من العمال المتجهين للعمل في القدس أو داخل إسرائيل، إضافة إلى طلاب ومرضى وموظفين، وتدريجاً تحول الحاجز إلى مركز سيطرة متعدد الوظائف.

ووفقاً لما نشره تقرير مراقب الدولة الإسرائيلية نهاية العام الماضي، فإن عمل أجهزة الشرطة، وحرس الحدود، والجيش، وحراس أمن مدنيون داخل حاجز قلنديا في آن واحد "يؤدي إلى ارتفاع الأخطار المهنية في حالات الطوارئ نتيجة ضعف السيطرة والتنسيق".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولربط مستوطنات شمال رام الله بمنطقة القدس وتل أبيب بعيداً من الحواجز والأزمات المرورية المحيطة بالقدس، صادقت الحكومة الإسرائيلية عام 2021 على تنفيذ مشروع شقّ طريق أسفل حاجز قلنديا، قدرت تكلفته بنحو 94.3 مليون شيكل (30 مليون دولار) ووفقاً للمخطط فمن المقرر أن يندمج هذا الطريق أسفل الحاجز مع شارع 45، الذي يجري العمل عليه حالياً والذي يمتد من بلدة مِخماس شرق رام الله وشمال شرقي القدس، بالاتجاه الجنوبي الغربي نحو قلنديا، ليرتبط عند إتمامه بشارع 443 الذي يصل عمق إسرائيل.

"وقف الحياة"

وفقاً لحركة "محسوم ووتش" الإسرائيلية التي تضم نحو 500 امرأة من النساء اليهوديات اللواتي يتطوعن بالتناوب يومياً على مراقبة الحواجز الإسرائيلية من شمال الضفة الغربية وحتى جنوبها، فإن التعليمات الصادرة للجنود بشأن كيفية التعامل مع الفلسطينيين على الحواجز "هي في حالة تقلب وتغير دائم، ويغلب عليها مزاج وسياسة الجنود الموجودين على الحاجز".

وبحسب تقرير سابق للمنظمة، فإن حركة كل فلسطيني حين يقرر مغادرة بلدته مرهونة ببطاقة ممغنطة (ذات خط مغناطيسي) يمررها الجنود على الحاجز لمعرفة ما إذا كان العابر مطلوباً لإسرائيل أم لا، مشيراً إلى أن عملية استصدار هذه البطاقة هي رحلة عذاب بحد ذاتها، إذ عليه أن يستصدرها من مكتب التنسيق الإسرائيلي تبعاً للإجراءات الإسرائيلية.

أما بشأن عمليات الانتظار الطويلة التي يعيشها الفلسطينيون على الحواجز يومياً، فتقول المنظمة إنها تعود إما لعدم انتظام الجنود، وقلة خبرتهم، أو من باب أن الضابط قرر الإبطاء في الإجراءات من باب التنكيل أيضاً، كذلك قد تقرر الوحدة القائمة على الحاجز في لحظة ما إغلاق الحاجز لساعات، وهو إجراءٌ تنكيلي يطلق عليه الجنود مصطلح "وقف الحياة"، وهنا يضطر الفلسطينيون للانتظار ساعات وساعات من دون حراك حتى يقرر الضابط فتح الحاجز.

انتقال تدريجي

وبحسب بيان حديث مشترك لمجموعة من منظمات حقوق الإنسان في إسرائيل، فإن ما تشهده الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر 2023، "لم يعد مجرد تصعيد ظرفي أو إجراءات أمنية عابرة، بل تحوّل إلى تغيير هيكلي عميق طويل الأمد يعيد تشكيل طبيعة الحكم الإسرائيلي في الأراضي المحتلة".

 

 

وتجزم المنظمات الحقوقية الإسرائيلية المتعددة، في بيان مشترك أصدرته أخيراً، أن مجمل التطورات في الضفة "باتت واضحة بما يكفي لإثبات اتجاهٍ سياسي وقانوني واحد يسعى للانتقال التدريجي من منظومة الاحتلال العسكري الموقت إلى واقع ضمّ فعلي يرتبط بالمصالح السياسية المباشرة للحكومة الإسرائيلية".

ومن بين المنظمات "بمكوم" للتخطيط وحقوق الإنسان، و"مسلك (جيشاه)" للدفاع عن حرية الحركة، وجمعية حقوق المواطن في إسرائيل، وكذلك اللجنة لمناهضة التعذيب في إسرائيل، ومركز الدفاع عن الفرد، و"يش دين"، و"محسوم ووتش"، و"عير عميم"، إضافة إلى "عيمق شافيه"، و"أطباء لحقوق الإنسان"، و"نكسر الصمت" و"توراة العدل"، و"مقاتلون من أجل السلام".

وترى المنظمات بحسب ما جاء في البيان، أن هذه النقلة ستدفع الضفة للخروج من الإطار التقليدي للاحتلال العسكري الذي يفترض أن يخضع لقيود القانون الدولي نحو نظامٍ دائم يرسّخ السيطرة المدنية الإسرائيلية، بما يشبه الضمّ الواقعي حتى من دون إعلان رسمي. خصوصاً أن هذه العملية على حد وصفهم تتزامن مع تفاقم مظاهر "نظام فصل عنصري"، الذي يمنح امتيازاتٍ وحصانات للمستوطنين، مقابل التضييق المتزايد على الفلسطينيين.

وبحسب المنظمات الإسرائيلية المذكورة، فإن تفاصيل العيش اليومية للفلسطينيين في الضفة الغربية تثبت أن النتائج ليست نظرية أو بعيدة وحسب، بل ملموسة بشكل مباشر يظهر في روتين حياتهم اليومي، وبحقوقهم الأساسية، ما يجعل إمكانية التراجع عنها أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير