ملخص
روسيا تدرك أن إنشاء قاعدة عسكرية دائمة في مدغشقر سيعامل كإعلان حرب دبلوماسي وتصعيد محتمل من قبل القوى الكبرى، خصوصاً الهند التي تعد المحيط الهندي بحيرتها الخاصة.
على خطى مالي والنيجر وبوركينا فاسو وهي دول أفريقية عرفت انقلابات عسكرية أفرزت قادة تقاربوا مع روسيا، لجأت السلطات الانتقالية المنبثقة عن انقلاب في مدغشقر إلى موسكو سعياً للحصول على دعم عسكري واقتصادي في مواجهة مرحلة انتقالية محفوفة بالأخطار، لكن هذا التقارب يثير تساؤلات في شأن ما إذا كان سيمنح موسكو موطئ قدم لها في المحيط الهندي.
واستقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الرئيس الانتقالي الملغاشي العقيد مايكل راندريانيرينا وبحثا سبل التعاون، وذلك ضمن تطور يأتي بعد أيام من أعاصير عرفتها مدغشقر.
وقال راندريانيرينا على هامش اللقاء "نأمل في أن نتمكن من الاعتماد على دعمكم خلال هذه الفترة الحرجة بالنسبة إلى مدغشقر".
ممرات بحرية وموارد
ومنذ أيام بدا لافتاً إلى أن هناك تقارباً بين البلدين، إذ أرسلت موسكو طائرتي إغاثة إلى مدغشقر التي شهدت سلسلة من الأعاصير المدمرة.
وعد الباحث السياسي الروسي ديمتري بريدجيه أن "زيارة رئيس مدغشقر الانتقالي إلى موسكو تمثل إشارة واضحة لسعي بلاده إلى إعادة التموضع خارجياً، وذلك خلال وقت تعرف فيه بلاده انتقالاً سياسياً داخلياً، بهدف تقديم نتائج ملموسة للشارع على مستوى الأمن والاقتصاد، خصوصاً أن روسيا مرتبطة بتسليح عدد من الجيوش النظامية داخل أفريقيا، والتدريب ووجود الفيلق الأفريقي وسابقاً مرتزقة ’فاغنر‘".
وتابع بريدجيه في حديث خاص أن "المسألة ليست مجرد بروتوكول، بل رسالة مفادها بأن مدغشقر تريد تنويع خياراتها الخارجية وعدم حصرها في التحالف مع القوى الغربية، ومدغشقر في موقع يفرض منطقاً بحرياً وتجارياً تحتاج إليه روسيا في الواقع".
وشدد على أن "روسيا تهتم بمدغشقر من أجل إيجاد ممرات بحرية جديدة والوصول إلى موارد متعددة وبخاصة في مجال الطاقة، ناهيك بإمكانية الحصول على موافقة من أجل وضع قاعدة عسكرية هناك، وهو ما قد يفتح الباب أمام تعاون أوسع على صعيد التدريب والمساعدة اللوجيستية والتعاون الاقتصادي من خلال استثمارات وتعاون سياسي في المنصات الدولية".
اختلاف مع دول الساحل
ومنذ أعوام نجحت روسيا في احتلال مواقع فرنسا السابقة في دول الساحل الأفريقي إثر موجة من الانقلابات العسكرية، لكن موسكو لا تزال في حاجة إلى منافذ بحرية تمكنها من نقل المعادن مثل الليثيوم، حيث تعد هذه الدول حبيسة أي تفتقر إلى سواحل.
وكان راندريانيرينا وصل إلى الحكم في مدغشقر إثر انقلاب عسكري ضد الرئيس أندريه راجولينا بعد احتجاجات دموية قادتها حركة "جيل زد" في الجزيرة الهادئة بالمحيط الهندي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية وليد عتلم إن "زيارة راندريانيرينا إلى روسيا تأتي في سياق التحولات الجيوسياسية في أفريقيا، خصوصاً مع تصاعد الحضور الروسي بعد عام 2022 حين بدأت موسكو التحرك في أفريقيا عبر ثلاث أدوات رئيسة، أولاً الدعم الأمني والعسكري من خلال إرسال مستشارين وتقديم التدريب والتسليح منخفض الكلفة، وثانياً اتفاقات استخراج الموارد على غرار الذهب واليورانيوم والمعادن النادرة، وثالثاً خطاب سيادي مناهض للغرب يلقى قبولاً في أنظمة تبحث عن بديل للنفوذ الفرنسي أو الأميركي".
وأردف عتلم ضمن تصريح خاص أن "هذا النمط ظهر بوضوح في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، لا سيما بعد تراجع النفوذ الفرنسي في الساحل. لكن مدغشقر تختلف في أكثر من نقطة، الأولى أن مدغشقر لديها تاريخاً طويلاً من التقلبات السياسية، وروسيا تاريخياً ومنذ الحقبة السوفياتية كانت لاعباً في المشهد الملغاشي، لذلك العودة الحالية ليست مجرد رد فعل على حرب أوكرانيا، بل استثمار في نخب سياسية ترى في القطب المتعدد فرصة للمناورة والحصول على مكاسب من الجميع دون الخضوع لشروط صندوق النقد الدولي أو المعايير الأوروبية".
وبيَّن أن "النقطة الثانية موقعها ليس في حزام الساحل بل في المحيط الهندي، والثالثة اقتصادها مرتبط أكثر بآسيا والاتحاد الأوروبي منه بفرنسا فحسب، لذلك هذا التقارب مدفوع بمساعي تنويع الشركاء أكثر منه قطيعة جذرية مع الغرب، لكنها في الوقت ذاته تحظي بأهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى روسيا، حيث تقع قبالة الساحل الشرقي لأفريقيا".
تصعيد محتمل وإعلان حرب
ولا يبدو أن طريق روسيا لترسيخ نفوذ لها في المحيط الهندي سالكة، إذ يرى كثر أن ذلك قد يثير حفيظة قوى أخرى تملك مواقع هناك.
يعتقد عتلم أن "موقع مدغشقر يكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى روسيا إذ تشرف على طرق ملاحة حيوية تربط شرق أفريقيا بجنوب آسيا، مما يجعلها بمثابة برج مراقبة على طريق الحرير البحري الصيني وممرات الطاقة الغربية".
هذا إضافة إلى أن "مدغشقر قريبة نسبياً من قناة موزمبيق أحد الممرات البحرية المهمة للطاقة، وروسيا تاريخياً قوة برية قارية لكنها منذ الحرب الأوكرانية تحاول توسيع عمقها البحري خارج البحر الأسود والبلطيق. ووجود موطئ قدم – حتى لوجيستي – في مدغشقر سيمنح موسكو نقطة مراقبة في المحيط الهندي وورقة ضغط جيوسياسية على الغرب".
وأكد عتلم أن "ذلك يجعلها أكثر تكاملاً مع حضورها المتنامي داخل شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، لكن هنا يجب التفريق بين تعاون عسكري في صورة تدريب وتسليح وقاعدة عسكرية دائمة".
وأشار المتحدث إلى أن "الأول ممكن سياسياً، والثاني سيصطدم بحساسيات إقليمية ودولية (الهند وفرنسا والولايات المتحدة وحتى الصين). والأرجح في المدى المنظور هو تقارب اقتصادي – عسكري محدود لا يصل إلى مستوى التحالف الاستراتيجي العميق. روسيا تدرك أن إنشاء قاعدة عسكرية دائمة في مدغشقر سيعامل كإعلان حرب دبلوماسي وتصعيد محتمل من قبل القوى الكبرى، خصوصاً الهند التي تعد المحيط الهندي بحيرتها الخاصة".
وفي نظر عتلم "لذلك، قد تفضل موسكو نموذج تسهيلات الرسو أو مراكز الدعم اللوجيستي، فهي تمنحها الوجود من دون تحمل التبعات السياسية والمالية الباهظة للقواعد الكاملة".
ويعتقد أن "اقتصادياً، إلى جانب الذهب واليورانيوم، مدغشقر غنية بالنيكل والكوبالت. وفي ظل السباق العالمي نحو الطاقة الخضراء، روسيا تريد تأمين سلاسل توريد هذه المعادن ليس فقط لاستخدامها، بل لحرمان الغرب من احتكارها".