ملخص
يواجه المقرضون الآن ارتفاع معدلات التعثر، وتدقيقاً متزايداً في شأن الاحتيال، وفي بعض الحالات، ضغوط استرداد من صناديق التجزئة.
يواجه ازدهار الائتمان الخاص، الذي بلغ حجمه ثلاثة تريليونات دولار، أخطر اختبار له حتى الآن، فسلسلة من حالات الإفلاس، ولوائح الاتهام بالاحتيال، وعمليات تجميد الاسترداد، تكشف عن مواطن ضعف في هذا الركن سريع النمو من القطاع المالي، الذي ازدهر في حقبة ما بعد عام 2008 مع انخفاض أسعار الفائدة وتوافر السيولة.
وقال المؤسس والشريك الإداري في شركة "ليون هيل لإدارة الثروات" جيان ليو "لقد اصطدم العصر الذهبي للائتمان الخاص بحائط، قرار شركة "بلو أول كابيتال" بوقف عمليات الاسترداد بصورة دائمة لصندوقها "أو بي دي سي 2" البالغة قيمته 1.6 مليار دولار ليس مجرد عثرة مؤسسية"، مضيفاً أنها "إشارة تحذير نظامية للمنظومة المالية غير المصرفية بأكملها".
هل كشفت إفلاسات سبتمبر هشاشة المقترضين؟
تزايدت المخاوف في شأن انكشاف الائتمان الخاص على المقترضين مرتفعي الرافعة المالية في سبتمبر (ايلول) الماضي، عقب الانهيار المزدوج لشركتي "فيرست براندز غروب"، المُصنِّعة لقطع غيار السيارات والمدعومة من شركة "أبولو غلوبال مانجمنت"، و"تريكولور هولدنغز"، المقرض الأميركي المتخصص في تمويل السيارات لعملاء ذوي الجدارة الائتمانية المتدنية.
وقد تقدمت "تريكولور" بطلب إفلاس بموجب الفصل السابع في 10 سبتمبر الماضي، بعد انهيار أنشطة تمويل السيارات عالية الأخطار وعمليات بيع السيارات المستعملة، وسط مخاوف تتعلق بالاحتيال وتشديد شروط الائتمان من المقرضين عبر تسهيلات التمويل بالمخزون.
كذلك تقدمت "فيرست براندز"، التي تنتج شركاتها التابعة شمعات الإشعال، ومسّاحات الزجاج الأمامي، والمرشحات، ومكونات المكابح، وغيرها من قطع الغيار البديلة للسيارات، بطلب إفلاس بموجب الفصل الحادي عشر في 28 سبتمبر 2025.
وكانت بنوك، من بينها "يو بي أس أوكونور" و"جيفريز غروب المالية"، قد منحت مئات الملايين من الدولارات لـ"تريكولور" و"فيرست براندز" قبل انهيارهما في الشهر ذاته، ما زاد من قلق (وول ستريت) حيال انتقال العدوى إلى أسواق الائتمان الخاص والإقراض مرتفع الرافعة المالية.
في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وبعد إفلاسي "تريكولور" و"فيرست براندز"، أشار جيمي دايمون، الرئيس التنفيذي لـ"جي بي مورغان"، إلى مؤشرات على أن ممارسات إقراض الشركات أصبحت أكثر تساهلاً خلال العقد الماضي.
وقال دايمون "عندما ترى صرصوراً واحداً، فمن المحتمل أن يكون هناك المزيد، ويجب أن يكون الجميع على دراية مسبقة بذلك".
وعلى رغم أن "جي بي مورغان" تجنب تكبد خسائر في قضية "فيرست براندز"، فإن لديه انكشافاً على "تريكولور"، مما أسفر عن شطب قروض بقيمة 170 مليون دولار خلال الربع، بحسب المدير المالي جيريمي بارنوم.
وتحدث عمليات الشطب عندما تُعتبر القروض غير مرجح سدادها، وأشار دايمون إلى واقعة "تريكولور" قائلاً "ليست أفضل لحظاتنا".
كيف تحولت قضايا الإفلاس إلى اتهامات بالاحتيال المنهجي؟
في ديسمبر (كانون الأول)، وجّه مدعون أميركيون اتهامات إلى كبار التنفيذيين في "تريكولور" بإدارة ما وصفوه بـ"احتيال ممنهج" استمر لسنوات وأثار اضطرابات في بعض أوساط القطاع المصرفي.
وقال الادعاء إنهما قاما بتضخيم قيمة الضمانات المرتبطة بقروض "تريكولور"، مما أتاح للشركة جمع مليارات الدولارات من المقرضين والمستثمرين.
وفي يناير (كانون الثاني) 2026، وُجهت في نيويورك اتهامات إلى مؤسس "فيرست براندز غروب"، باتريك جيمس، وشقيقه إدوارد، بزعم الاحتيال على مقرضين بمليارات الدولارات قبل تقدم شركة قطع غيار السيارات بطلب الإفلاس.
وخلال جلسة في محكمة الإفلاس بمدينة هيوستن في 29 يناير الماضي، وافق قاضٍ على تمويل قصير الأجل من شركتي "جنرال موتورز" و"فورد" لصناعة السيارات، وبدأت "فيرست براندز" تقليص أجزاء من عملياتها في أميركا الشمالية، مع السعي لبيع بعض الأصول.
ولا تقتصر التداعيات على قرارات الإقراض السابقة، إذ بات المستثمرون يدققون بصورة متزايدة في القطاعات التي اعتمد عليها الائتمان الخاص بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة، لا سيما برمجيات الشركات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتراجعت أسهم شركات ذات انكشاف كبير على الائتمان الخاص بصورة حادة في أوائل فبراير 2026 وسط مخاوف في شأن ارتباطها بقطاعات تواجه اضطرابات بفعل الذكاء الاصطناعي، خصوصاً قطاع البرمجيات، وشمل ذلك شركات مثل "آريس مانجمنت" و"كيه كيه آر" و"أبولو غلوبال" و"بلاك روك" و"تي بي جي" و"بلو أول كابيتال".
ويخشى المستثمرون من أن أدوات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك أداة "كلود كود" من شركة "أنثروبيك"، قد تُضعف نمو الإيرادات مستقبلاً وتضغط على هوامش الربح، عبر تمكين الشركات من تطوير البرمجيات داخلياً، وكانت شركات برمجيات المؤسسات قطاعاً مفضلاً لمقرضي الائتمان الخاص منذ عام 2020، وفقاً لبيانات شركة "بيتش بوك" للأبحاث.
لماذا قررت "بلو أول" تقييد الاستردادات؟
وفي النصف الثاني من الشهر الجاري، قيّدت "بلو أول كابيتال" بصورة دائمة عمليات السحب من أحد صناديقها الائتمانية الموجهة لمستثمري التجزئة، معلنة أنها ستتوقف عن تقديم عمليات الاسترداد الفصلية لصندوق "بلو أول كابيتال كوربوريشن 2"، وستعيد رأس المال دورياً مع تصفية المحفظة.
ويُهيكل "بلو أول كابيتال كوربوريشن 2" كشركة تطوير أعمال، وهو وعاء استثماري يُسوَّق لمستثمري التجزئة في الولايات المتحدة، ويقدم قروضاً لشركات خصوصاً صغيرة ومتوسطة الحجم، ويُعد جزءاً رئيساً من سوق الائتمان الخاص.
وفي يوم الجمعة الماضي، أطلق صندوقا التحوط الناشطان "سابا كابيتال مانجمنت" و"كوكس كابيتال بارتنرز" عروض شراء لجزء من أسهم ثلاثة صناديق ائتمان خاص تابعة لـ"بلو أول".
وتهدف الخطوة إلى توفير سيولة لمستثمري التجزئة في ظل ارتفاع طلبات الاسترداد على مستوى القطاع، وتسجيل عدة فصول متتالية من صافي التدفقات الخارجية.
هل نحن أمام تصحيح عابر أم تحوّل هيكلي؟
تختبر الاضطرابات الأخيرة بعض الأسس التي دعمت النمو السريع للائتمان الخاص، بما في ذلك معايير الاكتتاب الجريئة، والمقترضين ذوي الرافعة المالية المرتفعة في شريحة السوق المتوسطة، ووعد رأس المال المستقر المحصن من موجات السحب على غرار البنوك.
وبدلاً من ذلك، يواجه المقرضون الآن ارتفاع معدلات التعثر، وتدقيقاً متزايداً في شأن الاحتيال، وفي بعض الحالات، ضغوط استرداد من صناديق التجزئة.
ومع ذلك، لا تشير الضغوط إلى انهيار القطاع البالغ حجمه نحو ثلاثة تريليونات دولار، فلا يزال رأس المال يتدفق، ويواصل كبار مديري الأصول جمع الأموال.
وارتفعت عمليات جمع الأموال عالمياً في مجال الائتمان الخاص خلال عام 2025، وإن تباطأت وتيرة النمو مقارنة بالعام السابق، فقد جمعت الصناديق التي أغلقت نهائياً بحلول 16 ديسمبر 2025 نحو 224.25 مليار دولار عالمياً، بزيادة 3.2 في المئة عن 217.38 مليار دولار في 2024، وفقاً لبيانات شركة "وِذ إنتليجنس" التابعة لـ"ستاندرد أند بورز غلوبال لمعلومات السوق" ويقارن ذلك بنمو سنوي بلغ 9.7 في المئة سُجل في 2024.
وعلى رغم تلاشي حقبة العوائد السهلة الشبيهة بعوائد الأسهم مع نضوج فئة الأصول واشتداد المنافسة، فإن مرحلة نمو الائتمان الخاص لم تنتهِ بعد، بحسب كايل والترز المحلل لدى "بيتش بوك".
وأضاف أن واقعة "بلو أول" قد تشكل في نهاية المطاف درساً مهماً للقطاع، قائلاً "تصبح تجربة تعليمية، ويجد المديرون، بمن فيهم بلو أول، طرقاً أفضل للحفاظ على قنوات السيولة لهذه المنتجات الموجهة لمستثمري التجزئة".