Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

على مرمى نار من الروس: كيف تحولت مدارس نيكوبول إلى ملاجئ للحياة؟

في تقرير ميداني نادر من المدينة الأوكرانية، الواقعة على خطوط المواجهة مع القوات الروسية، يتحدث محرر الشؤون الدولية في "اندبندنت" إلى أطفال وأهالٍ ومعلمين يعيشون مطاردة يومية من طائرات رباعية فتاكة، ومع ذلك استطاعوا على نحو لافت البقاء على قيد الحياة

تقدم المدرسة تحت الأرض خدمات الاستشارة والدعم الاجتماعي والتعليم التكميلي ووجبات الطعام (سام كيلي/اندبندنت)

ملخص

نيكوبول الأوكرانية تحارب يومياً للبقاء تحت نيران المسيرات الروسية المنطلقة من محطة زابوريجيا النووية. وسط القصف والخوف، تتحول المدارس إلى ملاجئ تحت الأرض، حيث يحاول الأطفال والمعلمون التشبث بالحياة ومقاومة الانهيار النفسي، فيما يواصل السكان التمسك ببيوتهم على رغم الخطر الداهم.

تستخدم القوات الروسية محطة زابوريجيا للطاقة النووية التي استولت عليها في أوكرانيا، نقطة انطلاق لعمليات "صيد" تستهدف السكان المدنيين.

هذه المحطة التي أصبحت بمثابة قاعدة للمدفعية تقع ضمن مدى قذائف الهاون، إضافة إلى ورشة تدريبية لموجهي طائرات الدرون، تطل من مسافة قريبة للغاية على مدينة نيكوبول، إلى حد يبدو معه وكأن المرء يستطيع ملامسة القباب النووية غير المستقرة للمحطة.

أما مدينة نيكوبول التي لا تزال تحت السيطرة الأوكرانية، فقد انخفض عدد سكانها إلى النصف تقريباً منذ اندلاع الحرب، ليبلغ نحو 50 ألف نسمة، منهم قرابة 6500 طفل ما زالوا يعيشون فيها.

وبحكم وقوعها مباشرة على خط المواجهة، تتعرض المدينة لهجمات يومية منذ أربعة أعوام. أما طرق الوصول إليها فمجازفة حقيقية، إذ تشبه سباقاً محفوفاً بالأخطار على طرق متجمدة، أملاً في تفادي ضربة مفاجئة أو حادثة قد تودي بالحياة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويسير الطيارون الروس مسيرات بنظام "الرؤية المباشرة" (FPV) من داخل محطة الطاقة النووية عبر النهر، بحيث يمكنهم مراقبة شوارع نيكوبول بالعين المجردة.

غير أن هؤلاء يذهبون أبعد من ذلك، إذ في وسعهم الاقتراب بما يكفي لرؤية ملامح وجوه ضحاياهم لحظة انقضاض طائراتهم المسيرة رباعية المراوح على الذين يختارون استهدافهم بالقتل.

على رغم ذلك، قرر نصف سكان هذه المدينة البقاء فيها. ما بين مطاردة هي أشبه باصطياد الفرائس وقصف عشوائي متكرر، قتل عدد لا يحصى من المدنيين هنا على يد روسيا منذ عام 2022، عندما سيطرت قوات فلاديمير بوتين على محطة الطاقة الواقعة على الضفة الأخرى من النهر.

مع ذلك قرر عشرات الآلاف من الأوكرانيين مواصلة العيش في هذه البقعة التي يعتبرونها موطنهم. وهم يتنقلون في شوارعها بحذر كأنهم طرائد محتملة، ويرسلون أبناءهم إلى مدارس تحت الأرض.

عند الوصول إلى "المدرسة الرقم 6"، بدت ردهتها الرئيسة الواسعة غارقة في صمت مطبق لا يقطعه سوى وقع خطوات متفرقة. لكن في الخارج، دوى صوت ارتطام وانفجار مصدره طائرة مسيرة تمكنت على رغم سوء الأحوال الجوية من الوصول إلى المدينة واستهدافها، فاهتزت نوافذ القاعة على وقع الصدى.

إحدى المعلمات هزت كتفيها بهدوء، ثم قادت الطريق نحو القبو لبدء اليوم الدراسي. جدران المكان كانت مغطاة بملصقات تشرح طريقة التعرف إلى القنابل غير المنفجرة. ويظهر أحدها صورة طائرة مسيرة حمراء، رباعية المراوح، مرفقة بإرشادات حول كيفية الاحتماء من هذه الأسلحة الجديدة.

بعبارة "صباح الخير!" صدحت حناجر أطفال أوكرانيين تتفاوت أعمارهم ما بين سبع وثماني سنوات، هم في الصف الثاني الابتدائي، أي ما يعادل السنة الثالثة في مدارس المملكة المتحدة.

استدار الأطفال على كراسيهم إلى الخلف لرؤية الزائر داخل الصف الخالي من النوافذ، وبدت على وجوههم ابتسامات وكانت حركتهم مفعمة بالحيوية. وضعت أجهزة كمبيوتر محمولة على الطاولات أمامهم، بينما طلبت منهم معلمتهم إيرينا سيتشكارينكو أن يرددوا باللغة الإنجليزية: "اسمي هو...".

هذا المكان يشكل مساحة دافئة وآمنة، يمكن للأطفال أن يتعلموا فيها، ويقضوا وقتاً مع أصدقائهم. أما فوق الأرض، وتحت ضوء الشمس، فقد أصبح ذلك أمراً مستحيلاً بالنسبة إلى هذه المجموعة المؤلفة من 20 طفلاً، التي أمضى أفرادها أكثر من نصف عمرهم في ظل هذه الظروف.

خلال العام الماضي، صعد فلاديمير بوتين وتيرة القصف الذي يستهدف مواقع مدنية في أوكرانيا. وقد ركزت قواته بصورة خاصة على مدينة أوديسا الساحلية في أقصى الجنوب، ومدينة كراماتورسك في الشمال، إضافة إلى شبكات الطاقة في مختلف أنحاء البلاد، عبر هجمات بالغة العنف.

ويسعى الرئيس الروسي إلى طرد القوات الأوكرانية من الأقاليم الشرقية التي كان قد أعلن ضمها بصورة غير قانونية، وإضعاف أوكرانيا على المدى البعيد.

أما ما يطلق عليه "محادثات السلام" التي تقودها الولايات المتحدة والتي تبنت إلى حد كبير موقفاً يميل إلى الكرملين، وطالبت كييف بتقديم تنازلات مقابل حصولها على حقوق في الموارد المعدنية الأوكرانية ووقف لإطلاق النار، فلم تفض حتى الآن إلى أي نتائج.

وفي مدن مثل نيكوبول، لم يتبدل نمط الهجمات الروسية المتواصلة إلا مع ظهور الطائرات المسيرة العالية الدقة وذات القدرة التدميرية. وقد تبدلت معها الأرقام الإحصائية بصورة لافتة. فهذه المسيرات تقتل نحو 80 في المئة من الأشخاص الذين تستهدفهم، بينما يصاب الباقون بجروح، في حين كانت الإحصاءات المرتبطة بالأسلحة النارية والمدفعية التقليدية معاكسة (لجهة أن عدد الجرحى كان أكثر بكثير من القتلى).

بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال، تمثل المدرسة الواقعة تحت الأرض طوق نجاة يمنحهم مقداراً من الإحساس بالحياة الطبيعية وسط عالم مضطرب وغير طبيعي.

تقول معلمتهم: "هنا يمكننا أن نتحدث عن أحلامنا، وعطلات نهاية الأسبوع، وخططنا واهتماماتنا. إنه تواصل مباشر بيننا، ونحن نثمن كل دقيقة نجتمع فيها، نرسم أشياء، أو نقوم بأعمال يدوية، أو ننظم حفلة ما".

يحصل هؤلاء الأطفال على حصتين صباحيتين كهاتين كل أسبوع. أما بقية وقتهم فيمضونه في المنزل حيث يتابعون دراستهم من بعد، كما لو أن جائحة "كوفيد" لم تنته بعد.

بوهدان فتى في السابعة من عمره. يقرأ بصوت مرتفع، بثقة ونبرة تعبيرية لافتة. إنها قصة عن "الجد الثلجي" Grandpa Frost [شخصية شبيهة بـ"سانتا كلوز" في الفولكلور السلافي]، إذ إن حياة هؤلاء الصغار لا تترك لهم سوى حيز ضيق للخيال والمرح.

قرأ بوهدان، فيما كانت أصابعه تتتبع الكلمات، الآتي: "كان رجل مسن قصير القامة، ذو لحية رمادية، يجلس على مقعد ويرسم شيئاً على الرمل بمظلته. قال له بافليك: ’تنح قليلاً‘، ثم جلس عند طرف المقعد".

ليليا الطفلة البالغة من العمر سبع سنوات قرأت هي أيضاً من الكتاب ما يأتي: "’هناك كلمة سحرية...‘ فتح بافليك فمه بدهشة. ’سأخبرك بهذه الكلمة، لكن تذكر: يجب أن تقولها بصوت خافت، وأن تنظر أمامك بشكل مباشر‘".

بافليك شخصية يطغى عليها الغضب. والغضب شعور مألوف لدى هؤلاء الأطفال ويسهل تمييزه لديهم على الفور، إذ يسيطر على بعضهم أحياناً ولا يفارقهم بسهولة.

وتقول إنا لياسكوفسكا والدة بوهدان، إن ابنها يحب المدرسة، لكنه يعاني القلق. وتوضح أنه "أحياناً يشعر بالتوتر. وقد يتصرف بطريقة طفولية جداً، ولا يستطيع السيطرة على مشاعره".

وتتابع إنا قائلة: "إنه يحتاج إلى تفريغ ما في داخله. يعبر عن ذلك بنوبات من الهستيريا والصراخ من دون سبب واضح. عندما نقول له: ’لا، لا تفعل ذلك‘، يكون الأمر بالنسبة إليه بمثابة انفجار عاطفي. لا يريد أن يستمع إلى أحد، ولا يرغب في فعل أي شيء - ينغلق تماماً على نفسه وتصيبه نوبات هستيرية حادة".

وتضيف أن هذا التصرف ليس مستغرباً، لأنها تشعر وكأنهم مطاردون في كل مرة يغادرون فيها شقتهم.

وتقول والدة بوهدان إنه "في الصيف الماضي، ما إن خرجنا من المنزل - ولحسن الحظ أننا كنا لا نزال قريبين منه - حتى اضطررنا إلى الجري والعودة بسرعة لنحتمي في مدخل المبنى، لأننا رأينا طائرة مسيرة تمر قرب المنزل...".

وتتابع: "لذلك أعتقد أن ما يحدث يشبه عملية صيد تستهدف الناس عمداً. وحدث موقف آخر أيضاً: كنا عائدين من المدرسة، وكانت هناك طائرة مسيرة بنظام الرؤية المباشرة تحلق مرة أخرى. قمنا بالاختباء خلف الأشجار حتى تمر، ونتمكن من الوصول إلى المنزل سالمين".

وتضيف: "عندما عدنا إلى البيت، سألني ابني: ’ماما، هل كل شيء على ما يرام؟‘ فقلت له: ’نعم، كل شيء بخير... لا تقلق‘. لكن الحقيقة أن أحداً منا ليس في منأى عن الخطر".

تقول إنا إنها غادرت نيكوبول مع ابنها بوهدان عندما سيطرت القوات الروسية على محطة الطاقة المقابلة للمدينة عام 2022. وقد انتقلا حينها إلى مكان أكثر أماناً في بولندا لمدة ثلاثة أشهر، ثم عادا أدراجهما.

وتضيف: "بيتنا هنا. الحياة هناك كانت صعبة. لم تكن الصعوبة مرتبطة بالمكان ذاته بمقدار ما كانت نفسية. كنت لوحدي مع طفلي، بعيدة من زوجي. لذلك قررنا العودة إلى أوكرانيا".

المدرسة تحت الأرض التي أنشئت وتدار إلى حد كبير بتمويل من منظمة "ستريت تشايلد إنترناشيونال" Street Child International الخيرية، تقدم خدمات الإرشاد للأطفال، والدعم الاجتماعي والتعليم التكميلي، إضافة إلى وجبات الطعام.

أناستاسيا أوخان المديرة المحلية للمنظمة - وهي أيضاً معلمة وأم لابنة في الـ13 من عمرها - تقول إن "هؤلاء الأطفال لا يعرفون كيف يتواصلون مع بعضهم بعضاً، وهم منطوون على أنفسهم".

وتحذر من أن "المراهقين تحديداً... هم الأصعب. أما الأطفال الأصغر سناً فما زالوا صادقين ومنفتحين، ويحتفظون بالأمل. أما طلاب الصفوف من السادس إلى التاسع فالأمر معهم أصعب بكثير. إنهم انطوائيون، لا يتحدثون مع أحد. وللأسف، هناك حال من التفكك الاجتماعي بدأت تظهر، وقد تتحول إلى مشكلة كبيرة في المستقبل".

صف دراسي آخر تحت الأرض يضم نحو ثمانية مراهقين صغار. يجلسون في صمت وحذر، كما يفعل كثير من أقرانهم في مثل هذا العمر. وقد تعرضت 53 مدرسة من أصل 58 في المدينة للقصف الروسي، فيما كانت أصوات انفجارات أخرى تسمع خلال زيارتنا في وسط المدينة.

وتقول صوفيا بروكوبينكو، البالغة من العمر 15 سنة، إنهم باتوا متخصصين في التمييز بين أنواع الهجمات وكيفية التصرف وفقاً لها، سواء كان الهجوم بطائرات مسيرة أم بقذائف مدفعية. وتضيف أنهم يتعرضون لمثل هذه الحوادث يومياً.

وتتابع قائلة: "عندما تخرج إلى الشارع، يمكن رؤية طائرة مسيرة أو سماع هديرها. تذهب إلى التدريب، فتجد مسيرة. إن لم تكن هناك طائرة درون في الجو، فهناك المدفعية. تجدها في كل مكان، في الطريق إلى التدريب، أو إلى المتجر، أو إلى الصيدلية، أو حتى عند الخروج لرمي القمامة".

تؤكد صوفيا أن المدرسة تمثل بالنسبة إلى الأطفال طوق نجاة، وتقول: "لا يمكننا ببساطة أن نجتمع في مكان آخر. إذا ذهبنا إلى مقهى، قد تكون هناك طائرة درون، أو مسيرة بنظام الرؤية المباشرة أو قصف مدفعي وينتهي كل شيء، لن يبقى مقهى ولا بشر. المدرسة هي المكان الوحيد الذي يمكننا أن نحتمي فيه من هذا العالم القاسي".

عندما سئلت لماذا لا تغادر هي الأخرى مع عائلتها، أجابت: "بالطبع الأمر مخيف جداً، ومن الصعب للغاية العيش باستمرار في مثل هذه الحال. كثيرون غادروا، إلى الخارج، أو إلى مدن أخرى، أو إلى أقاربهم، أو إلى غرب أوكرانيا، لكن على رغم كل شيء، تظل ديارنا أفضل مكان لنا، مهما كانت قسوة الظروف هنا".

ليس من الواضح ما إذا كان فلاديمير بوتين يدرك ذلك تماماً.

© The Independent

المزيد من تقارير