ملخص
متعجباً من الحياة الجديدة لحمير غزة، يتجول حازم بعينيه في البقعة التي يعيش فيها، حيث أكياس القمامة المنتشرة حول الخيام، ومياه الصرف الصحي تسير في واد تحت قدميه مباشرة، وركام المنازل المدمرة في كل مكان، ولا فضاء أمامه بل خيام على مد البصر، وكأن حازم يجري مقارنة بين حياته وحياة حمار غزة الذي وصل أوروبا.
أمام خيمته المهترئة يجلس حازم يتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، وبينما يقلب في مقاطع الفيديو استوقفه تقرير غريب وصادم بعنوان "تغيير حياة حمار بائس في غزة بعد وصوله إلى هولندا".
ضعفت إشارة الإنترنت قليلاً وتوقف الفيديو موقتاً، يضحك حازم ويقول "نقلوا حميراً من غزة إلى هولندا، إنها مفارقة عجيبة غريبة". ولما واصل المقطع التقدم شاهد الرجل طابوراً من الحيوانات الكبيرة تهبط من الطائرة وتنقل إلى مزارع خضراء وتحمل جوازات سفر وتتمتع بحياة هادئة مستقرة.
متعجباً من الحياة الجديدة لحمير غزة، يتجول حازم بعينيه في البقعة التي يعيش فيها، حيث أكياس القمامة المنتشرة حول الخيام، ومياه الصرف الصحي تسير في واد تحت قدميه مباشرة، وركام المنازل المدمرة في كل مكان، ولا فضاء أمامه بل خيام على مد البصر، وكأن حازم يجري مقارنة بين حياته وحياة حمار غزة الذي وصل أوروبا.
إنه حماري
تركز لقطة في التقرير الذي يشاهده حازم على حمار رمادي اللون قصير القامة، يرجع الرجل رأسه قليلاً للوراء مستغرباً، ويدقق النظر وكأنه يعرف الحمار الذي تصوره العدسة، اللقطة التالية تظهر جرحاً قديماً في أذنه، يحدق الرجل بعينيه لزيادة التركيز، وفجأة يخبط قدمه بيده ويصرخ "إنه حماري".
كان الجرح لا يزال في أذن الحمار مما مكن حازم من التعرف عليه، تلفت حوله ليعرض صورة حماره على زوجته المشغولة في إيقاد النار بالأخشاب استعداداً لطهي طعام الإفطار، ولما شاهد ضنك حياتها ورغد عيش حماره خجل أن يريها صورته، ولكن وسواساً ما بداخله شجعه على ذلك.
تندب الزوجة فريال حظها "حمارنا في هولندا بين حقول خضراء، وله جواز سفر ورحلات طيران، أما أنا فأقضي يومي بين إيقاد النار وجلب الحطب والماء والعذاب في غزة". تمازح زوجها وتضيف في عبارة تحمل من القهر ألواناً "يا ليتنا مكانه".
في منتصف فبراير (شباط) الجاري، سيرت منظمة "لنبدأ من جديد" المتخصصة في إنقاذ الحيوانات، رحلة إجلاء تضمنت 49 حماراً من قطاع غزة ونقلتهم إلى هولندا في عملية أثارت جدلاً إنسانياً.
يشاهد حازم وزوجته رحلة حماره على متن الرحلة 13 من مشروع Donkey Flights، ويتتبع الزوجان كيف دخل حيوانهما إلى مزرعة قصر الحمير في هولندا ليحظى هناك بعمليات تأهيل صحي ورعاية وسط حقول خضراء ورفاهية لا يجرؤ الزوجان على الحلم بها.
يقول حازم "خلال المجاعة التي ضربت منطقة شمال غزة إبان الحرب الإسرائيلية، لم أجد طعاماً لأطفالي ولا لحماري، وفجأة وجدت شخصاً يعرض عليّ بيعه له مقابل 200 دولار، حينها تشجعت لبيع الحمار لأنه كان سيموت جوعاً مثلي، كنت في مفاضلة وقتها وبعته".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اشترى حازم كيس طحين بسعر الحمار لينقذ أطفاله من المجاعة. ويضيف "اليوم أراه في هولندا يعيش في جنة، وأنا وأولادي ما زلنا نصارع من أجل رغيف خبز نأكله في الخيام، إنني مصدوم من العالم الذي دفع آلاف الدولارات على النقل الجوي والفحوص والتأمين، وفي المقابل لم يدفع عشرة دولارات ليوفر لي الطعام في أرضي".
لم يبع حازم حمار بعقود موثقة، بل منحه للمشتري من دون حتى أن يعرف هويته. ويتابع "المبلغ الذي صرفته المنظمة على حماري كان كافياً لإنقاذ عائلتي والحمار معاً من الجوع داخل غزة، لكنهم فضلوا إنفاقه على إخراج الحيوان فقط وتصوير العملية كعمل بطولي".
جنة الحمير
أثناء الحرب على غزة، طلبت جمعية "لنبدأ من جديد" من جنود الجيش الإسرائيلي جمع الحمير من مناطق مختلفة في القطاع، وتسهيل دخول متطوعين من المنظمة إلى غزة للقيام بهذه المهمة بأنفسهم، وبعد جمع الحيوانات نقلت عبر معبر "كرم أبو سالم" إلى مراكز إيواء موقتة داخل إسرائيل، خضعت فيها لفحوص بيطرية مكثفة، ومن ثم شحنت دفعات منها جواً إلى أوروبا.
حركت "لنبدأ من جديد" 13 رحلة جوية نحو وجهات مختلفة، أبرزها بلجيكا فرنسا وألمانيا. وفي مايو (أيار) الماضي نقلت أول دفعة وتضم 58 حماراً عبر مطار "بن غوريون" إلى مطار لييج في بلجيكا، ومن هناك نقل عدد من الحيوانات إلى ملاجئ في فرنسا.
في أواخر عام 2025 وصلت دفعات أخرى إلى ألمانيا تحديداً وأودعت حديقة حيوان في مدينة أوبنهايم، ووصلت دفعات إلى هولندا في بدايات عام 2026، ومجمل ما نقل من غزة إلى أوروبا بواسطة إسرائيل قرابة 300 حماراً من أصل 800 حماراً تخطط "لنبدأ من جديد" لتنفيذ عمليات إجلاء لها.
نقل الحمير من غزة إلى إسرائيل ثم إلى أوروبا خلق موجة جدل وغضب، إذ انتقد الغزيون الرفق بالحيوان الذي أظهرته المنظمات في وقت يعاني سكان غزة من الجوع والحصار. وكذلك ظهر بعد آخر يتمثل في تجريد الغزيين من ممتلكاتهم وسلب مقومات حياتهم وتعميق معاناتهم بخاصة أن هذه الحمير أصبحت الوسيلة الأساسية للتنقل ونقل المياه وجثامين الضحايا في ظل انعدام الوقود وتدمير الطرق.
تقول مديرة "لنبدأ من جديد"، الناشطة الإسرائيلية شارون كوهين "الرحمة والرفق بالحيوان هو الدافع بعيداً من أية أجندات سياسية، لقد أنقذت الحمير من العبودية والمعاناة، عندما قابلتهم بعد جلبهم من غزة كانوا في حال صحية مزرية للغاية، حيث الجروح والهزال وإصابات ناتجة عن الصواريخ أو العمل الشاق".
وتضيف كوهين "نفذنا عملية الإجلاء استجابة للظروف الصعبة إذ ترك عديد من هذه الحمير وحيدة وسط الدمار، أو لم يعد أصحابها قادرين على إعالتها بسبب ظروف الحرب، مما يجعل تدخلنا إنقاذاً لها من موت محقق".
مفارقة مؤلمة
لم تعد قضية حمير غزة قصة عابرة بل تحولت إلى حرب دعائية، إذ يعتبر الغزيون أن إجلاء الحيوانات محاولة لتلميع صورة إسرائيل تحت غطاء إنساني، ولكنه في الوقت نفسه يظلمهم كثيراً ويسلب منهم دواب مهمة لحياتهم.
يقول الناشط الحقوقي أحمد رجب "إنها مفارقة مؤلمة، إن الأولويات الإنسانية أهم من منح اللجوء للحمير وتسهيل سفرها، في حين يواجه سكان غزة، بمن فيهم الأطفال والجرحى، قيوداً شديدة تمنعهم من الخروج للعلاج أو النجاة، كما أن الحمير مهمة للسكان وتعد وسيلة النقل الأساسية والوحيدة المتبقية لنقل المياه الغذاء والنازحين في غزة، وإخراجها من القطاع يسهم في تشديد الخناق على سبل العيش".
ويضيف "إجلاء الحمير تجاوز العمل الإنساني تجاه الحيوان، ويحمل أبعاداً سياسية واجتماعية عميقة، فهو سلاح القوة الناعمة وتحسين الصورة عبر إظهار الرحمة تجاه الحيوانات لتشتيت الانتباه عن الأزمات الإنسانية الكبرى، وتجريف الإمكانات عن طريق تقليل قدرة الناس على نقل المياه والغذاء والمصابين".
ويوضح رجب أن البعد السياسي الأكثر وضوحاً هو المقارنة بين حرية الحركة للحمار الذي يحصل على جواز سفر وتسهيلات عبور وطائرة شحن خاصة للوصول إلى أوروبا، أما الإنسان في غزة فيحرم من السفر لتلقي العلاج.
لقى موضوع الحمير في غزة صدى أوسع بعد أن اتهمت منظمة "لنبدأ من جديد" الغزيين بممارسة أشكال من العبودية بحق الحمير. تقول مدير الجمعية شارون كوهين "كانت حمير غزة تعاني من جروح مفتوحة وبها كسور وهزال شديد ناتج عن إساءة معاملة متعمدة من أصحابها، كما أنها تعاني الإرهاق المفرط وتجبر على العمل لـ20 ساعة يومياً في نقل أحمال تفوق طاقتها مثل صهاريج المياه الكبيرة، إن ذلك هو العبودية".
ثار الغزيون غضباً من هذه الاتهامات. يقول مدير جمعية "سلالة" لرعاية الحيوانات في غزة سعيد العر "الحمير في غزة لا تعمل لساعات طويلة بدافع الرغبة في الإساءة، بل لأنها الوسيلة الوحيدة للبقاء، السكان يستخدمونها لنقل المياه والغذاء في ظل انعدام الوقود، أما الهزال والجروح فهي نتيجة مباشرة للحصار الإسرائيلي الذي يمنع دخول الأعلاف والأدوية البيطرية، وليست سلوكاً إجرامياً من المزارع الفلسطيني الذي يعاني هو نفسه من الجوع".
ويضيف "وصف العلاقة بين المزارع وحماره بالعبودية هو محاولة لشيطنة المجتمع الفلسطيني وتصويره كمجتمع قاس لا يستحق امتلاك هذه الحيوانات، وذلك لشرعنة عملية الاستيلاء عليها، كما أن وصم العبودية هو إهانة لفقر الغزيين وجوعهم وحاجتهم التي سببها الحصار".
صاحب المزرعة يتكلم
على الجانب الرسمي في غزة، وجدت عملية إجلاء الحمير انتقاداً شديداً. يقول متحدث وزارة الزراعة أدهم البسيوني "ما تقوم المنظمة الإسرائيلية استعراض إنساني زائف، الحمير والخيول هي أعيان مدنية محمية وجزء من الثروة الحيوانية والوسائل الإنتاجية الضرورية لبقاء السكان في ظل الحصار، ونقلها عبر المعابر الإسرائيلية من دون تنسيق مسبق مع الجهات الفلسطينية يعد بمثابة تهريب غير قانوني وتعدياً على ملكية المواطنين الفلسطينيين".
وتتعامل المزرعة المستضيفة في هولندا (Het Ezelpaleis) مع الأمر كقصة نجاح إنسانية. يقول صاحب المزرعة، هانز بوم "وصلتنا الحمير بحال سيئة، ونركز على توفير حياة كريمة لهذه الحيوانات بعيداً من مناطق النزاع، هنا في هولندا سيتعلمون لأول مرة أن الإنسان يمكن أن يكون مصدراً للرعاية وليس فقط للعمل الشاق".
وحاول بوم امتصاص غضب الغزيين، موضحاً "لم نشتر الحمير مباشرة من المزارعين في غزة، بل استلمناها من مراكز إيواء موقتة ومن مناطق قتال وجدنا فيها الحيوانات هائمة بلا صاحب، بقاء الحمير في غزة كان يعني تعفن جروحهم بسبب نقص الأدوية، إن نقل الحمار لم يكن ترفاً بل عملية إنقاذ طبية طارئة لا تحتمل انتظار انتهاء الحرب".
وعندما سئل عن مفارقة كلفة الشحن مقابل إنقاذ الأشخاص، رد "لا نملك الحق في تحويل هذه الأموال لشراء طحين للبشر، لأن ذلك خارج تخصص المنظمة القانوني".