ملخص
إذا فشلت الدبلوماسية وقررت الولايات المتحدة وإسرائيل وشركاؤهما شن هجوم شامل فمن الصعب التنبؤ بما سيحدث لاحقاً، فقد يؤدي انهيار النظام إلى فوضى عارمة في البلاد أو إلى نظام أكثر استبداداً، وبينما ينتظر العالم إشارة تدل على اتخاذ الخطوة التالية لا أحد يعلم إلى أين ستؤول الأمور.
مع تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب عزمه إرسال حاملة طائرات ثانية يعتقد أنها "جيرالد فورد" أو "جورج أتش دبليو بوش" إلى الشرق الأوسط تأهباً لصراع عسكري محتمل ضد إيران، تثور تساؤلات حول مغزى هذه الخطوة، وما إذا كانت تعني الاستعداد لمعركة حاسمة أم لانتزاع تنازلات أكبر من المفاوضين الإيرانيين خلال الجولات القادمة مع الأميركيين، فما هي مقاصد ترمب؟ وماذا يعني وجود حاملة طائرات أميركية ثانية من الناحية العسكرية والجيوسياسية؟
خطان متوازيان
على رغم إصرار الرئيس ترمب خلال لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على استمرار المفاوضات مع الإيرانيين على أمل التوصل إلى اتفاق في شأن الملف النووي الإيراني، وربما أيضاً ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية والميليشيات التابعة لطهران في الشرق الأوسط، فإنه حرص أيضاً على أن يسير في خطين متوازيين، مشهراً في الوقت نفسه خيار الحرب إذا تعذر التوصل إلى اتفاق، فقد تحدث أكثر من مرة خلال الأيام الأخيرة عن توجه أسطول حربي ضخم إلى الشرق الأوسط لينضم إلى حاملة الطائرات الأميركية "أبراهام لينكولن" الموجودة حالياً في شمال المحيط الهندي قرب السواحل الإيرانية بصحبة قوتها الضاربة المكونة من مدمرات وسفن حربية إضافية وأنظمة دفاع جوي وأسراب مقاتلة.
وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز" نقلاً عن مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، تلقت حاملة الطائرات "جيرالد فورد" الموجودة حالياً في البحر الكاريبي، وهي أكبر وأحدث حاملة طائرات أميركية، أوامر الخميس الماضي بالتوجه إلى الشرق الأوسط بعدما صرح مسؤولون آخرون بأن حاملة الطائرات الموجودة في ولاية فرجينيا على الساحل الشرقي للولايات المتحدة "جورج أتش دبليو بوش"، والتي كانت منتظمة أخيراً في سلسلة من التدريبات ستتحرك إلى الشرق الأوسط.
وفي حال بدء تحرك أي من الحاملتين، فلن تصل إلى موقعها قبل منتصف مارس (آذار) المقبل وفقاً للموقع الدفاعي الأميركي "وور زوون"، إذ سيتعين على السفن عبور المحيط الأطلسي إلى البحر المتوسط، أو حتى عبور قناة السويس إلى البحر الأحمر، وفقاً لما تقرره القيادة العسكرية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية عسكرية وجيوسياسية كبيرة، كونها المرة الأولى التي توجد فيها حاملتا طائرات في المنطقة منذ نحو عام، حين كانت حاملتا الطائرات "هاري ترومان" و"كارل فينسون" موجودتين في الشرق الأوسط لمحاربة الحوثيين في اليمن المدعومين من إيران في مارس 2025، ومن المؤكد أن حاملة طائرات أخرى، بما تحمله من طائرات تكتيكية وتجهيزها بنظام "إيجيس"، ستوفر دعماً كبيراً وتعزز القوات المتجمعة في المنطقة تحسباً لأي صراع محتمل مع إيران، حيث لا توجد حالياً قوة جوية تكتيكية كافية لشن عملية عسكرية كبيرة ومستدامة.
ما الحاملة "جيرالد فورد"؟
هي أحدث وأكثر حاملات الطائرات تطوراً في البحرية الأميركية، فهي السفينة الرائدة في فئة "فورد" وأكبر سفينة حربية بنيت على الإطلاق، وتتميز بطاقم مصغر وبتقنيات ثورية مثل نظام إطلاق الطائرات الكهرومغناطيسي لعمليات طيران أكثر سلاسة وكفاءة، والذي يستبدل نظام الطاقة البخارية القديم، وتستخدم جهاز إيقاف متطور للطائرات، ولديها قدرة على توليد نظام طاقة محسن لدعم الأسلحة والطائرات المستقبلية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تعد حاملة الطائرات "فورد" التي سميت بذلك تيمناً بالرئيس الـ38 للولايات المتحدة جيرالد فورد وتكريماً لخدمته في البحرية خلال الحرب العالمية الأولى، أول حاملة طائرات بتصميم جديد منذ أكثر من 40 عاماً، وتستخدم مفاعلين نوويين يوفران مدى وطاقة غير محدودين تقريباً للأنظمة المتقدمة.
ويبلغ طول حاملة الطائرات "فورد" 337 متراً وعرضها 81 متراً، بحمولة تبلغ نحو 100 ألف طن، وتعمل بطاقم أصغر يراوح بين 2500 و5000 فرد، بما في ذلك الجناح الجوي، أي أصغر بنسبة 20 في المئة من حاملات الطائرات فئة "نيميتز".
دخلت "جيرالد فورد" الخدمة عام 2017، وأكملت عمليات انتشار رئيسة طويلة الأمد في المسرحين الأوروبي والشرق أوسطي، وبصفتها قاعدة جوية متنقلة متطورة تقنياً، فقد صممت لنشر القوة بسرعة، إذ تستطيع حمل أكثر من 75 طائرة مقاتلة.
وشاركت حاملة الطائرات "فورد" في الهجوم الذي وقع في الثالث من يناير (كانون الثاني) على كاراكاس، والذي أسفر عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وتم تمديد فترة انتشار المجموعة الضاربة الحالية المرافقة لها مرة واحدة بالفعل، إذ كان من المتوقع عودة بحارتها إلى الولايات المتحدة في أوائل مارس المقبل.
ما الحاملة "جورج أتش بوش"؟
هي مدينة حربية عائمة وذات قيمة هائلة للبحرية كونها تمثل قمة القوة القتالية، إذ تضم 6000 بحار وجندي من مشاة البحرية، ويتألف طاقمها الجوي وحده من 160 ضابطاً و2500 بحار، ويبلغ طول الحاملة 333 متراً، أي ما يعادل ثلاثة ملاعب كرة قدم، وعرضها 41 متراً، وحمولتها 97 ألف طن، مما يجعلها واحدة من أكبر السفن الحربية في العالم.
سميت هذه الحاملة بذلك الاسم تيمناً بالرئيس الـ41 للولايات المتحدة، وهي العاشرة والأخيرة من فئة "نيميتز" التي تعمل بالطاقة النووية، وبنيت في أحواض بناء السفن الخاصة بشركة "نورثروب غرومان" في نيوبورت نيوز بولاية فرجينيا، وتتميز بتصميم فريد حيث يقع برج الرادار في موقع مختلف عن حاملات الطائرات الأخرى من الفئة نفسها، مما أسهم في تعزيز قدرتها على التخفي عن رادارات العدو، كما أنها مزودة بمفاعلين نوويين وأربعة توربينات، مما يتيح لها سرعة قصوى تبلغ 30 عقدة، وهي مجهزة كذلك بخمسة أنواع مختلفة من الرادارات وأجهزة الاستشعار.
وفي حين أن "بوش" دخلت الخدمة عام 2009، فإن البحرية الأميركية تأمل في أن تستمر في الخدمة حتى خمسينيات القرن الحالي، بعدما أدت دوراً محورياً في الحرب على الإرهاب، حيث قصفت طائراتها مواقع تنظيم "داعش" في الشرق الأوسط عام 2014.
أسطول طائرات متنوع
تستطيع حاملة الطائرات "جورج أتش بوش" حمل 56 طائرة، بما في ذلك طائرات الهجوم والتشويش الإلكتروني والاستطلاع، ومقاتلة الشبح "أف-35 لايتنينغ"، التي تعد حيوية للغاية في توجيه أية ضربة عسكرية داخل إيران، حيث يتوقع أن تستخدم طائرات شبحية مثل مقاتلات "أف-35" أو "أف-22 رابتور" وقاذفات "بي-2 سبيريت"، وفقاً لصحيفة "وول ستريت جورنال".
وتحمل "بوش" كذلك طائرات "أف/ أي-18 أي/ سي"، وأف/ أي-18 إي/ أف سوبر هورنت"، و"إي أي- 6 بي براولر"، و"إي-2 سي هوك آي"، فضلاً عن 15 مروحية من نوع "سيكورسكي أس أتش- 60 أف"، و"أتش أتش- 60 أتش سي هوك"، و"أس أتش- 60 بي سي هوك"، إذ يمكن للحاملة إطلاق الطائرات كل 20 ثانية واستعادتها بسرعة.
وبحسب مسؤولين في البحرية الأميركية، تستطيع حاملات الطائرات من فئة "نيميتز" عادة تنفيذ أكثر من 120 طلعة جوية يومياً خلال العمليات المتواصلة، ولديها قدرة إضافية على مضاعفة هذا العدد خلال 24 ساعة، ولكن هناك حدوداً لمدة استمرار هذا النشاط.
وزودت الحاملة بتشكيلة كاملة من الصواريخ البحرية، بما في ذلك أسلحة مضادة للطائرات ونظام دفاع جوي قريب المدى للتصدي لصواريخ "كروز" المعادية، ويشير نشرها إلى أن هجوماً على إيران أكثر أهمية من عملية "مطرقة منتصف الليل" التي شنت الصيف الماضي قد يكون وشيكاً إذا فشلت المفاوضات الدبلوماسية التي تجري حالياً بين طهران وواشنطن.
خيارات أوسع
ربما يمنح نشر حاملة طائرات ثانية الرئيس ترمب خيارات أوسع مما يملكه حالياً، وقد تكون حملة القصف أوسع نطاقاً وفقاً لعديد من الخبراء العسكريين الذين يعتقدون أن الولايات المتحدة لا تملك حتى الآن موارد كافية في المنطقة لشن حملة واسعة ومستدامة ضد إيران.
وبحسب المتخصص السابق في شؤون إيران لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كين كاتزمان، الذي يعمل حالياً في مركز "صوفان" للأبحاث، فإن وجود حاملة طائرات ثانية قد تغير المشهد، لأن توافر مزيد من الطائرات يمنح الأميركيين فرصة لتدمير مزيد من مواقع الصواريخ الإيرانية، نظراً إلى السباق بين الولايات المتحدة التي تحاول تدمير هذه الصواريخ وإيران التي ترد بإطلاق هذه الصواريخ، وكلما أسرعت أميركا في تدمير هذه الصواريخ قلت ردود الفعل العكسية وانخفضت فرص إيران في توسيع نطاق الصراع في المنطقة.
ووفقاً لكاتزمان، فإن تعزيز عدد الطائرات الأميركية في مسرح العمليات يمنح الولايات المتحدة القدرة على تنفيذ طلعات جوية أكثر يومياً، بالتالي ضرب أهداف أكثر بسرعة أكبر، وستمنح حاملة الطائرات الثانية الجيش الأميركي مزيداً من الاستقلالية، إذ ستتمكن من شن هجمات من البحر بدلاً من الاعتماد على المجال الجوي للحلفاء الإقليميين الرافضين حتى الآن للتدخل.
وتوفر حاملة الطائرات الإضافية والقوة الضاربة من السفن الحربية المرافقة لها قوة نارية إضافية كبيرة لأية ضربة أولية، كما يشير الباحث في شؤون القوات البحرية والأمن البحري في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية نيك تشايلدز، وبما أن حاملات الطائرات قادرة على العمل بصورة مستقلة فإن وجود حاملة ثانية سيوفر مرونة أكبر للتعامل مع التهديدات الأخرى مثل التدخل المحتمل من الحوثيين في اليمن.
لكن في المقابل، لا يمكن لحاملة الطائرات أن تحافظ على عمليات مستمرة إلى أجل غير مسمى، لأنها تحتاج إلى إعادة تزويدها بالذخيرة والمؤن ووقود الطائرات، لهذا فإن وجود حاملتي طائرات تعملان جنباً إلى جنب يسمح للولايات المتحدة بالحفاظ على عمليات مستدامة لفترة أطول بكثير.
دور دفاعي
على النقيض من ذلك، قد تؤدي حاملة الطائرات الثانية للولايات المتحدة دوراً دفاعياً مهماً، كما يقول العقيد السابق في مشاة البحرية الأميركية والمحلل الدفاعي حالياً في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية مارك كانسيان، مشيراً إلى أن أهم إسهامات حاملة الطائرات الثانية سيكون في مجال الدفاع، وعلى رغم أنها تتمتع بقدرات هجومية هائلة فإن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل كثيراً منها، إذ يمكنها شن ضربات صاروخية بعيدة المدى في حين يبرز الدور الدفاعي لأن حلفاء أميركا كانوا متخوفين للغاية من أي رد فعل انتقامي.
وبوجود حاملتي طائرات ستتمكن أميركا من حماية حلفائها بصورة أكثر فاعلية، ولهذا يعتقد كانسيان أن الحاملة الجديدة قد توجد في شرق البحر المتوسط لحماية إسرائيل في المقام الأول، بينما من المرجح أن تبقى حاملة الطائرات "لينكولن" في المحيط الهندي لحماية شركاء الولايات المتحدة في الخليج.
واستخدم ترمب تكتيكات الحصار في منطقة الكاريبي ضد فنزويلا وكوبا، ويدرس الآن مصادرة ناقلات النفط الإيرانية لقطع أهم مصدر دخل للنظام من خلال دور حيوي من حاملة طائرات ثانية قد تسهم في هذا الحصار بعدما باتت القوات البحرية الأميركية حول إيران تضاهي الحشد البحري حول فنزويلا.
غير أن البدء بمصادرة أو منع النفط الإيراني من أسطول الظل غير الشرعي سيكون تصعيداً تدريجاً، إذ من المحتمل أن ترد إيران عسكرياً بأفعال مماثلة ضد ناقلات النفط الأخرى المارة عبر مضيق هرمز أو الخليج مما قد يبرر توجيه ضربة عسكرية لهم.
وعلى رغم أن الولايات المتحدة تظل في حاجة إلى مزيد من السفن لتنفيذ هذا الحصار بكفاءة، فإن جميع ناقلات النفط مضطرة للخروج عبر مضيق هرمز، إذ يمكن للبحرية الأميركية مراقبة ما يمر من أسطول الظل الإيراني عبر المضيق واعتراضها.
لكن على رغم كل الحديث عن الاستعداد للحرب، فإن الانتشار المنسق للقوات الأميركية في المنطقة يهدف على الأرجح إلى زيادة الضغط الدبلوماسي على طهران لتلبية مطالب الولايات المتحدة في شأن برنامجها النووي والصواريخ الباليستية والميليشيات التابعة لها في المنطقة، وهو أمر له دلالات كبيرة، فالرئيس ترمب لا يتوقف عن الحديث عن الأسطول الذي يبنيه في نهج مماثل لما شاهده العالم في منطقة الكاريبي، ولا شك أن الترهيب بالآلة العسكرية الأميركية هو جزء من المرونة ورسالة يوفرها انتشار حاملات الطائرات.
ويشير تكرار تهديد ترمب وحديثه المستمر عن الأساطيل الضخمة والجميلة، بحسب ما يقول، إلى أهمية الحرب النفسية في هذا الأمر، فهو يبحث عن خيارات للضغط على النظام الإيراني ولفت انتباهه، على رغم أن النظام أظهر استعداده لتحمل الخسائر، ولم ترهبه حتى الآن استعراضات القوة الأميركية.
دبلوماسية البوارج الحربية
بعد ما يقارب 200 عام على استخدامها للمرة الأولى لتأكيد الهيمنة الجيوسياسية، لا تزال دبلوماسية البوارج الحربية التي يستخدمها الرئيس ترمب حالياً حية وفعالة، إذ تتناسب التكتيكات التي تستخدمها الولايات المتحدة ودول أخرى اليوم مع الصيغة الكلاسيكية التي وضعها المحلل الاستراتيجي البحري جيمس كيبل لهذه الدبلوماسية، وهي استخدام القوة أو التهديد بقوة بحرية محدودة من أجل تحقيق ميزة أو تجنب خسارة.
وبينما تغيرت البوارج والقوارب والأهداف منذ أن صاغ كيبل تعريفه الكلاسيكي عام 1971 يظل المنطق الأساس هو نفسه، فتزامناً مع الدبلوماسية السياسية يعد نشر سفن عسكرية متطورة قبالة سواحل دولة منافسة أو قربها رسالة قوية للغاية بدأ تجسيدها في منتصف القرن الـ19 خلال حقبة التنافس بين الإمبراطوريات، بينما كان القانون الدولي ضعيفاً.
ويعتبر أسطول العميد البحري الأميركي ماثيو بيري، المعروف باسم "السفن السوداء" بسبب هياكلها المطلية باللون الأسود، نموذجاً مثالياً في هذا السياق، فقد رست هذه السفن في خليج طوكيو لإجبار اليابانيين على كسر انغلاقهم والانفتاح أمام العالم وذلك في الفترة من 1853 إلى 1854، مما ساعد في إبرام "معاهدة كاناغاوا" عام 1854، والتي فتحت قسراً ميناءي شيمودا وهاكوداته اليابانيين أمام السفن الأميركية.
وبالمثل، ضغطت أسراب البحرية البريطانية على اليونان لتعويض مواطن بريطاني يدعى دون باسيفيكو عام 1850، وبعد نصف قرن اتحدت بريطانيا وألمانيا وإيطاليا لفرض حصار بحري على فنزويلا والاستيلاء على السفن ومكاتب الجمارك لإجبار الحكومة الفنزويلية على سداد ديونها الخارجية، وفي كل حال تم استعراض قوة بحرية محدودة علناً عند نقطة معينة لكسب تنازلات محدودة ثم الانسحاب.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، جعلت الأخطار النووية وسياسات التحالفات والقانون البحري المتطور، دبلوماسية الزوارق الحربية التقليدية أقل جاذبية وأكثر خطراً، ونتيجة لذلك تحول الإكراه بالقوة العسكرية القاهرة إلى استعراضات قوة موقتة وأدوات مثل إجراءات إنفاذ القانون في البحر والدوريات وعمليات التفتيش وفرض الحظر، بدلاً من الإكراه أو العقوبات الصريحة.
على سبيل المثال، استخدمت الولايات المتحدة عام 1962 القوة البحرية لوقف شحنات الصواريخ من الاتحاد السوفياتي إلى كوبا مع إدارة التصعيد، واستخدمت تعبير "الحجر الصحي" على كوبا ولم تستخدم اسم "الحصار"، وشهدت حروب سمك القد بين أيسلندا وبريطانيا من عام 1958 إلى عام 1976 مواجهات بين سفن خفر السواحل الأيسلندية وسفن الصيد البريطانية، حيث أدى الاصطدام المتحكم فيه و"الحرب القانونية" إلى توسيع حدود الصيد من دون إشعال حرب مسلحة بين الحلفاء.
عودة الحرب النفسية
لكن، منذ أن عاد الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض، بدا أنه يعيد تفعيل سياسة البوارج الحربية والحرب النفسية مع فنزويلا وكوبا وغرينلاند، والآن يفعلها من جديد مع إيران التي تعد أكثر هذه الدول قوة، إذ تشير تقارير متعددة إلى وجود أصول أخرى غير حاملات الطائرات ستشارك في أي هجوم، وأن الحملة الجوية قد تشمل شركاء أجانب.
ولأن إيران تمتلك قوة صاروخية كبيرة، لا تقل الأنظمة الدفاعية الأميركية أهمية عن الأنظمة الهجومية، فقد نشر حساب من المصادر المفتوحة تقريراً يفيد رصد أكثر من 80 رحلة شحن عسكرية تابعة لسلاح الجو الأميركي، مرتبطة بنقل معدات دفاع جوي، وتشمل هذه الرحلات طائرات نقل من طراز "سي- 17 أي غلوب ماستر- 3" و"سي أم-5 سوبر غالاكسي"، وصلت منذ منتصف يناير إلى قواعد في الشرق الأوسط، بينما تشير الاستعدادات الدفاعية في جميع أنحاء المنطقة إلى اقتراب الانتهاء من شن سلسلة ضربات على إيران.
في الوقت نفسه، نشر سلاح الجو الملكي البريطاني طائرات "يوروفايتر تايفون" وطائرات "أف-35" في قبرص، والتي قد تشارك في الهجمات الجوية على إيران أو لصد الهجمات الصاروخية المضادة، كما أرسلت طائرات أخرى تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني إلى قطر.
ويستفيد ترمب من كل هذه الأخبار التي تزيد زخم الحرب النفسية، بما في ذلك إشارات بعض أعضاء حكومة نتنياهو إلى أن إسرائيل لا تزال تدرس اتخاذ إجراء أحادي الجانب، حتى لو توصل البيت الأبيض إلى اتفاق مع طهران، لأنها تعتبر الصواريخ الباليستية الإيرانية تهديداً خطراً، وتحتفظ بخيار التحرك إذا لم يُلبِّ أي اتفاق الحاجات الأمنية المطلوبة.
وإذا فشلت الدبلوماسية وقررت الولايات المتحدة وإسرائيل وشركاؤهما شن هجوم شامل فمن الصعب التنبؤ بما سيحدث لاحقاً، فقد يؤدي انهيار النظام إلى فوضى عارمة في البلاد أو إلى نظام أكثر استبداداً، وبينما ينتظر العالم إشارة تدل على اتخاذ الخطوة التالية لا أحد يعلم إلى أين ستؤول الأمور.