ملخص
تحضر الشيخوخة، متوهجة في بهائها كما في انكسارها، في مسابقة الدورة الحالية من مهرجان برلين السينمائي (12 – 22 فبراير "شباط"). وقد تجلت في فيلمين مؤثرين، النمساوي "الرجل الأكثر وحدة في المدينة" للمخرجين تيزا كوفي وراينر فريمل، والأميركي "يو - الحب طير ثائر" لكل من آنا فيتش وبانكر وايت. واللافت أن العملين ولدا من شراكة إخراجية، صيغت برهافة "أربعة أياد" تنسج رؤية واحدة من حساسيات عدة.
في زمن تميل فيه السينما الجماهيرية إلى مهادنة الذائقة السريعة واسترضاء جمهور منهك يبحث عن المتعة الفورية، اختار هؤلاء المخرجون الأربعة أن يوجهوا كاميراتهم نحو أجساد تراكم عليها العمر ووجوه أرهقتها التجارب، غير أن المفارقة تكمن هنا تحديداً: ففي تلك الملامح المتعبة ومضات شباب وطموح عنيد يطرح تساؤلات حول مفهوم العمر.
من هذا اللقاء بين الوهن والحيوية، تنبع أهمية الفيلمين، إلى جانب قيمتهما الفنية، فكل عمل منهما يشق مساره التعبيري على نحو مغاير للآخر، سواء في البناء السردي أو في الإيقاع البصري، على رغم تقاطعهما في التيمة والمدة الزمنية التي لا تتجاوز 90 دقيقة، إنهما شهادتان متكاملتان على أن الشيخوخة لا تعني الأفول.
في "الرجل الأكثر وحدة في المدينة" نتعرف إلى آل كوك، ثمانيني يعيش مطوقاً بذاكرته، متشبثاً بماض لم يحسن تجاوزه. منذ العنوان يضعنا الفيلم أمام هاجسه: الوحدة هي الرفيقة التي لا ترحم للشيخوخة في مدينة أوروبية مثل فيينا، حيث تدور الأحداث. كي نقترب من آل ونتعاطف معه يحملنا الفيلم إلى مساحته الحميمية: شقته الصغيرة في قبو مكتظ بالكتب وأشرطة الفيديو وأسطوانات الفينيل. أرشيف شخصي لحياة كانت تضج بالوعود قبل أن تتبعثر تحت وطأة الخيبات. تقتحم الكاميرا هذا العالم الساكن، نابشة طبقات الذاكرة، هناك حيث يقبع بطلنا الظريف، ساخراً من نفسه بمرارة أحياناً، فيما الحياة تمضي في الخارج بإيقاعها اللامبالي، غير عابئة بمن تخلفوا عن قطارها.
غير أن الفيلم لا يركن إلى استعادة نوستالجية، ولا يغرق في تأمل رتيب للماضي، إذ يضع بطله في مواجهة مباشرة مع الحاضر: شركة عقارية تعتزم هدم المبنى تمهيداً لاستثمار الأرض، فينتزع من الرجل ملاذه الأخير، ليترك ـ حرفياً ومجازاً ـ على أنقاض حياته السابقة، ماذا يتبقى من إنسان يستمد معنى حياته من ذاكرته؟ وكيف يعاد بناء الذات حين يمحى مسرحها؟ أمام هذا الواقع لا يجد آل خلاصه إلا في قفزة نحو المجهول: شراء تذكرة بلا عودة إلى الولايات المتحدة، إلى مكان لا يعرف فيه أحداً، قرار يبدو، في آن معاً، تهوراً متأخراً وبداية محتملة، كأن الشيخوخة تتجرأ أخيراً على المغامرة.
يمضي الفيلم في النصف الأول منه في تمهيد رقيق للتعرف إلى شخصية آل كوك، فتبدو مجريات الصراع الأساس متأخرة بعض الشيء قبل أن يقذفنا الجزء الأخير مباشرة في صميم المعضلة. وقد يتسلل شعور بالرتابة أحياناً، على رغم قصر مدة الفيلم نسبياً، غير أن لحظات صغيرة مليئة بالظرافة، مثل لقائه بحبيبة سابقة وحديثهما عن أسباب انفصالها عنه، تكسر ذلك الملل وتعيد الحيوية إلى هذا الفيلم الذي ينجح في إلغاء كل ما حول الشخصية، ليتيح لنا رؤية آل كما تراه الكاميرا بكل صدق وشفافية، كما لو أن الزمن كله توقف للإضاءة على تفاصيل حياته. ويبدو لي أنه قد يجد صدى خاصاً لدى رئيس لجنة التحكيم، فيم فندرز، إذ يمكن أن يكون معه جسراً خفياً إلى فيلمه الأخير "أيام مثالية" عن رجل ياباني ينظف الحمامات، وتتوزع حياته بين العمل والتأمل في التفاصيل الصغيرة التي تصوغ رؤيته إلى الحياة.
الحب طير ثائر
يأخذنا "يو - الحب طير ثائر" إلى فضاء مختلف تماماً، حال سينمائية استثنائية تتقاطع فيها البهجة والضحك والأسى، وذلك في تجربة فنية تعيد التفكير في السينما بطريقة خلاقة تبتعد عن الدروب المألوفة. الفيلم عن سيدة تدعى يو وعلاقتها بالمخرجة آنا. حين التقتا للمرة الأولى، كانت يو في الـ73، بينما كانت آنا في الـ24، ومنذ ذلك اللقاء نشأت بينهما رابطة عميقة تحدت فارق العمر والتجارب. بعد وفاة يو شرعت آنا في إعادة تشييد فضاء سحري يمكن فيه لحكايات يو أن تستمر، وتستمر علاقتهما الرمزية. المنزل الذي أنشأته آنا نسخة مصغرة بمقياس ثلث الحجم الأصلي لمنزل يو، وفي الداخل تعيش دمية تجسد صديقتها يو، ليصبح المكان سجلاً للذكريات، ومساحة لاستحضار العلاقة التي تجاوزت حدود الزمان والمكان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذا الفيلم شهادة على أن السينما لا تزال قادرة على مفاجأتنا، فمهما تكاثرت الحكايات المتشابهة أو بدت نهاياتها متوقعة، يبقى هناك ما يأسرك ويأخذك بعيداً من رتابة حياتك اليومية. هل يوجد ما هو أجمل من قصة هذه المخرجة التي ردت الاعتبار إلى صديقة سكنت في روحها بعمق؟ على رغم أن قصصهما لا تختلف جذرياً عن حكايات نساء ثائرات تحدين المعايير الاجتماعية، فالفيلم يرتقي بها من خلال أسلوبه المجدد، الذي يتأرجح بين لقطات حميمية وأخرى مبتكرة تعيد خلق أحداث حياتها بظرافة لا مثيل لها، مثل إعادة تمثيل مراسم عزاء أم يو، وهي اللحظة التي يصل فيها الفيلم إلى ذروته الابتكارية.
يو شخصية استثنائية بلا شك، ولدت في سويسرا بعد الحرب العالمية الأولى وهاجرت إلى الولايات المتحدة، وعاشت حياتها وفق شروطها الخاصة، متحدية كل التوقعات المرتبطة بالجنسانية والأمومة والشيخوخة وحتى الموت. ما يميز الفيلم أكثر هو أن الشكل السردي يتماهى مع المضمون، محاولاً أن يكون بنفس مستوى الخصوصية التي تحملها الشخصية، مموهاً الحدود بين الذاكرة والزمن والابتكار. هذا فيلم يعلن قدرة السينما على احتواء الأسى والوفاء، وصياغتهما على نحو يتيح مشاركتهما مع الآخرين، ويبدو أن له فرصاً قوية للدخول ضمن قائمة الجوائز التي ستمنح هذا المساء، باعتباره نموذجاً للوثائقي الذي يعيد يجدد وجوده.