ملخص
كانت الحركة تمتلك أرتالاً عسكرية ومراكز تدريب علنية خلال عامي 2006 -2008، بينما كانت حقبة التمدد والسيادة في عام 2009 -2012. حينها سيطرت الحركة على أكثر من 60 في المئة من أراضي وسط وجنوب الصومال، وأدارت نظاماً إدارياً متكاملاً شمل تحصيل الضرائب والقضاء والتعليم الممنهج.
في قلب الأدغال الكثيفة بإقليم جوبا الوسطى جنوب الصومال، حيث تتشابك جذور الأشجار المعمرة لتشكل سقفاً طبيعياً يحجب رؤية المسيرات الحديثة، تكمن "دولة موازية" لا تظهر للعيان. فالصور الأخيرة التي بثها الجيش الصومالي لمخابئ جرى تطهيرها حديثاً، لم تكن مجرد توثيق لعملية عسكرية روتينية، بل كانت بمثابة "كشف طبقي" للتحول الجذري في تكتيكات "حركة الشباب" الصومالية، التي يبدو أنها قررت "الغوص في باطن الأرض" بعد ما ضاقت بها السبل فوقها.
رصد تحقيق لـ"اندبندنت عربية" ما تحت جذور الأشجار التي تعمل كمشتتات طبيعية للحرارة، حفر مقاتلو "خنازير الأرض" كما يطلق عليهم محلياً، ملاذاتهم العمودية حيث تظهر الفوهة العميقة كبئر من صمت، لكنها في الواقع "رئة" عسكرية حيث ينحدر المقاتل إلى عمق كفيل بحمايته من أعتى الصواريخ الموجهة، منتظراً اللحظة التي تطأ فيها القوات البرية أقدامها على "الأرض الملغومة" ليخرج كشبح من تحتها.
هذا المشهد ليس بجديد على ذاكرة الحروب، ففي ستينيات القرن الماضي، واجهت أقوى آلة عسكرية في العالم "الفيت كونغ" في غابات فيتنام بذات الطريقة. اليوم، يعيد التاريخ نفسه في القرن الأفريقي، لكن مع إضافة "كيمياء" حديثة وتكنولوجيا رخيصة. لم تعد المعركة مجرد رصاصة مقابل رصاصة، بل أصبحت صراعاً بين "عين في السماء" تبحث عن حرارة، و"جسد في باطن الأرض" يتغذى على المنشطات ويحتمي بالطين.
محاكاة "الفيت كونغ"
تظهر الصور المسربة من الجبهات الأمامية نمطاً هندسياً يثير ريبة المحللين العسكريين، فتحات عمودية ضيقة تنتهي بممرات أفقية معقدة. يرى الخبراء أن هذا التكتيك يمثل محاكاة بنسبة 85 في المئة لشبكة أنفاق "كوتشي" التي استخدمتها قوات "الفيت كونغ" ضد الجيش الأميركي في ستينيات القرن الماضي، مؤكدين أن الحركة لا تحفر لمجرد الاختباء، بل لإنشاء منصات انطلاق مباغتة حيث أن التمويه الطبيعي المعتمد على جذور الأشجار يحيد أنظمة الرصد الحراري للطائرات من دون طيار، مما يحول الغابة إلى مصيدة برية للدوريات الراجلة، وأن اختيار الأشجار ذات الجذور الضخمة ليس عشوائياً بل يهدف لتوفير سقف طبيعي يمنع انهيار الأنفاق تحت القصف الجوي ويوفر مخارج طوارئ متعددة تسمح للمقاتلين بالاختفاء خلال ثوان معدودة.
الهروب تحت الأرض
ظهرت "حركة الشباب" كجناح عسكري متشدد من رحم "اتحاد المحاكم الإسلامية". في تلك الفترة اعتمدت الحركة على "الحرب الشعبية" والسيطرة المفتوحة على المدن، وكانت المعارك تدور في شوارع مقديشو بأسلوب الجيش النظامي المصغر، إذ كانت الحركة تمتلك أرتالاً عسكرية ومراكز تدريب علنية خلال عامي 2006 -2008، بينما كانت حقبة التمدد والسيادة في عام 2009 -2012. حينها سيطرت الحركة على أكثر من 60 في المئة من أراضي وسط وجنوب الصومال، وأدارت نظاماً إدارياً متكاملاً شمل تحصيل الضرائب والقضاء والتعليم الممنهج. في تلك المرحلة، لم تكن هناك حاجة للأنفاق بل كانت الحركة تبني القواعد العسكرية فوق الأرض كرمز للقوة والسيطرة.
وفي مرحلة الانكماش التكتيكي خلال عامي 2013-2021 مع دخول قوات الاتحاد الأفريقي "أميصوم" والضربات الجوية الأميركية المركزة، بدأت الحركة تفقد المدن الساحلية والمركزية، هنا بدأت تظهر بوادر حرب العصابات "الريفية" حيث انتقل الثقل العسكري من العاصمة إلى الأحراش والغابات الكثيفة في أقاليم جوبا وشبيلي.
انتقلت الحركة إلى عقيدة الجحور خلال عام 2022 -2026 وهي مرحلة "البقاء الوجودي" مع إطلاق الحكومة الصومالية لعملية "الحرب الشاملة" في عام 2022 وتجنيد قبائل المعاويسلي، الأمر الذي جعل "المخابئ والأنفاق" هي الاستراتيجية الدفاعية الوحيدة المتبقية للحركة.
مناطق رمادية
يقدر قائد ميداني في القوات الصومالية المسلحة المساحات التي تصنف حالياً بـ"المناطق الرمادية" صعبة التمشيط، بنحو 45 ألف كيلومتر مربع، وهي مساحات تتطلب وحدات "فئران أنفاق" متخصصة قادرة على القتال في الأماكن المغلقة والمظلمة، وهو نوع من الحروب لم يعتده الجيش الصومالي الذي تدرب لعقود على حرب المدن والشوارع. وأوضح أنه لم تكن "حركة الشباب" لتلجأ إلى "عقيدة الجحور" لولا الضغط الجوي الهائل الذي مارسته واشنطن. ومع ذلك تبرز مقارنة حادة بين نهج إدارتي بايدن وترمب في التعامل مع هذا الملف، وهو يفسر ارتباك الحركة في بعض الفترات وصمودها في أخرى.
إدارة ترمب
خلال ولايته الأولى رفع دونالد ترمب القيود عن "مناطق العمليات القتالية النشطة" مما منح القادة الميدانيين صلاحيات واسعة لشن غارات جوية مكثفة بلغت ذروتها في عام 2019 بأكثر من 65 غارة في عام واحد. ومع ذلك فإن قراره بسحب 700 جندي في نهاية ولايته خلق فراغاً أمنياً سمح للحركة بالتمدد في الريف وبناء هذه المنظومة التحت أرضية بعيداً من أعين الاستطلاع الأميركي.
إدارة بايدن
اتسمت سياسة بايدن بالهدوء الحذر، حيث أعاد الوجود العسكري الدائم ممثلاً بنحو 500 جندي، وركز على دعم لواء "دنب"، وكانت الغارات في عهده أقل عدداً لكنها أكثر نوعية حيث استهدفت "العقول المدبرة" والخبراء التقنيين وقادتها الأمنيين للحركة وجهاز استخباراتها.
وفقاً لتحليل موازنة الدفاع الأميركية لعام 2026، يبلغ قوام الوجود الأميركي الحالي في الصومال نحو 1000 جندي بموازنة عملياتية تقدر بـ 280 مليون دولار. الهدف المعلن لهذا العام هو تحييد "العقد اللوجستية للأنفاق" عبر استخدام مسيرات "ريبير" المزودة بصواريخ "نينجا"، المصممة لقتل الأهداف داخل المخابئ من دون تدمير البنية المحيطة في المواقع المكتظة بالسكان.
حرب تكنولوجية
قال العقيد في وحدات التمشيط الميدانية إن "حركة الشباب" انتقلت إلى مرحلة "الحرب التكنولوجية الرخيصة" في عام 2026، ولم يعد التهديد يقتصر على العبوات الناسفة التقليدية بل امتد ليشمل المسيرات التجارية واستخدام طائرات معدلة لحمل قنابل يدوية وإسقاطها بدقة على تجمعات الجنود، كذلك تستخدم "الدرونز" في الرصد الجوي لتصوير عملياتها من زوايا سينمائية لأغراض الدعاية، مما يمنحها هالة إعلامية لا تناسب مع ضعفها الميداني الفعلي.
التجريف البشري
تعتمد الحركة على "التجريف البشري" لتعويض خسائرها الميدانية عبر استراتيجية ثلاثية الأبعاد تشمل تجنيد الأطفال، إذ يجري استهداف القرى التي تعاني من المجاعة وتقدم الحركة الغذاء مقابل "نذر" طفل واحد للمقاتلين. كذلك تعمل على الضغط العشائري عبر إجبار شيوخ القبائل على تقديم "حصة بشرية" وإلا واجهت العشيرة مصادرة مواشيها أو حرق محاصيلها، لا سيما في بلد يعاني من بطالة الشباب بنسبة تتجاوز 70 في المئة يمثل الراتب الشهري للحركة 150 دولاراً خياراً، وعليه فإن الانخراط في الحركة يرجع لأسباب معيشة وليس أيديولوجية. وأشارت تقارير ميدانية إلى أن الأطفال تحت سن الـ15 يمثلون نحو 30 في المئة من القوة البشرية الحالية للحركة، يستخدم الأطفال في أدوار "الجواسيس" أو "ناقلي الرسائل" لأنهم لا يثيرون ريبة الجيش، وفي مراحل متقدمة يجري دفعهم للعمليات الانتحارية بعد تخديرهم وغسل أدمغتهم في "الكتاتيب" التي تسيطر عليها الحركة، وذلك بعد عزلهم عن المجتمع الخارجي وتصوير العالم كعدو متربص.
خلف الشعارات الدينية المتشددة هناك وجه آخر أكثر قتامة، إذ أظهرت الفحوصات الجنائية لجثث المهاجمين في العمليات الأخيرة في إقليم هيران، وجود نسب هائلة من مواد مخدرة ومنشطة، أيضاً أظهرت عينات الدم المأخوذة من 70 في المئة من الانتحاريين وجود "الأمفيتامينات"، وهذه المواد تهدف إلى "أتمتة" المقاتل إذ تمنحه طاقة بدنية فوق طبيعية وتفصله عن غريزة الخوف والألم و"الهذيان القتالي". كذلك تفرض "حركة الشباب" إتاوات على خطوط تهريب القات والحشيش والخمور الآتية من كينيا وإثيوبيا، ويقدر الدخل السنوي من هذه الضرائب بنحو 22 مليون دولار، وهو ما يفسر صمود الحركة مالياً على رغم تجميد حساباتها المصرفية الرسمية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
انتفاضة المعاوسيلي
على رغم أهمية الأنفاق، تعيش الحركة أسوأ مراحلها التاريخية لأسباب عدة أبرزها "انتفاضة المعاوسيلي"، إذ يواجه المقاتل "أبناء عمومته" من القبائل للمرة الأولى وهم الذين يعرفون مداخل الغابات والأنفاق أكثر من الجيش النظامي، إضافة إلى تفعيل الذكاء الاصطناعي الاستخباراتي بعد أن بدأ الجيش باستخدام برمجيات تحليل الصور الجوية التي ترصد التغييرات الطفيفة في التربة، مما كشف مواقع مئات الخنادق التي كانت مخفية لأعوام. كذلك الصراع الداخلي لجهة انقسام القيادة بين الجناح الصومالي "الذي يريد التفاوض" والجناح الأجنبي "المتمسك بالقاعدة"، أدى إلى سلسلة تصفيات داخلية أضعفت الثقة.
الصور التي رصدتها القوات الصومالية المسلحة ليست مجرد حفر في الأرض، بل هي اعتراف ضمني بخسارة الحركة لقدراتها على المواجهة فوقها، بحسب خبراء عسكريين، والهروب إلى باطن الأرض هو "استراتيجية اليائس" الذي أدرك أن السماء لم تعد ملكه، وأن الحاضنة الشعبية قد رفضته. تظل "حرب الأنفاق" هي الأطول والأكثر كلفة وتتطلب من الحكومة الصومالية والمجتمع الدولي تكنولوجيا قادرة على الرؤية في ما وراء الطين والصخر وحلولاً تنموية تجفف منابع اليأس التي يتغذى عليها الإرهاب، حيث إن معركة الجيش الصومالي خلال العام الحالي هي عبر "الذكاء الجغرافي" وما يمتلكه من مسارات الأرض. لجوء الحركة إلى باطن الأرض هو المؤشر الرئيس الأبرز على "الضعف الاستراتيجي" وفقدان القدرة على مواجهة التكنولوجيا الأميركية والزحف العشائري.